قصص و روايات

رجع بعد 20 سنة يدفع ثمن رغيف العيش حواديت اسما السيد

— يوم ما كنت باخد منك الرغيفين… كنت باخد واحد لأمي.

صوته اتهز.

— كانت في آخر أيامها، ومعدتها ماكنتش بتستحمل أكل كتير. كانت بتاكل حتة صغيرة منه وتسيبلي الباقي.

دموعه نزلت.

— آخر حاجة أمي أكلتها قبل ما تدخل في الغيبوبة كانت من العيش اللي إنتِ عملتيه بإيدك.

الست بدأت تبكي.

وهو كمل:

— وآخر ليلة كانت واعية فيها، قالتلي: “لو ربنا كرمك في يوم… ماتنساش الست دي.”

سكت.

وبعدين ابتسم وسط دموعه.

— أنا ما نسيتش.

الفصل الخامس: الشرط
قالت الست:

— ربنا يرحمها.

رد:

— ويرحمها ويرحم جوزك.

وبعدين دفع العقد ناحيتها مرة تانية.

— علشان كده هتاخدي الفرن.

هزت راسها بعناد:

— مش هاخده.

— يبقى عندي شرط.

بصتله.

— شرط إيه؟

— نرجع نفتحه.

ضحكت من الصدمة.

— نفتحه؟ أنا بقيت ست كبيرة يا ابني.

— مش هتشتغلي فيه لوحدك.

— أمال مين؟

ابتسم.

— إحنا.

في الأسابيع التالية، الشارع كله بدأ يتكلم.

عمال دخلوا الفرن القديم.

شالوا المعدات المتهالكة.

صلحوا الحيطان.

ركبوا فرن جديد.

لكن صاحب الشركة رفض يغير واجهة المحل القديمة بالكامل.

قال للمهندس:

— سيب جزء منها زي ما هو.

ولما سألوه ليه، قال:

— علشان الناس تعرف إن النجاح مش معناه نمسح البداية.

بعد شهر…

الفرن فتح من جديد.

لكن المرة دي كان مختلف.

أكبر وأنضف ومجهز كويس.

وفوق الباب اتعلقت يافطة جديدة.

الست أول ما شافتها وقفت تبص عليها.

كان مكتوب:

“رغيف خير”

وتحت الاسم جملة صغيرة:

“اللي محتاج ياخد… ولما ربنا يكرمه يساعد غيره.”

بصتله الست والدموع في عينيها.

— إنت عامل كل ده علشان إيه؟

قال:

— علشان الدين ما يتسددش ليكي.

استغربت.

— أمال لمين؟

أشار ناحية الناس اللي واقفة قدام الفرن.

— للي بعدي.

الفصل السادس: أول طفل
في أول يوم افتتاح، الناس كانت كتير.

بنتيها واقفين جنبها.

وأحفادها بيلفوا حواليها.

وعم صابر، الراجل اللي ربى الولد بعد وفاة أمه، حضر هو كمان.

كان كبر جدًا.

وأول ما الست عرفته، راحتله وقالت:

— يعني إنت اللي كملت اللي أنا بدأته؟

ضحك عم صابر وقال:

— وإنتِ اللي بدأتي اللي أنا كملته.

وقف الرجل بينهم.

واحد أنقذه من الجوع.

والتاني أنقذه من الضياع.

وفي اللحظة دي، حصل شيء غريب.

طفل صغير وقف بعيد عن الفرن.

هدومه بسيطة.

وكان بيبص ناحية العيش.

الست شافته.

والرجل شافه.

بصوا لبعض.

ابتسمت.

قالها:

— المرة دي دوري ولا دوري؟

ضحكت.

— دوري أنا.

أخدت رغيفين وحطتهم في كيس.

نادت:

— يا ابني… تعالى.

الولد قرب بخوف.

مدتله الكيس.

— خد.

بصلها وقال:

— معيش فلوس.

سكتت لحظة.

نفس الكلمات.

بعد عشرين سنة.

نفس النظرة.

نفس الخجل.

ونفس الجوع.

