
الباحث قدر يوصل لسجل الوصاية الخاص بليلى، ولقى اسمك باعتبارك المسؤولة عن رعايتها. وقتها عرفنا إن كلير ماټت.
بصّيت له پصدمة.
يعني إنت ما كنتش تعرف إن أختك ماټت؟
صوته اتكسر وهو بيرد
لأ. ما كناش نعرف.
نزل راسه، وفضل ساكت لحظة، وبعدها قال
كان المفروض نحاول أكتر. كان المفروض ما نستناش كل السنين دي. لو كنا دوّرنا عليها بجد، يمكن كنا عرفنا إنها ماټت بدري، ويمكن كنا قدرنا نكون جنب بنتها.
ما قدرتش أمنع نفسي من الرد
بقالها تلات سنين مېتة.
هزّ راسه بحزن.
عارف.
وبعدين أضاف
إحنا بعتنا جوابين عن طريق مكتب محاماة، لكن ما عرفناش إذا كانوا وصلوا لك ولا لأ.
افتكرت درج المطبخ اللي بحط فيه الجوابات والفواتير القديمة، واللي فيه أظرف كتير لسه ما فتحتهاش، لأنني كنت مشغولة طول الوقت بمحاولة تدبير مصاريف البيت ورعاية ليلى.
لكن حتى لو كانت الجوابات وصلت، ما كنتش هقدر أتخيل إن فيه عيلة كاملة بتدور علينا.
سألته
طيب، إنتوا عايزين إيه دلوقتي؟
نيت بصّ لي مباشرة، وقال
أبويا بېموت. الدكاترة قالوا إن فاضل له أسابيع قليلة.
سمعت كلامه، لكن الغريب إني ما حسّيتش بالحزن اللي كان متوقع مني أحس بيه.
أنا ما كنتش أعرف الراجل ده، وما كانش بيني وبينه أي علاقة، غير إنه أبو الست اللي كانت مرات ابني.
وبصراحة، بعد كل اللي سمعته عن معاملته لبنته، ما قدرتش أحس بأي تعاطف
ناحيته.
قلت له ببرود
أنا آسفة إنه مريض، لكن ده مش معناه إن ليلى لازم تدخل في الموضوع.
نيت هزّ راسه.
ميريديث وأنا عايزين
وجدها نفسه عايز يشوفها؟
سكت نيت لحظة، وبعدها قال
هو بيقول إنه مش عايز.
رفعت حاجبي باستغراب.
يعني إنت جاي لحد بيتي، وبتقول لي إنكم عايزين حفيدتي تقابل راجل مش عايز يشوفها؟
نيت أخد نفس طويل.
أنا عارف إن الموضوع شكله غريب، لكن إحنا شايفين إن أبويا بېكذب على نفسه. هو عنيد، وكبرياؤه مانعه يعترف بالحقيقة. شايل جواه حاجة من سنين، وإحنا مقتنعين إنه عايز يشوف حفيدته، لكنه مش قادر يسامح نفسه على اللي عمله في كلير.
بصّيت له بعدم تصديق.
وإنتوا قررتوا تتصرفوا من وراه؟
ردّ من غير تردد
أيوه.
وبعدين كمل بسرعة
ليلى بنت أختنا، وإحنا كمان عايزين نعرفها. مش جايين علشان ناخدها منك أو نغيّر حياتها. إحنا بس مش عايزين نضيّع الفرصة الوحيدة اللي فاضلة لينا.
حسّيت بالڠضب بيتصاعد جوايا.
قلت له
إنتوا سيبتوا السنين تعدّي، ولما افتكرتوا إن عندكم بنت أخت، جيتوا فجأة علشان عايزين تشوفوها. فين كنتوا طول الوقت ده؟
نيت ما حاولش يدافع عن نفسه.
قال بصوت منخفض
معاكي حق. كان المفروض نقف قدام أبويا من زمان. كان المفروض ما نخافش منه، وما نسيبش كلير تواجه كل حاجة لوحدها.
وبعدين بصّ لي برجاء.
لكن دلوقتي، الوقت بيخلص. ومش عايزين ليلى تخسر فرصة إنها تعرف إن ليها عيلة، حتى لو أبويا ما قدرش يصلّح كل اللي عمله.
عقدت دراعاتي قدام صدري، وقلت له
إنتوا عيلة غنية، وعندكم فلوس ومحامين، وأنا ست عندها سبعين سنة، وبربي طفلة يتيمة، وسقف بيخرّ ميّه، ومصاريف مش عارفة أغطّيها كل شهر. إزاي أضمن إنكم مش هتحاولوا تاخدوها مني؟
نيت اتفاجئ من سؤالي.
تاخدوها منك؟ لأ، طبعًا! إحنا مش عايزين كده.
قلت له بحدة
الكلام سهل. لكن أنا مش هخاطر بحفيدتي علشان حد يجي بعد تلات سنين يقول لي إنه ندمان.
نيت سكت لحظة، وبعدها مدّ إيده داخل الجاكيت اللي كان لابسه، وطلع كيس مخملي صغير.
قال
ميريديث ادتني ده علشان أوصله لليلى.
بصّيت للكيس، لكنني ما مدّيتش إيدي آخده.
مش عايزاه.
نيت فضّل ماسكه بين إيديه، وقال برجاء
من فضلك، احتفظي بيه ليها. ده حقها. مش لازم تقرري دلوقتي إذا كنتِ هتسمحي لها تقابل أبويا ولا لأ، لكن على الأقل ما تحرميهاش من الحاجة اللي جدتها كانت عايزاها ليها.
فضلت مترددة، لكن في النهاية أخدت الكيس، مش علشان وثقت فيه، لكن علشان ما كنتش عايزة أضيّع حق حفيدتي مرة تانية.
نيت رجع خطوة لورا، وقال
أنا هسيب لك رقمي. لو قررتِ تقابلينا، اتصلي بيا.
وبعدها مشي ناحية العربية السوداء، وركبها، واختفى من قدام البيت.
قفلت الباب بالمفتاح، وفضلت واقفة مكاني لثواني طويلة.
وبعدين مشيت ناحية المطبخ، وقعدت على الكرسي الخشبي القديم، وحطيت الكيس المخملي قدامي على الترابيزة.
بصّيت له، وأنا بفكر في كل اللي حصل من الصبح.
عيلة غنية، وجد بېموت، وخاتم ألماس، وأسرار مدفونة من سنين.
لكن أكتر حاجة كانت مخوفاني هي إنهم ممكن يستخدموا الفلوس والمحامين علشان يغيّروا حياة ليلى، أو حتى يحاولوا ياخدوها مني.
أنا ما كانش عندي غيرها.
هي كل اللي فضل لي من ابني وزوجته، ومهما كانت ظروفنا صعبة، عمري ما كنت هسمح لأي حد ياخدها مني.
وأنا لسه غرقانة في أفكاري، سمعت صوت خطوات صغيرة على السلم.
ليلى نزلت من أوضتها وهي لابسة الشراب، وحاضنة الأرنب القماشي اللي ما بتنامش من غيره.
أول ما شافتني، سألتني
تيتا، مين اللي كان بيخبط على الباب؟
بصّيت لها، وحاولت أخفي قلقي.
قلت لها
ناس كانوا فاكرين إنهم جايين لبيت تاني يا حبيبتي.
ليلى قربت مني، وحطت رسمة على الترابيزة.
كانت رسمة لأربع شخصيات صغيرة أنا وهي، وفوقنا نجمتين بتمثل ماما وبابا.
ابتسمت وقلت لها
رسمة جميلة يا حبيبتي.
هزّت راسها، وبعدها قالت
دي ماما وبابا، وهما بيبصّوا علينا من السما.
حضنتها وقلت
أيوه يا روحي. أكيد كانوا هيفرحوا برسمة زي دي.
ليلى سكتت شوية، وبعدها سألتني سؤال خلّى قلبي يتوجع
تيتا، هو أنا ممكن يبقى عندي عيلة كبيرة في يوم من الأيام؟
بصّيت لها باستغراب.
ليه بتسألي يا حبيبتي؟
قالت
كل صحابي في المدرسة عندهم خالات وأعمام وأولاد عم، وبيحكوا عن التجمعات اللي بيعملوها في الأعياد. أنا بحبك جدًا، ومش عايزة أعيش مع حد غيرك، لكن ساعات بحس بالوحدة لما أشوفهم بيتكلموا عن عيلتهم.
حسّيت بدموعي بتتجمع في عيني.
ضمّيتها لصدري، وقلت لها
أنا فاهمة يا حبيبتي. وأنا كمان بتمنى إن الأمور كانت مختلفة.
رفعت وشها وبصّت لي.
تفتكري هييجي يوم وأبقى عندي عيلة كبيرة؟
السؤال وقف في زوري.
ما قدرتش أوعدها بحاجة ما أعرفش إذا كانت هتحصل ولا لأ.
اكتفيت إني أبوس شعرها وأضمّها أكتر.
لكن عيني فضلت معلقة بالكيس المخملي اللي كان على الترابيزة.
كنت بفكر هل من حقي أمنعها من مقابلة جدها، وهو فاضل له أسابيع قليلة في الدنيا؟
وفي نفس الوقت، ماذا لو قابلته واتعلقت بيه، وبعدين اكتشفت إنه مش عايزها فعلًا؟ ماذا لو جرحتها الحقيقة، بعد كل اللي شافته في حياتها؟
ما كنتش أعرف إن القرار اللي هاخده في الأيام الجاية مش هيغيّر حياة ليلى بس، لكنه هيكشف لي كمان حقيقة عن ابني وزوجته ما كنتش أتخيلها أبدًا.
وفي اللحظة دي، رنّ موبايلي.
رقم غريب ظهر على الشاشة.
ردّيت بحذر
ألو؟
جالي صوت ست هادي، لكنه كان متوتر.
مساء الخير. أنا ميريديث، أخت كلير. إحنا اتقابلنا امبارح في السوبر ماركت.
اتشدّيت في مكاني.
إنتِ عايزة إيه؟
قالت بسرعة
أرجوكي، ما تحكميش علينا من الكلام اللي قاله نيت. هو ما كذبش عليكي، لكنه ما يعرفش كل حاجة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
يعني إيه ما يعرفش كل حاجة؟
ردّت
مش هقدر أشرح لك في التليفون. أنا موجودة في كافتيريا مستشفى سانت لوك. لو تقدري تيجي، فيه حاجة لازم تعرفيها عن كلير وابنك دانيال.
أول ما سمعت اسم ابني، حسّيت إن معدتي اتقبضت.
ليه؟ إيه اللي حصل لدانيال؟
ميريديث سكتت لحظة، وبعدها قالت
أنا مش عايزة أخويا يعرف إني بكلمك دلوقتي. فيه تفاصيل هو نفسه ما يعرفهاش، ولو اتقالت بطريقة غلط، ممكن تسبّب مشاكل أكبر.
قلت لها بحذر
وليه المفروض أثق فيكي؟
ردّت بصراحة
مش المفروض تثقي فيا من أول مرة. لكن أرجوكي، اديني فرصة أحكيلك الحقيقة بنفسك، وبعدها قرري إذا كنتِ عايزة تسمعي أكتر ولا لأ.
قفلت المكالمة، وفضلت ماسكة الموبايل وأنا بفكر.
كنت عارفة إن ليلى محتاجاني، وإن مش من السهل أسيبها لوحدها علشان أروح أقابل ست ما أعرفهاش.
اتصلت بجارتنا بات، وطلبت منها تقعد معاها ساعتين، وبعدها لبست هدومي وخرجت.
كنت رايحة المستشفى علشان أسمع الحقيقة.
لكن ما كنتش أعرف إن المقابلة دي هتفتح باب على سر قديم، سر كان ممكن يغيّر كل اللي كنت فاهمته عن حياة ابني دانيال.
ولما وصلت الكافتيريا، لقيت ميريديث قاعدة في ركن بعيد، قدامها كوب قهوة ما لمستهوش.
أول ما شافتني، قامت بسرعة وقالت
إنتِ جيتي فعلًا.
قعدت قدامها، وقلت من غير مقدمات
إنتِ قلتي إن فيه حاجة لازم أعرفها عن ابني ومراته. اتفضلي، أنا سامعاكي.
ميريديث بصّت حوالين المكان، وبعدها قربت مني وقالت بصوت منخفض
قبل ما أتكلم عن دانيال، لازم أحكيلك إيه اللي حصل امبارح في السوبر ماركت.
عقدت حاجبي باستغراب.
مش إنتِ قلتي إنك كنتِ بتحاولي ترجّعي الخاتم لليلى؟
هزّت راسها.
أيوه. لكن الحقيقة إني كنت براقبكم من تلات أيام.
رجعت بضهري للكرسي، وبصّيت لها پصدمة.
إنتِ كنتِ بتراقبي حفيدتي؟!
ممر الحلويات، لكن أول ما شفت سواق بابا واقف عند المدخل، اتجمدت مكاني.
بصّيت لها باستغراب وسألتها
سواق أبوكي؟
هزّت راسها وقالت
أيوه. بابا اكتشف إن الخاتم اختفى من أوضته، وخمّن أنا كنت ناوية أعمل إيه. هو عارف إني الوحيدة اللي ممكن أحاول أوصل الخاتم لابن أختي.
سكتت لحظة، وبعدها كملت بصوت مكسور
أنا ما كنتش عايزة أسرق حاجة. الخاتم ده كان المفروض يبقى من حق كلير، أختي، من سنين طويلة. ولما ماټت، حسّيت إن من حق بنتها تعرف إن فيه ناس من عيلتها لسه موجودين.
فضلت باصة لها، وأنا بحاول أستوعب إن الست اللي شفتها امبارح في السوبر ماركت، واللي كانت بټعيط وكأن حياتها انتهت، هي أخت الراجل اللي جالي الصبح بعربية فخمة، وبيقول لي إنهم بيدوّروا علينا من سنين.
سألتها
طيب، ليه ما جيتيش لحد عندي من الأول؟ ليه كل السنين دي محدش فيكم حاول يوصل لبنت أخته؟
نزلت ميريديث عينيها للأرض، وفضلت تلفّ كوب القهوة بين إيديها.
حاولنا، بس ما حاولناش كفاية. ودي الحقيقة اللي أنا مش فخورة بيها.
وبعدين رفعت عينيها لي وقالت
بابا كان قاسې جدًا مع كلير. لما قررت تتجوز ابنك دانيال، هو اعتبر إنها خانته، وإنها اختارت راجل من غير المستوى الاجتماعي اللي هو كان عايزه ليها. حاولنا نقنعه إنه غلطان، لكنه كان بيهددنا كل مرة إننا لو وقفنا جنبها هنخسر كل حاجة.
وإنتوا خفتوا على نفسكم؟
ما حاولتش تبرر.
قالت بهدوء
أيوه. خفنا. وسمحنا له يبعدها عننا. ولما حاولنا نرجع نتواصل معاها بعد كده، كانت هي نفسها رافضة تسمع اسم بابا. كنا بنقول لنفسنا إننا هنحاول تاني لما الأمور تهدى، لحد ما اكتشفنا إنها ماټت من غير ما نعرف.
حسّيت بغصة في حلقي.
كنت فاكرة إن ابني وزوجته عاشوا حياتهم بعيد عن أهلها بمحض إرادتهم، وإن كلير ما كانتش عايزة أي علاقة بأبوها.
لكن ما كنتش أعرف إن فيه ناس تانية سكتت، وفضلت بعيدة، لحد ما الوقت سرق منهم فرصة إنهم يصلحوا اللي حصل.
سألت ميريديث
والخاتم؟ ليه أبوكي متمسك بيه بالشكل ده؟
اتنهدت وقالت
الخاتم كان بتاع أمي. قبل ما ټموت، وصّت إن كلير تاخده علشان تديه لأول طفل تخلفه. بابا كان عارف الوصية دي، لكنه رفض ينفذها بعد ما كلير اتجوزت دانيال. كان بيقول إنها اختارت تعيش من غير عيلتنا، يبقى ما ينفعش ترجع تطالب بحاجة منها.
يعني الخاتم فضل عنده كل السنين دي؟
أيوه. وكان كل ما أتكلم معاه عنه، يرفض حتى يسمع اسم كلير. ولما عرفت إن صحته بقت سيئة، وإن الدكاترة قالوا إن فاضل له أسابيع، قررت إني مش هسمح للخاتم يضيع تاني. أخدته من على الكومودينو في أوضته، وكنت ناوية أوصله ليكي.
لكن ضاع منك في السوبر ماركت.
هزّت راسها، ودموعها بدأت تتجمع في عينيها من جديد.
أيوه. ولما اكتشفت إنه مش معايا، حسّيت إن كل حاجة انتهت. كنت عارفة إن بابا هيعرف إني أخدته، وكنت خاېفة إنه يمنعني من أي محاولة تانية علشان أوصل ليكي.
بصّيت لها طويلًا، وبعدها سألتها السؤال اللي كان شاغل بالي من أول ما سمعت اسم أبيها
إنتِ عايزة إيه من حفيدتي بالضبط؟
ميريديث ما ردّتش فورًا.
وبعدين قالت
عايزاها تعرف إن ليها عيلة، وإن أمها ما كانتش منسية عندنا. وعايزة أديها الخاتم اللي جدتها كانت عايزاه ليها. لكن قبل كل ده، لازم أكون صريحة معاكي في حاجة.
اتشدّيت في مكاني.
إيه هي؟
قالت




