
أرجوكي، لأ! متعمليش فيا كده! والنبي بلاش!
صوته كان عالي لدرجة إن الركاب اللي في آخر العربية لفّوا يبصوا علينا، والراجل اللي كان قاعد قدامي شال السماعة من ودنه، والست اللي جنبي من الناحية التانية وقفت مروحتها في نص الهوا.
أما هو، فكان واقف نص وقفة، إيده بتترعش، ووشه أحمر، وعينيه بتتنقل بيني وبين الناس اللي بدأت تتجمع حوالينا.
بصلي وقال بصوت واطي، مختلف تمامًا عن صوته المستفز من شوية
أرجوكي، اقفلي ده! أنا مستعد أعتذرلك قدام كل الناس، بس اقفلي ده!
رفعت عيني ليه وقلت بمنتهى الهدوء
تقفل إيه؟ أنا مش فاهمة إنت بتتكلم عن إيه.
بص حوالينا بسرعة، وبعدين قرب مني خطوة.
إنتِ عارفة كويس إنتِ عملتي إيه!
رجعت ضهري لورا وقلت بصوت يسمعه اللي حوالينا
لو سمحت، متقربش مني.
وقف مكانه فورًا.
الغريب إن الراجل اللي من عشر دقايق كان بيضحك على كلامي، وبيقولي أتحرك من مكاني مع إني كنت محشورة جنب الشباك، بقى دلوقتي خاېف حتى يقرب مني.
واحد من الركاب، راجل كبير في السن،
قام من كرسيه وقال له
في إيه يا ابني؟ إنت كنت بتزعق ليه؟
الراجل رد بسرعة
مفيش حاجة يا عمي، سوء تفاهم بسيط.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.
سوء تفاهم؟ طب احكي لهم حصل إيه من الأول.
بصلي بنظرة ټهديد، لكنه أول ما لاحظ إن الناس كلها مستنية يسمعوا، رجع خطوة لورا.
قال بعصبية
يا أستاذة، خلينا نخلص الموضوع بيني وبينك.
رديت عليه
لأ، إنت اللي من شوية كنت شايف إن من حقك تتجاهل كلامي وتلزق فيا رغم إني طلبت منك تبعد. دلوقتي بقى عايز الموضوع يبقى بيني وبينك؟
الست اللي كانت قاعدة قدامي قالت پغضب
يعني إيه تلزق فيها؟
بص الراجل للأرض، وبعدها قال
يا جماعة، الجو كان حر، وأنا كنت بحاول أريح نفسي. هي فهمت الموضوع غلط.
هنا، لأول مرة من بداية الرحلة، حسيت إن أعصابي بدأت تهدى.
مش لأنه اعتذر، ولا لأنه خاف.
لكن لأن الراجل اللي كان متخيل إن سكوتي معناه إني ضعيفة، بدأ يكتشف إن سكوتي كان معناه إني براقب كل تصرفاته وبفكر هتصرف إزاي.
ومع ذلك، أنا لسه ما كنتش خلصت.
خلوني أرجع بيكم عشر دقايق لورا، قبل ما الراجل ده يتحول من شخص مغرور لشخص بيترجاني.
اسمي نجلاء، عندي تلاتة
وثلاثين سنة، وكنت راجعة من إسكندرية للقاهرة بعد يوم طويل جدًا.
كنت مسافرة علشان أزور خالتي اللي تعبت فجأة، وكنت مستعجلة أرجع البيت لأن بنتي الصغيرة كانت عند أمي.
اليوم كله كان مرهق، ونفسي أوصل، آخد دش، وأرمي نفسي على السرير.
حجزت تذكرة في قطر مكيف، واخترت كرسي جنب الشباك تحديدًا علشان أقدر أرتاح شوية أثناء الطريق.
ولما ركبت، لقيت العربية زحمة بشكل غير طبيعي.
كل الكراسي كانت مشغولة، والممر مليان شنط، والناس بتحاول ترتب أماكنها قبل ما القطر يتحرك.
الراجل اللي قعد جنبي كان في أواخر التلاتينات تقريبًا، لابس بنطلون غامق وقميص فاتح، ومعاه شنطة ظهر كبيرة.
من أول ما قعد، كان بيتكلم في موبايله بصوت عالي، وبيشتكي من الشغل ومن الناس ومن الحر، وأنا كنت بحاول أتجاهله.
بعد حوالي عشرين دقيقة، التكييف وقف.
في البداية، محدش اهتم أوي، لأننا كنا لسه خارجين من المحطة والناس افتكرت إنه هيرجع يشتغل.
لكن الحرارة زادت، والعرق بدأ يظهر على وشوش الركاب.
واحد نادى الكمسري، وست كبيرة طلعت مروحة من شنطتها، وشاب فتح إزازة ميه وبدأ يوزع منها على ولاده.
وفي وسط كل
بصيت الناحية التانية علشان أتجنب الإحراج.
لكن بعد شوية، دراعه لمس دراعي.
اتحركت ناحية الشباك.
بعدها جسمه مال عليّا.
طلبت منه يبعد.
ضحك.
طلبت منه تاني.
استهزأ بيا.
ولما قلت له إني مش قادرة أتحرك أكتر، رد بمنتهى البرود
أمال أعملك إيه؟ أقعد بره القطر؟
الجملة دي بالذات خلتني أفهم إن الكلام معاه مش هينفع.
كان عارف إنه بيضايقني، وعارف إني مش مرتاحة، ومع ذلك اختار إنه يحول الموضوع لخناقة ويخليني أنا اللي أبان إني مكبرة المسألة.
فبطلت كلام.
مديت إيدي لشنطتي الصغيرة، وطلعت منها موبايلي.
فتحت الكاميرا الأمامية كأني براجع حاجة في وشي، لكن الحقيقة إني كنت ببص على انعكاس اللي بيحصل ورايا، وبسجل ملاحظات سريعة على الموبايل.
كنت محتاجة أتصرف بعقل، مش بانفعال.
أنا مش من النوع اللي بيحب المشاكل، لكن في نفس الوقت مش من النوع اللي بيسمح لحد يتجاوز حدوده لمجرد إنه شايف إن الظروف في صالحه.
وفي اللحظة دي، لاحظت حاجة مهمة جدًا.
الراجل كان كل شوية يبص على شنطته، وبعدها يبص للموبايل اللي في إيدي، وكأنه خاېف من حاجة معينة.
ما فهمتش السبب وقتها.
لكن قررت أحتفظ بالملاحظة دي في دماغي.
وبعد ما ضغط عليّا بجسمه للمرة التالتة، بدأت خطتي.
نرجع للحظة اللي كان فيها واقف قدامي وبيترجاني.
الناس بدأت تسأله أسئلة كتير.
إنت عملت لها إيه؟
هي عملت فيك إيه؟
هو في إيه أصلًا؟
لكنه ما كانش بيرد على حد.
كان مركز معايا أنا بس.
قرب شوية، وبص ناحية موبايلي، وبعدها همس
أنا هعتذرلك. والله هعتذرلك. بس بلاش تفضحيني.
سألته
أفضحك بإيه؟
بلع ريقه، وبص حواليه.
إنتِ عارفة.
هزيت راسي وقلت
لأ، أنا عايزة أسمعك إنت بتقول إيه.
الراجل الكبير اللي كان واقف جنبه تدخل
يا ابني، لو غلطت في حقها اعتذر وانتهى الموضوع. إيه اللي مخوفك بالشكل ده؟
الراجل رد بعصبية
يا عمي، الموضوع مش زي ما إنت فاهم!
قلت له
طيب، وضح لنا الموضوع زي ما هو.
سكت.
وفي اللحظة دي، موبايله رن.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه أكتر.
رفض المكالمة بسرعة، لكن الموبايل رن تاني.
واحد من الركاب قال له
رد يا ابني، يمكن حاجة مهمة.
الراجل صړخ
قلت مش هرد!
الصوت العالي زود الشكوك حواليه.
أما أنا، فكنت عارفة إن الوقت جه إني أوضح جزء من اللي حصل.
رفعت موبايلي قدام الناس وقلت
أنا من أول ما قعدت هنا، طلبت منه أكتر من مرة إنه يحافظ على المسافة بيننا. هو رفض، وضحك، وفضل يضايقني. ولما قررت أتصرف، لقيته فجأة خاېف بالشكل ده.
الراجل هز راسه پعنف.
لأ! لأ، مش ده السبب!
بصيتله مباشرة.
أمال إيه السبب؟
فتح بقه علشان يتكلم، لكنه ما طلعش منه صوت.
الست اللي كانت قاعدة قدامي قالت
يا بنتي، إنتِ عملتِ إيه؟ إحنا كلنا عايزين نفهم.
أخدت نفس عميق.
أنا ما عملتش فيه حاجة. أنا بس بدأت أتصرف بطريقة تخليه يبطل يتعامل معايا كأني مش من حقي أرفض تصرفاته.
الراجل حط إيده على راسه.
يا نهار أسود!
وهنا، بدأت أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد راجل اتضايق من موقف محرج.
كان فيه شيء آخر بېخاف ينكشف.
في اللحظة دي، ظهر الكمسري عند باب العربية، بعد ما سمع الزعيق.
كان معاه عامل من طاقم القطار، والاتنين حاولوا يفهموا سبب التجمع.
الكمسري سأل
في إيه يا جماعة؟ مين اللي بيزعق؟
الراجل رد بسرعة
مفيش حاجة يا أستاذ، سوء تفاهم.
لكن الست اللي قدامي أشارت لي وقالت
البنت دي كانت قاعدة في مكانها، وهو فضل يضايقها، ولما اعترضت عليه بدأ يزعق ويترجاها من غير ما نفهم السبب.
الكمسري بصلي.
حضرتك، ممكن تحكي لي اللي حصل؟
حكيت له من أول ما التكييف وقف، لحد ما الراجل بدأ يتعمد يضغط عليّا رغم إني طلبت منه يبعد.
حصل.
قلت الحقيقة زي ما هي.
الكمسري الټفت للراجل.
الكلام ده حصل؟
رد بعصبية
هي بتبالغ! أنا ما عملتش حاجة!
الكمسري سأله
طيب، إيه اللي خلاك تصرخ وتترجاها بالشكل ده؟
الراجل سكت.
بعدين بصلي وقال بصوت واطي
أرجوكي، كفاية بقى.
الكمسري لاحظ إنه مش طبيعي، فقال له
لو عندك مشكلة، اتكلم بوضوح. إنما مش هينفع تعطل الناس بالصوت العالي ده.
في اللحظة دي، الراجل مد إيده ناحية موبايلي.
هاتِ الموبايل ده!
رجعت إيدي فورًا وقلت بصوت عالي
إنت بتعمل إيه؟
الكمسري مسك دراعه قبل ما يقرب أكتر.
إنت فقدت عقلك؟ إزاي تمد إيدك عليها؟
الراجل بدأ يتلخبط.
أنا مش قصدي أنا بس عايز أتأكد من حاجة.
قلت له
من حقي أحتفظ بموبايلي، ومن حقك تشرح لنا إنت خاېف منه ليه.
وبعدها بصيت للكمسري وقلت
أنا مش عايزة أي حد يلمسني أو يحاول ياخد مني حاجة. كل اللي عايزاه إن الشخص ده يبعد عني، وإن اللي حصل يتسجل في شكوى رسمية لو لزم الأمر.
الكمسري هز راسه.
حقك طبعًا.
وبعدين طلب من الراجل يرجع لمكانه، لكنه رفض.
كان واقف مكانه، بيبص على موبايلي، وكأن الشاشة دي بقت أخطر حاجة في حياته.
يمكن تتخيلوا إني كنت مسيطرة على الموقف تمامًا، لكن الحقيقة إني كنت متوترة.
أنا مش بطلة أفلام، ومش عندي قوة خارقة، ومكنتش عايزة أتحول لمركز اهتمام كل اللي في العربية.
كنت بس عايزة أرجع بيتي بأمان.
واللي خلاني أكمل بثبات هو إني افتكرت بنتي.
افتكرت إني طول عمري بقول لها إن من حقها تقول لأ لما حاجة تضايقها، وإن محدش يقدر يجبرها تسكت لمجرد إنه أكبر منها أو صوته أعلى.
ما كانش ينفع أطلب منها تبقى قوية، وأنا أتنازل عن حقي علشان أتجنب الإحراج.
لكن في نفس الوقت، ما كنتش عايزة أظلم الراجل أو أتهمه بحاجة ما عملهاش.
علشان كده، قررت ما أفسرش خوفه من نفسي.
خليته هو اللي يشرح.
قلت له
بص يا أستاذ، أنا مش هخمن إنت خاېف من إيه. لو عندك حاجة تقولها، قولها قدام الكمسري. إنما لو كل اللي عندك إنك عايزني أسكت، فده مش هيحصل.
الراجل مسح عرقه بإيده.
إنتِ مش فاهمة العواقب.
سألته
عواقب إيه؟
رد بسرعة
لو الموضوع اتعرف، حياتي هتبوظ!
الجملة دي خلت كل اللي حوالينا يسكتوا.
الكمسري عقد حواجبه.
يعني إيه حياتك هتبوظ؟
الراجل اتدارك نفسه، وحاول يغير كلامه.
قصدي إن الناس هتفهم الموضوع غلط، وأنا عندي شغل وبيت وأسرة.
قلت له
وأنا كمان عندي حياة وبيت وأسرة. ولا إنت بس اللي عندك حاجات تخاف عليها؟
ما ردش.
كانت أول مرة يشوفني في عينيه من غير ما يقدر يسخر أو يتهرب.
وبعد لحظات، قال
أنا غلطت لما ما احترمتش طلبك. أنا آسف.
الاعتذار كان واضح إنه خارج منه بالعافية.
لكنني ما اكتفيتش بيه.
قلت
اعتذارك مقبول من ناحية الكلام، لكن ده مش معناه إنك تقدر تمد إيدك على موبايلي أو تمنعني من إني أطلب المساعدة.
هز راسه بسرعة.
مش هعمل كده تاني.
وبعدين رجع بص للموبايل، وقال بصوت مكسور
بس الفيديو
وقبل ما يكمل، فهمت أخيرًا إيه اللي كان شاغل باله.
رفعت موبايلي وقلت
فيديو إيه؟
الراجل اتجمد.
الكمسري بصلي باستغراب.
حضرتك صورتي حاجة؟
قلت
أنا كنت فاتحة كاميرا الموبايل، لكن ما نشرتش أي حاجة، وما هددتش الراجل بحاجة. أنا بس كنت بحاول أفهم اللي بيحصل وأحافظ على حقي.
الراجل هز راسه پعنف.
لأ، إنتِ صورتي! أنا شفتك!
قلت له
حتى لو كنت صورت الموقف، ده مش مبرر إنك تمد إيدك عليّا أو تحاول تاخد موبايلي.
الكمسري تدخل بحزم
خلاص، محدش هياخد حاجة من حد. لو فيه شكوى، تتقدم بالطريقة القانونية.
لكن الراجل كان لسه مش مقتنع.
قرب مني خطوة، ثم تراجع لما شاف الكمسري بيبص له.
اسمعيني بس. أنا عندي شغل مهم جدًا، ولو الفيديو ده وصل لحد، هتبقى مصېبة.
سألته
شغلك أهمسكت.
قلت
إنت من شوية كنت بتقول إن الجو حر، وإن من حقي أتحرك علشان أريحك. دلوقتي بقيت بتتكلم عن شغلك ومستقبلك. هو إنت فكرت لحظة واحدة إن أنا كمان إنسانة، وإن ليّا حدود وراحة وكرامة؟
الراجل نزل عينيه.
ولأول مرة، ما حاولش يرد.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش في اعتذاره.
كانت في المكالمة اللي رجعت تظهر على شاشة موبايله.
المرة دي، اسم المتصل كان ظاهر بوضوح.
مدير الفرع.
الراجل بص للشاشة كأنه شايف حكم إعدام.
وبعدين بص للكمسري، وقال بسرعة
ممكن أتكلم معاك على جنب؟
الكمسري رد
اتكلم هنا. مفيش حاجة تستدعي الكلام في السر.
الراجل بلع ريقه.
وبعد تردد طويل، رد على المكالمة.
أيوه يا فندم
جاله صوت رجل من الناحية التانية، كان عالي لدرجة إن بعض الركاب قدروا يسمعوه.
إنت فين يا محمود؟ أنا باتصل بيك من بدري!
محمود رد بتوتر
أنا في القطر يا فندم، وفي مشكلة بسيطة
الرجل قاطعه
مشكلة إيه؟ إحنا مستنيينك من نص ساعة!
محمود بصلي، وبعدها قال
هتصرف يا فندم.
لكن مديره قال جملة قلبت الموقف كله
أنا مش عايز أسمع كلمة هتصرف. إنت عارف إن فيه شكوى اتقدمت ضدك من الصبح، وعارف إننا طلبنا منك تحضر بنفسك وتوضح اللي حصل. لو مش هتيجي، ابعت لي سبب واضح.
محمود وشه شحب.
الكمسري بص له، وأنا بدأت أفهم إن فيه موضوع سابق، لكن ما كنتش أعرف إيه علاقته بيا.
محمود حاول يبعد الموبايل عن ودنه، لكن الصوت استمر
محمود، إنت سامعني؟
رد بسرعة
أيوه يا فندم.
طيب، ما تنساش إنك وعدتني إنك مش هتكرر التصرفات دي تاني.
المكالمة انتهت.
والعربية كلها بقت ساكتة.
محمود فضل واقف، والموبايل في إيده، وعينيه مثبتة على الأرض.
الراجل الكبير اللي كان بيتابع الموقف من البداية قال
واضح إن الموضوع مش أول مرة.
محمود رفع راسه پغضب.
إنت مالك إنت؟
الراجل رد بهدوء
مالي إنك كنت بتضايق البنت، ولما اتكلمت معاك قلبت الدنيا. لو إنت مظلوم، وضح. إنما ما ينفعش تخوف الناس علشان تسكت.
الكمسري طلب من محمود يقعد بعيد عني، وبعدها سألني إذا كنت عايزة أقدم شكوى.
قلت له
أيوه، عايزة أسجل اللي حصل، خصوصًا إنه حاول ياخد موبايلي.
محمود رفع راسه فجأة.
لأ، أرجوكي! أنا اعتذرت!
بصيت له وقلت
وأنا سمعت اعتذارك. لكن الاعتذار مش معناه إن حقي يضيع.
بعد حوالي عشر دقايق، بدأ الجو في العربية يهدى.
الكمسري طلب من الركاب يسيبوا مساحة، وفضل واقف قريب علشان يمنع أي احتكاك تاني.
أما محمود، فكان قاعد في مكان أبعد، لابس قميصه اللي طلعه من الشنطة، ووشه متغير تمامًا.
ما بقاش بيتكلم في الموبايل بصوت عالي.
ما بقاش بيتريق على الناس.
وكل ما حد يبص ناحيته، كان يشيح بوشه.
أنا رجعت قعدت جنب الشباك، وحاولت أركز في الطريق.
لكن الست اللي كانت قاعدة قدامي لفت ناحيتي وقالت
ربنا يقويكي يا بنتي. أنا شفت اللي حصل، وإنتِ كنتِ هادية جدًا.
ابتسمت لها.
أنا بس كنت عايزة أقعد في أمان وأكمل طريقي.
قالت
المهم إنك ما سكتّيش عن حقك.
كلمة لأ معناها لأ، حتى لو الشخص اللي قدامك مش قادر يسيب مكانه أو يمشي.
هز راسه.
فهمت.
رجع مكانه.
وكان ممكن القصة تنتهي هنا، لولا إن حاجة غير متوقعة حصلت قبل ما القطر يوصل للمحطة التالية.
موبايلي رن.
كانت أمي.
رديت وقلت
أيوه يا ماما، أنا في القطر، قربت أوصل.
قالت بقلق
إنتِ كويسة يا نجلاء؟
استغربت سؤالها.
أيوه، ليه؟
قالت
علشان صوتك مش طبيعي. حصل حاجة؟
بصيت حواليّ، وبعدها قلت لها
كان فيه راجل قاعد جنبي ضايقني، بس الموضوع اتحل، والكمسري موجود.
أمي سكتت لحظة، وبعدين قالت
خلي بالك من نفسك، وما تتنازليش عن حقك.
طمنتها، وقفلت المكالمة.
وأنا بحط الموبايل في شنطتي، سمعت صوت محمود بيتكلم مع نفسه بصوت واطي
يا رب تعدي على خير.
ما كنتش ناوية أرجع أفتح الموضوع معاه، لكن فجأة سمعت صوت رسالة وصلت لموبايله.
بص للشاشة، وبعدها فتحها.
ثواني، ووشه اتغير تاني.
قام من مكانه وهو بيقول
لأ، مش معقول!
الكمسري قرب منه.
في إيه تاني؟
محمود ما ردش.
فضل يبص للشاشة، وبعدها رفع عينيه ناحيتي.
كان فيه خوف حقيقي في نظرته، لكن المرة دي ما كانش بسبب كاميرا موبايلي.
كان بسبب الرسالة اللي وصلته.
قال بصوت متقطع
إنتِ إنتِ تعرفي الأستاذة هبة؟
عقدت حواجبي.
هبة مين؟
قال بسرعة
هبة اللي شغالة في الإدارة عندنا. إنتِ تعرفيها؟
هزيت راسي.
معرفهاش.
بص للموبايل تاني، وبعدها قال
طيب، إزاي اسمك اتذكر في الرسالة؟
قلبي بدأ يدق أسرع.
اسمي اتذكر في رسالة إيه؟
محمود قرب خطوة، لكنه وقف بعيد لما الكمسري أشار له يرجع.
قال
الرسالة بتقول إن فيه شكوى جديدة وصلت للإدارة، وإن فيه شاهدة اسمها نجلاء كانت موجودة في القطر النهارده.
بصيت له باستغراب.
أنا ما قدمتش أي شكوى للإدارة عندكم.
قال
عارف بس الرسالة بتقول إن فيه تحقيق هيبدأ بسبب شكوى من راكبة.
سكت لحظة، وبعدها أضاف
وفيه كلام عن تسجيلات كاميرات.
في اللحظة دي، فهمت إن محمود كان عنده مشاكل سابقة في شغله، وإن اللي حصل بيننا زوّد خوفه من إن حد يكتشف سلوكه.
لكن ما كنتش أعرف مين هبة، ولا إيه الشكوى اللي بيتكلم عنها.
قلت له
أنا ماليش علاقة بشغلك، ومش هقدر أفسر لك رسائل مش فاهمة مصدرها.
هز راسه ببطء.
أنا عارف.
رجع قعد، وفضل يقرأ الرسالة أكتر من مرة.
أما أنا، فحاولت أخرج نفسي من الموضوع كله.
لكن بعد دقائق، وصلني أنا كمان إشعار على الموبايل.
رسالة من رقم غير مسجل.
فتحتها، ولقيت مكتوب
لو إنتِ الراكبة اللي كانت قاعدة جنب محمود في القطر، من فضلك احتفظي بأي تسجيل عندك. إحنا محتاجين نعرف الحقيقة.
فضلت باصة للرسالة، مش فاهمة مين بعتها ولا عرف رقمي منين.
وبعدها وصلت رسالة تانية
محمود مش أول مرة يعمل كده، وفيه ناس اتضررت بسببه قبل كده.
رفعت عيني ناحية محمود.
كان قاعد في مكانه، ساكت، وحاطط إيده على وشه.
ولأول مرة، حسيت إن الموقف اللي بدأ بسبب راجل قرر إنه مش مضطر يحترم حدودي، ممكن يكون وراه حكاية أكبر بكتير.
لكنني ما كنتش هسمح لأي حد يجرني لمشكلة من غير ما أعرف الحقيقة.
رديت على الرقم
مين حضرتك؟ وإزاي عرفت رقمي؟
استنيت.
ثواني.
دقيقة.
وبعدين وصل الرد.
اسمي هبة. وأنا محتاجة أتكلم معاكي، بس مش على الموبايل.
وصل القطر للمحطة التالية، وبدأ الركاب ينزلوا ويطلعوا.
أنا ما نزلتش، لأن محطتي كانت لسه بعيدة.
الكمسري كان واقف قريب من الباب، ومحمود قاعد ساكت، كأنه فقد القدرة على الكلام.
وبعد شوية، جتني رسالة جديدة من هبة
ما نشرتش أي حاجة.
كل اللي كان معايا هو وصف دقيق للموقف، وشهود شافوا جزءًا منه، ورسائل بدأت تظهر فجأة من ناس ما أعرفهاش.
كتبت لهبة
أنا مش هتهم حد من غير دليل، ومش هشارك أي تسجيل أو بيانات خاصة مع رقم مجهول. لو فيه إجراء رسمي، ابعتي لي طريقة أتواصل بيها مع الجهة المسؤولة.
ردت بعد لحظات
معاكي حق. هبعت لك بيانات التواصل الرسمية.
وبالفعل، أرسلت لي اسم جهة العمل ورقمًا رسميًا للتواصل، من غير ما تطلب مني أبعت لها صور بطاقتي أو أي بيانات شخصية.
احتفظت بالرسائل، وقررت أراجع الموضوع بعد ما أوصل البيت.
لكن قبل ما أحط الموبايل، محمود قام فجأة، ومشى ناحية الكمسري.
قال له
أنا عايز أنزل في المحطة الجاية.
الكمسري سأله
محطتك دي؟
أيوه.
بصيت من الشباك، وعرفت إنها مش المحطة اللي كان المفروض ينزل فيها، لأنه من بداية الرحلة كان بيتكلم عن إنه رايح القاهرة.
الكمسري قال له
إنت حر، بس لو فيه شكوى اتسجلت، لازم تلتزم بالإجراءات المطلوبة.
محمود هز راسه.
أنا مش بهرب من حاجة.
لكن صوته ما كانش مقنعًا.
شال شنطته، وفضل واقف عند الباب لحد ما القطر وقف.
وقبل ما ينزل، لف ناحيتي وقال
أنا عارف إنك مش مطالبة تسامحيني، بس أتمنى ما تحكميش عليّا من موقف واحد.
بصيت له وقلت
أنا حكمت على التصرف اللي شفته بعيني. أما باقي حياتك، فده شيء إنت مسؤول عنه.
ما ردش.
نزل من القطر، والباب اتقفل وراه.
وأنا رجعت أبص للشباك، وحسيت أخيرًا إن المساحة اللي حواليا بقت أوسع.
بعد ما وصلت القاهرة، رحت بيت أمي، وحضنت بنتي، وحاولت أنسى اليوم كله.
لكن في الليل، وأنا قاعدة في الصالة، رجعت أفكر في اللي حصل.
كان سهل جدًا إني أقول إن محمود مجرد شخص قليل الذوق، وإن الموضوع انتهى باعتذاره ونزوله من القطر.
لكن الرسائل اللي وصلتني كانت بتقول إن فيه شكوى سابقة، وإن فيه ناس عايزة تعرف الحقيقة.
ما كنتش عايزة أكون طرفًا في صراع مهني ما يخصنيش، لكن في نفس الوقت ما كنتش مستعدة أسمح لحد يضغط عليّا علشان أسكت.
في اليوم التالي، تواصلت مع الجهة الرسمية اللي بعتت لي هبة بياناتها.
شرحت اللي حصل، وقلت بوضوح إنني مستعدة أقدم إفادتي عن الموقف اللي شفته، من غير ما أضيف أي اټهامات مش متأكدة منها.
الموظف اللي كلمني طلب مني أكتب التفاصيل بالترتيب وقت الواقعة تقريبًا، مكان المقعد، الكلام اللي اتقال، وتصرف محمود لما اعترضت عليه.
كتبت كل حاجة.
ما كتبتش إنه مچرم، ولا إنه عمل حاجات تانية.
كتبت إنه خلع قميصه، وإنه كرر الاحتكاك بجسمي رغم اعتراضي، وإنه سخر من طلبي، وبعدها حاول يوصل لموبايلي لما اتوتر.
وفي آخر الإفادة، كتبت جملة واحدة
أنا لا أطلب الاڼتقام من أحد، لكنني أطلب أن يؤخذ اعتراضي بجدية، وألا يتكرر هذا التصرف مع أي راكبة أخرى.
بعت الإفادة، واحتفظت بنسخة عندي.
وبعد يومين، اتصلت بي هبة من رقم العمل الرسمي.
قالت
أنا عايزة أشكرك إنك وافقتي تقدمي إفادتك.