دموعها نزلت من غير ما تحس.

وقالت:

— وأنا طلبت منك فلوس؟

الرجل لف وشه علشان يخبي دموعه.

لكن الولد قال:

— طب هدفعلك إمتى؟

بصت الست ناحية الرجل.

ثم رجعت تبص للطفل.

وقالت:

— لما ربنا يكرمك… ما تجيش تدفعلي أنا.

— أمال؟

ابتسمت:

— اشتري رغيف لحد جعان.

النهاية
مرت سنوات.

الفرن ما بقاش مجرد مشروع.

بقى مبادرة صغيرة بدأت تنتشر في أكتر من مكان.

أي حد قادر كان يقدر يدفع تمن رغيف زيادة.

والرغيف يروح لشخص محتاج من غير ما حد يسأله عن اسمه أو يحرجه.

أما الرجل، فكان بيزور الست باستمرار.

مش باعتبارها صاحبة دين قديم.

لكن باعتبارها جزءًا من عيلته.

وفي يوم، كانت قاعدة قدام الفرن وقت المغرب.

جه وقعد جنبها.

طلع من محفظته ورقة قديمة جدًا.

كانت شبه مقطعة من كتر السنين.

ناولها ليها.

فتحتها.

كان مكتوب بخط طفل:

“الفرن – أول الشارع جنب الجامع.”

وتحتها جملة أصغر:

“لازم أرجع الفلوس.”

ضحكت وهي بتعيط.

قالت:

— أهو رجعتهم وزيادة.

هز راسه.

— لأ.

— لسه شايف إن عليك دين؟

بص ناحية الفرن.

كان طفل خارج منه شايل كيس عيش لأمه.

قال:

— أيوه.

— هتسدده إمتى؟

ابتسم وقال:

— طول ما فيه حد جعان… الدين لسه ما اتسددش.

سكتت الست.

وبعدين رفعت إيديها للسماء وقالت:

— ربنا يباركلك يا ابني.

بصلها.

الكلمة وقفته.

“يا ابني.”

نفس الكلمة اللي نفسه يسمعها من أمه من عشرين سنة.

نزلت دمعة من عينه.

فقامت الست وربتت على كتفه وقالت:

— مالك؟

ابتسم.

— مفيش… بس افتكرت أمي.

قالت:

— ربنا يرحمها. أكيد لو شايفاك دلوقتي كانت هتفرح بيك.

رد:

— عارفة آخر حاجة قالتها لي؟

— إيه؟

— قالتلي: “الخير عمره ما بيضيع.”

بص للفرن.

وبعدين قال:

— فضلت عشرين سنة فاكر إنها كانت بتواسيني.

ابتسم.

— طلعت بتقول الحقيقة.

لأن رغيفين عيش خرجوا من فرن ست فقيرة من عشرين سنة…

رجعوا بعد سنين في صورة فرن كامل.

والفرن بقى باب رزق.

وباب الرزق بقى سبب إن ناس تانية تاكل.

وساعتها فهموا كلهم إن المعروف مش لازم يرجع من نفس الشخص…

ولا في نفس الوقت…

ولا بنفس الصورة.

ممكن تعمل خير النهارده وتنساه.

لكن الشخص اللي عملته معاه يفتكره طول عمره.

وممكن كلمة طيبة، أو وجبة بسيطة، أو مساعدة إنت شايفها صغيرة…

تبقى عند إنسان تاني السبب اللي خلاه يكمل حياته.

علشان كده…

لو قدرت تساعد حد من غير ما تجرحه، ساعده.

ولو قدرت تستر محتاج، استره.

ولو ربنا وسّع عليك بعد ضيق، افتكر الأيام اللي كنت محتاج فيها حد يمدلك إيده.

لأن أجمل طريقة ترد بيها المعروف…

إنك ما توقفش الخير عندك.

تمت

يـالا صلّوا على سيدنا محمد ﷺ، ولو الحكاية لمست قلبكم شاركوها مع حد بتحبوه.

حكايات الكاتبة أسما السيد — ممنوعة من النسخ.

هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى