روايات وقصص

بنتي اخي كانت تستيقظ

خرجت من البيت فوراً، ولم أستطع أن أبقى فيه دقيقة واحدة، واتجهت مباشرة إلى المستشفى، وعندما وصلت إلى غرفة سلمى، وجدتها جالسة على السرير، والمحامي القديم لأخي جالس بجانبها، وعندما رآني، قام بسلامي باحترام، وقال لي بصوت هادئ أستاذ محمد لقد انتظرت طويلاً حتى أتكلم معك، لقد أوصاني أخوك رحمه الله أن لا أتدخل إلا إذا اكتشفت الحقيقة بنفسك، لأنك كنت تثق بزوجتك، وكان يريد أن يبقى الاحترام بينكم، لكن للأسف ما حدث لم يكن في الحسبان.

جلست بجانب سلمى، وأمسكت بيدها الصغيرة النحيلة، وشعرت بحرارتها العالية، وقلت لها بصوت دافئ محاولاً أن أزيل الخوف من قلبها سامحيني يا سلمى سامحيني لأنني كنت أعمى، وسامحيني لأنني تركتك تعاني كل ده لوحدك، وأنا اللي كان المفروض أكون لك الأب والأخ والصديق. أنا وعدك من اليوم ده، مش هيحزنك حد، ومش هيجحفك حد أبداً، وكل حق لك هنرجعه لك، مهما كان الثمن.

نظرت إليها، ورأيت في عينيها نظرة لم أرها من قبل، نظرة لم تكن مجرد سعادة أو راحة، بل كانت نظرة أمل انقطع ثم عاد مرة أخرى، وقالت بصوت خافت أنا مش عايزة فلوس يا عمو أنا بس عايزة أعيش معاك، وعايزة أكون معاك طول العمر، أنت أهلي كل ما تبقى لي في الدنيا.

دمعت عيناي، وضممتها إلى صدري، وقلت لها وأنتِ بنتي، وكل ما أملك لك، ومش هنفترق أبداً.

بعدها، التفت إلى المحامي، وقلت له تفضل يا سيدي، أريد أن أعرف كل شيء، من أول البداية، ولا تخفي عني أي معلومة، مهما كانت صعبة أو مؤلمة.

تنهد المحامي، وبدأ يروي لي القصة كاملة، من أول يوم رحل فيه أخي، وحتى هذه اللحظة أخوك رحمه الله كان رجلاً حكيماً وذكياً، وكان يعرف الناس جيداً، لقد كان يعرف أن زوجتك طامعة في المال، وأنها تحب أن تكون الأقوى في كل شيء، ولهذا جهز كل الأوراق قبل رحيله، وترك مبلغاً كبيراً من المال، وقطعة أرض في منطقة راقية، وكلها مسجلة باسم سلمى فقط، ولا يمكن لأحد أن يتصرف فيها إلا هي، ولا يمكن سحب أي مبلغ منها إلا بوجودها، وتوقيعها هي بنفسها، مع وجود شاهدين وموافقة المحامي. أما التوقيع الذي وجدته في الأوراق التي أخذتها منك، فهو تحريف واضح، ولقد أحضرنا خبير توقيعات، وسوف يثبت ذلك أمام القضاء.

كما أن أخوك ترك مبلغاً شهرياً مخصصاً لمصاريف سلمى، دراستها، وعلاجها، وكل ما تحتاجه، ووضعه في حساب خاص، واشترط أن لا يصل إليه أحد غيرها، أو من يوصي به، ولهذا كانت زوجتك تضطر لتحريف توقيعك كل شهر، لتتمكن من الحصول على جزء صغير من المبلغ، لأنها لم تكن تقدر على سحب المبلغ كله، وكانت تخشى أن تكتشفوا أمرها.

كما عرفتُ منها أنها كانت تمنع سلمى من التكلم معك، وتخوفها منك، وتقول لها إنك أنت اللي أمرتها أن تعمل كل هذه الأعمال، وأنك أنت اللي قلت لها إن الأكل والسكن مش ببلاش، وإنها لازم تدفع ثمنه بعرق جبينها، ولهذا كانت البنت خائفة منك، ومش عارفة تفرق بين الحقيقة والكذب، وكانت تظن أنك موافق على كل ما يحدث، ولهذا لم تتكلم طوال السنتين.

شعرت وكأن صخرة سقطت على رأسي، فكل هذا الوقت كانت سلمى تظن أنني أنا السبب في معاناتها، وأنني أنا اللي أمرت بكل هذا، وكانت تتحمل الألم والظلم وهي صامتة، خائفة مني، خائفة أن أطردها من البيت، خائفة أن تفقد آخر شخص تربطها به صلة دم.

عدت بالذاكرة إلى كل المواقف التي مررت بها معها، كنت أراها خجولة جداً، قليلة الكلام، لا تطلب شيئاً، وتتجنب النظر في عينيّ، وكنت أظن أن هذه طبيعتها، وأنها خجولة لأنها يتيمة، لكن الحقيقة كانت أنها كانت خائفة، كانت تعيش في خوف دائم، تخشى أن تغضب مني فأعاقبها، أو أن أجد خطأ منها فأخرجها من البيت.

مرت بذهني صور كثيرة كنت أجدها تأكل بسرعة ثم تذهب بسرعة، وكنت أضحك وأقول إنها مشغولة، وطلعت كانت تأكل خوفاً أن تمنعها من الأكل، كما كانت تمنعها من الراحة، وكنت أراها دائماً ترتدي ملابس قديمة، وكنت أقول إنها مش عايزة تكلفنا، وطلعت كانت ممنوعة من طلب أي ملابس جديدة، أو أي حاجة تريدها، وكنت أجدها دائماً تجلس في الزاوية، بعيدة عنا، وكنت أقول إنها تحب الهدوء، وطلعت كانت تشعر أنها غريبة في البيت، وأنها مجرد خادمة، لا ابنة ولا قريبة.

بكيت بصمت، ولم أستطع أن أمنع دموعي، فأنا كنت الأب الذي لم يحمِ ابنتة، والعم الذي لم يصدق ابنة أخيه، والزوج الذي أعمته الثقة العمياء حتى خسر كل شيء.

بعد أن انتهى المحامي من الكلام، قال لي الآن، ما هي الخطوات التي تريد أن نتخذها؟ نحن نملك كل الأدلة، التسجيل، الشهادات، تقارير الخبراء، ويمكننا رفع قضية تحريف، وأخذ أموال، واعتداء على حقوق اليتيم، والعقاب في هذه الحالات يكون صارماً جداً، خاصة في قانون بلدنا، الذي يحمي حقوق الأيتام بكل قوة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى