قصص وروايات

كاميليا

أنا حسيت إن الډم اتجمد في عروقي.
قالت
إحنا كنا بنعدّ الأطفال… ولقينا تسعة الصوت اللي قال استنوا… كان كفيل يخليني أنسى كل حاجة حواليا.
فتحت عيني بصعوبة، وحاولت أرفع راسي.
في إيه؟! ولادي فيهم حاجة؟
محدش رد عليّا.
الدكتور هشام قرب من الفريق، وبص على الأجهزة، وبعدها قال بسرعة
عدّوا الأطفال تاني.
واحدة من الممرضات بصت له باستغراب.
دكتور… إحنا عديناهم. سبعة.
هز راسه وقال
أنا عارف إننا عدينا سبعة… بس بصوا كويس.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
حاولت أسمع أي صوت بكاء.

واحد…
اتنين…
تلاتة…
أربعة…
خمسة…
ستة…
سبعة…
وبعدين حصل شيء أغرب.
سمعت صوت بكاء تاني.
ضعيف جداً.
متقطع.
بصيت للدكتور وأنا مش فاهمة.
إيه الصوت ده؟
الممرضة بصت للدكتور، والدكتور بص لها.
وبعدين قال
في طفل تاني.
سكتت الأوضة كلها.
أنا افتكرت إني سمعت غلط.
طفل… تاني؟
الدكتور قرب مني وقال
كاميليا، لازم تفضلي هادية.
صړخت
يعني إيه طفل تاني؟! إنت قلت سبعة!
قبل ما يرد، اتسمع صوت بكاء جديد.
المرة دي كان أوضح.

الدكتور بص ناحية الممرضة وقال
جهزوا الحضانة فوراً.
أنا بدأت أعيط.
أنا حامل في كام؟!
محدش رد.
يا دكتور هشام! إنت قلت سبعة!
بص لي بنظرة عمري ما هنساها.
وقال
إحنا كنا شايفين سبعة.
الجملة دي خوفتني أكتر من أي حاجة.
يعني إيه كنا شايفين؟
إيه اللي كان مستخبي؟
إزاي جهاز السونار قدر يشوف سبعة أطفال ومشافش التامن؟
وقبل ما أقدر أسأله، سمعت الممرضة بتقول
دكتور… النبض موجود.
أنا شهقت.
مين؟
محدش رد.
مين اللي نبضه موجود؟!
الدكتور قال
الثامن.

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
ثمانية.
أنا اللي كنت داخلة المستشفى وأنا مستنية سبعة أطفال، خرج من بطني طفل تامن محدش كان عارف عنه حاجة.
لكن المفاجأة الحقيقية لسه مبدأتش.
بعد دقائق، دخلت ممرضة تانية وهي شايلة ملف، ووشها كان متغير.
قربت من الدكتور وهمست له بكلمتين.
الدكتور قرأ الورقة.
وبعدين رفع عينه وبص لي.
المرة دي ملامحه كانت مختلفة تماماً.
قال
كاميليا… لازم نكلم ممدوح.
قلبي وقع.
هو فين؟
بره.
نادوه.
خرجت الممرضة بسرعة.
وبعد لحظات دخل ممدوح، ووشه أبيض من الخۏف.

مسك إيدي وقال
كاميليا… أنا هنا.
بصيت له وقلت
بيقولوا إن في طفل تامن.
هز راسه وهو بيحاول يستوعب.
أيوه.
في حاجة فيه؟
سكت.
بص للدكتور.

الدكتور قال
لسه بنفحصه.
وبعدين سكت لحظة وأضاف
لكن في حاجة لازم تعرفوها.
أنا وممدوح بصينا له في نفس الوقت.
إيه؟
الدكتور حط الملف على الترابيزة.
وقال
الطفل التامن… مش هو المفاجأة الوحيدة.
اتجمدت.
ممدوح قرب منه
يعني إيه؟
الدكتور فتح الملف، وبص في التحاليل، ثم قال
إحنا محتاجين نراجع كل صور المتابعة من أول الحمل.
قلت بصوت مرتعش
ليه؟
رفع عينه لي وقال
لأن اللي حصل النهارده ليس مجرد إننا اكتشفنا طفل تامن.
سكت.

وبعدين قال الجملة اللي خلتني أحس إن قلبي وقف
في حاجة في صور الحمل القديمة… إحنا كنا فاهمينها غلط.
ممدوح قال
إيه الحاجة دي؟
الدكتور مد إيده ناحية الملف.
لو تفسيرنا الجديد صح… يبقى عدد الأطفال اللي اتولدوا النهارده مش هو العدد اللي كان ظاهر لنا طول فترة الحمل.
بصيت له وأنا مش فاهمة.
يعني كام طفل يا دكتور؟
الدكتور ما ردش.
وفي نفس اللحظة، من ناحية الحضانة، اتسمع بكاء طفل جديد…
وبعده مباشرةً…
صوت جهاز إنذار بدأ يرن.
والدكتور جري ناحية الباب.

وأنا صړخت
ولادي حصل لهم إيه؟! التاسع.
الكلمة دي فضلت تلف في دماغي كأنها مش كلمة حقيقية.
تسعة؟!
صړخت من غير ما أحس.
الدكتور هشام وقف مكانه، وبص للممرضة بحدة
إنتِ متأكدة من اللي بتقوليه؟
قالت بسرعة
أيوه يا دكتور. أنا بنفسي كنت بعدّهم.
ممدوح قرب مني.
كاميليا، اهدي.
لكن أنا كنت خلاص مش قادرة أهدى.
أنا كنت حامل في كام طفل يا دكتور؟!
الدكتور ما ردش.
دخل الحضانة بسرعة، وممدوح جري وراه.
وأنا فضلت على السرير، سامعة أصواتهم من بعيد.
أصوات أجهزة.
خطوات.

أبواب بتتفتح وتتقفل.
وبعدين سمعت صوت الدكتور هشام عالي
محدش ينقل أي طفل من مكانه!
الجملة دي خوفتني أكتر.
ليه؟
ليه لازم محدش يحركهم؟
بعد دقائق، رجع الدكتور.
كان ماسك ورقة.
قعد قدامي وقال
كاميليا، لازم تسمعيني للآخر.
قلت
قول.
إحنا عندنا تسعة أطفال في الحضانة.
بدأت أعيط.
يعني أنا ولدت تسعة؟
هز راسه.
اللي نقدر نؤكده إن عندنا تسعة أطفال مولودين منك.
حطيت إيدي على وشي.
تسعة.
أنا كنت فاكرة إني هربي سبعة.
حتى فكرة الثمانية كانت فوق احتمالي.

دلوقتي بقى تسعة.
لكن الدكتور كمل
المشكلة مش هنا.
رفعت عيني له.
أمال فين؟
قال
المشكلة إن صور السونار القديمة كلها بتشير لعدد أقل.
ممدوح قال
يعني إيه؟
يعني لازم نراجع الملف بالكامل، ونعيد قراءة الصور من أول متابعة.
قلت
بس الأطفال موجودين!
عارف.
طب إزاي؟
سكت.
ولأول مرة شفت الدكتور هشام نفسه مش لاقي إجابة.
بعد شوية قال
أنا مش عايز

أخوفك. لكن اللي حصل محتاج تفسير علمي دقيق.
وأنا عايزة أشوفهم.
الدكتور بص لممدوح.
بعد ما حالتك تستقر.
لأ، أنا عايزة أشوفهم دلوقتي.
ممدوح مسك إيدي.
كاميليا، إنتِ لسه خارجة من عملية.
بصيت له.
أنا أمهم. لازم أشوفهم.
الدكتور سكت لحظة، وبعدين قال
هنجيب لك صورهم.
وبعد دقائق، الممرضة جابت تابلت.
بدأت تعرض الصور واحدة واحدة.
الأول.
التاني.
التالت.
الرابع.
الخامس.
السادس.
السابع.
التامن.
التاسع.
كنت كل ما أشوف صورة طفل أقول
ده ابني.

وبعدين سألت
هو كلهم كويسين؟
قالت
الحمد لله، كل واحد بيتابع حالته حسب وزنه وتنفسه.
تنفست براحة.
لكن وأنا بتفرج على الصورة الأخيرة، لاحظت حاجة.
قلت
استني.
الممرضة وقفت.
في إيه؟
أشرت للشاشة.
الصورة دي… ليه مش شبه الباقيين؟
ممدوح قرب.
الدكتور بص.
الصورة كانت لطفل صغير جداً، نايم في الحضانة.
قلت
ليه هو متغطي بالشكل ده؟
الدكتور قال
عشان حالته محتاجة متابعة.
لكن أنا فضلت باصة.
كان فيه سوار صغير حوالين إيده.
وسألت
ده اسمه إيه؟

الممرضة قالت
لسه ما اتسماش.
ابتسمت وسط دموعي.
يبقى أنا هسميه.
ممدوح بص لي.
هتسميه إيه؟
قبل ما أرد، دخل دكتور آخر.
وقف عند الباب وقال
كاميليا… ممكن دقيقة؟
الدكتور هشام بص له باستغراب.
في إيه؟
الدكتور الجديد قال
التحليل ظهر.
كل اللي في الغرفة سكت.
ممدوح قال
تحليل إيه؟
رد
تحليل العينة اللي طلبناها من الطفل التاسع.
قلبي انقبض.
وطلع إيه؟
الدكتور بص للدكتور هشام، وبعدها قال
النتيجة مش زي ما كنا متوقعين.
ممدوح وقف.

يعني فيه مشكلة؟
الدكتور هز راسه.
مش بالضرورة مشكلة.
سكت لحظة.
لكن النتيجة بتخلينا نعيد التفكير في كل اللي حصل من أول الحمل.
قلت
أنا مش فاهمة.
قرب مني وقال
إحنا محتاجين نعمل تحليل تاني.
ليه؟
عشان نتأكد إن العينة اتاخدت صح.
ممدوح قال
يعني النتيجة ممكن تكون غلط؟
الدكتور رد
ممكن.
وبعدين أضاف
لو النتيجة صحيحة…
سكت.
أنا قلت
لو صحيحة إيه؟
الدكتور هشام أخد الورقة من إيده.
قرأها.
وشه تغير.
بص لي.
وبص لممدوح.

وقال بهدوء
لازم نوقف أي كلام لحد ما نعيد التحليل.
أنا حسيت إن في حاجة كبيرة مستخبية عني.
يا دكتور، قول لي الحقيقة.
قال
الحقيقة إننا لسه مش فاهمين.
ثم خرج.
ممدوح فضل واقف مكاني.
وأنا لأول مرة من بداية اليوم حسيت إن عدد الأطفال مش هو أكتر حاجة مخوفاني.
اللي مخوفني كان السؤال اللي بدأ يكبر جوايا
إيه السر اللي كان مستخبي في الحمل ده من البداية؟
وبعد حوالي ساعة، دخل الدكتور هشام ومعاه نتيجة التحليل

الجديد.
حط الورقة قدامي.
وقال
كاميليا… النتيجة دي غيرت اتجاه الموضوع كله. بصيت للورقة قدامي، لكن عيني كانت بتتحرك عليها من غير ما أفهم حرف.
غيرت اتجاه الموضوع إزاي يا دكتور؟
الدكتور هشام قعد قصادي، وممدوح وقف جنبي.
التحليل الأول كان محتاج إعادة، وفعلاً عملناه مرة تانية.
بلعت ريقي.
والنتيجة؟
حط الدكتور الورقة على المكتب.
الطفل التاسع موجود فعلاً، والنتيجة مؤكدة.
قلت بسرعة
يعني إيه؟
يعني إننا قدام حالة حمل متعددة نادرة جداً، لكن عدد الأجنة اللي ظهر في المتابعة مش متوافق مع العدد اللي اتولد.

ممدوح قال
طب إزاي يحصل كده؟
الدكتور هز راسه.
ده بالضبط اللي بنحاول نفهمه.
قربت منه.
أنا عايزة أعرف حاجة واحدة… ولادي كلهم ولادي؟
الدكتور بص لي باستغراب.
طبعاً.
يعني مفيش تبديل؟ مفيش حاجة حصلت في الحضانة؟
لا. كل طفل اتسجل فور ولادته، واتعملت له العلامة الخاصة بيه، وكل الإجراءات اتراجعت.
تنفست براحة.
لكن ممدوح قال
طب ليه الدكتور قال إن التحليل غيّر اتجاه الموضوع؟
الدكتور سكت لحظة.
وبعدين فتح ملف الصور.
لأننا رجعنا لصورة قديمة جداً… من أول متابعة تقريباً.
حط الصورة قدامنا.

بصوا هنا.
بصيت.
فين؟
أشار لمكان صغير جداً.
هنا.
ممدوح قرب.
دي إيه؟
الدكتور قال
ده كيس حمل صغير.
أنا شهقت.
يعني طفل عاش من البداية؟
مش بالضرورة.
سكت لحظة.
لكن الغريب إن الكيس ده كان موجود في أكتر من صورة.
قلت
طب إزاي ماحدش شافه؟
لأنه كان خلف بقية الأجنة، ومكانه كان صعب جداً يتحدد.
ممدوح قال
يعني كان فيه جنين عاش في مكان مخفي؟
الدكتور هز راسه.
ده احتمال من الاحتمالات.
أنا حطيت إيدي على بطني.

وفجأة افتكرت كل مرة كنت بحس فيها بحركة غريبة في ناحية معينة.
كنت فاكرة إن ده واحد من الأطفال بيتحرك.
لكن دلوقتي…
بدأت أشك.
الدكتور قال
كاميليا، لازم نهدى. إحنا مش عايزين نحول الموضوع لقصة غامضة. كل حاجة لها تفسير طبي، حتى لو التفسير نادر.
قلت
بس أنا عايزة أشوف الطفل التاسع.
هتشوفيه.
دلوقتي؟
لما يسمح وضعك.
ممدوح ابتسم لي.
هتشوفيهم كلهم.
مسكت إيده.
كلهم.
لكن قبل ما الدكتور يخرج، وقف عند الباب.
وبص لي.
في حاجة تانية.
قلبي اتقبض.
إيه؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى