قصص و روايات

رجع بعد 20 سنة يدفع ثمن رغيف العيش حواديت اسما السيد

ابتسم بحزن.

— ماكنتش عارف.

مشي الولد يومها ساعات طويلة.

كان عنده 11 سنة، وجيبه فاضي تقريبًا.

ركب عربية نقل مع سواق وافق ياخده معاه بعدما الولد ساعده في تحميل شوية صناديق.

وفي مدينة بعيدة، نزل.

نام أول ليلة قدام ورشة.

ولما صاحب الورشة فتح الصبح ولقاه نايم عند الباب، سأله عن حكايته.

كان راجل كبير اسمه عم صابر.

سمع منه كل حاجة.

وبدال ما يطرده، قاله:

— تعرف تمسك مكنسة؟

رد الولد:

— أعرف.

— وتعرف تنظف الورشة؟

— أعرف.

— يبقى نظفها… وتعالى كل معانا.

ومن اليوم ده، بدأت حياته الجديدة.

كان بينظف الورشة الصبح.

ويتعلم الشغل بعد الظهر.

لكن عم صابر اكتشف بعد شهور إن الولد سريع الفهم.

وفي ليلة، سأله:

— إنت قريت لحد سنة كام؟

قال:

— خامسة ابتدائي.

عم صابر اتعصب.

— وناوي تفضل كده؟

— أعمل إيه؟

رد الراجل:

— تتعلم.

ومن جيبه دفعله مصاريف يرجع للدراسة.

كان بيشتغل ويدرس في نفس الوقت.

سنين صعبة مرت عليه.

أيام كان بينام أربع ساعات بس.

وأيام كان بيروح الامتحان بعد ليلة كاملة شغل.

لكن كل مرة كان يحس إنه مش قادر كمل…

كان يفتح محفظته.

ويطلع منها ورقة قديمة مطوية.

العنوان المكتوب عليها بخط طفل:

فرن أم أحمد – أول الشارع جنب الجامع القديم.

وكان يفتكر الست اللي ادته العيش سنة كاملة من غير ما تذله مرة.

وقال وهو بيبصلها:

— كنت كل مرة أقول لنفسي: لو ست عندها بنتين وبتكافح علشان تعيش قدرت تساعدني وهي نفسها محتاجة… يبقى أنا معنديش حجة أستسلم.

حطت إيدها على بوقها وهي بتعيط.

— يا ابني… أنا ما عملتش حاجة.

رد فورًا:

— عملتي.

— رغيفين عيش؟

هز راسه.

— لأ. إنتِ عمرك ما سألتي طفل جعان هو يستاهل المساعدة ولا لأ. ساعدتيه وخلاص.

الفصل الثالث: من الورشة للشركة
كبر الولد.

دخل كلية الهندسة بمنحة وتفوق في دراسته.

وعم صابر فضل جنبه لحد ما اتخرج.

وبعد التخرج اشتغل مهندس في مصنع كبير.

لكن بعد كام سنة حصلت مشكلة في المصنع.

خط إنتاج كامل كان بيتعطل باستمرار، والشركة كانت بتخسر مبالغ كبيرة.

اقترح تعديل بسيط في نظام التشغيل.

مديره في البداية رفض يسمعه.

لكنه أصر.

ولما اتنفذت الفكرة…

المشكلة اتحلت.

وبدأ اسمه يظهر.

اتنقل من وظيفة لوظيفة.

وبعد سنين جمع مبلغ صغير وفتح ورشة مع اتنين من زمايله.

الورشة بقت مصنع صغير.

والمصنع بقى شركة.

وبعد حوالي عشرين سنة…

الطفل اللي ماكانش معاه تمن رغيف عيش بقى صاحب مجموعة شركات.

لكن الست سألته:

— وطول السنين دي ما فكرتش ترجع؟

رد:

— حاولت.

— إمتى؟

— بعد ما اتخرجت على طول.

سكتت.

قال:

— رجعت هنا.

اتسعت عينيها.

— ورجعت وما شوفتنيش؟

— الفرن كان مقفول يومها.

— كنت في المستشفى… بنتي كانت بتولد!

ابتسم.

— ماكنتش أعرف.

قال إنه سأل عنها، لكن واحد من أصحاب المحلات قاله إنها نقلت من المنطقة.

المعلومة كانت غلط.

فدور باسمها، لكنه ماكانش يعرف اسمها كامل أصلًا.

كل اللي كان يعرفه عنها:

“أم أحمد صاحبة الفرن.”

ضحكت وسط دموعها.

— وأنا أصلًا ماعنديش ولد اسمه أحمد!

ضحك لأول مرة.

— اكتشف ده من أسبوع.

— أمال مين قالك أم أحمد؟

— الناس في الشارع زمان كانوا بينادوكي كده.

هزت راسها وهي بتضحك.

— ده اسم الفرن كان على اسم أبو جوزي الله يرحمه.

فضل يدور فترة.

وبعدين الحياة أخدته.

لكن الورقة فضلت في محفظته.

لحد من حوالي سنة، كان راكب عربيته وعدى بالصدفة من نفس المنطقة.

شاف الشارع.

افتكر كل حاجة.

نزل بنفسه.

لكن الفرن القديم كان اتغير.

والناس القديمة أغلبها مشيت أو ماتت.

فضل يسأل.

لحد ما عرف اسمها الحقيقي.

وعرف عنوان بيتها.

وعرف كمان حاجة تانية…

إنها غرقت في الديون.

الفصل الرابع: سر الديون
قالت بسرعة:

— إنت عرفت موضوع الفرن من مين؟

رد:

— من بنتك الكبيرة.

اتسعت عينيها.

— منى؟!

هز راسه.

طلعت تليفونها فورًا.

— هي كانت عارفة إنك جاي؟

— أيوه.

— وسكتت؟!

ابتسم.

— طلبت منها.

قعدت الست على الكرسي.

الحقيقة إن آخر خمس سنين كانوا أصعب سنين حياتها.

بنتها الصغيرة اتعرضت لأزمة صحية واضطرت الأسرة تتحمل تكاليف علاج كبيرة.

وبعدها الأسعار زادت.

والفرن القديم احتاج معدات جديدة.

استلفت.

دين فوق دين.

لحد ما عجزت عن السداد.

وفي النهاية اضطرت تبيع حقها في الفرن.

من ثلاثة شهور بس.

يومها رجعت البيت وقفلت على نفسها الأوضة وعيطت.

مش علشان الفلوس.

لكن علشان الفرن كان آخر حاجة باقية من عمرها القديم.

المكان اللي ربت منه بناتها.

والمكان اللي شافت فيه الولد الجعان لأول مرة.

قالت:

— بس إنت عملت إيه؟

رد:

— اشتريت المكان من صاحبه الجديد.

— ليه؟

— علشان أرجعه لصاحبته.

زقت العقد ناحيته.

— وأنا قلتلك مش هاخده!

— ليه؟

— لأنه كتير.

— كتير مقابل إيه؟

— مقابل رغيف عيش!

رفع صوته لأول مرة:

— ما تقوليش رغيف عيش!

سكتت من الصدمة.

هدى صوته وقال:

— حضرتك لحد النهارده مش فاهمة.

قعد قدامها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى