روايات وقصص

مراتي اتأخرت

“بعد ما مشي الدكتور، مسكت الصورة القديمة وقلت لسلمى: ‘احكي’. قعدت على كرسي الممر وقالت إن هالة عرفت خالد قبل ما أنا أعرف سلمى بسنين، لما كانت بتشتغل في شركة مقاولات وخالد بيمولهم خامات من شركة بابا. افتكرت الفترة دي لما كنت في الجامعة وخالد شايل شغل أبويا. كملت سلمى إنهم ارتبطوا في السر من غير ما حد يعرف علشان بابا، ولما عرف رفض بسبب فرق المستوى الاجتماعي، وهالة كانت من بيت بسيط.”

“كملت سلمى: ‘في الأول قال إنه هيقف قدام أبوك، لكن حصل بينهم خلاف كبير وهالة اكتشفت إنها حامل بعدها بفترة قصيرة’. قاطعتها بصدمة وسألتها إذا كان خالد عارف، فقالت إنها حاولت تكلمه لكنه كان مسافر ورقمه اتغير، وبعتت له جوابات على عنوان الشركة لكن ولا مرة رد، ورجع لها جواب منهم مطبوع عليه: (لا تحاولي التواصل مرة أخرى). هالة وقتها كانت حامل ولوحدها، ولما بابا عرف طردها من البيت، فراحت تعيش عند صاحبتها.”

“قالت سلمى إن هالة اتجوزت واحد من معارف بابا على الورق عشان حماية الطفل اجتماعيًا، ومات في حادث قبل الولادة، وبعدها صحة هالة انهارت وصارت تدخل المستشفى كتير. سألتها بغضب عن سكتها وعن خالد اللي كان بره مصر، فقالت إن هالة خلتها توعدها قبل ما تموت ما تقولش. وقالت كمان إن هالة قبل ما تموت بيومين سلمتها ممرضة ظرف فيه كل الجوابات اللي بعتتها لخالد وهي متفتحة، وقالت لها: (يمكن خالد ماخاننيش).”

“طلعت سلمى من شنطتها أربع جوابات قديمة عليها اسم شركة أبويا وختم الاستلام، وعرفت إن أبويا هو اللي كان مسؤول عن مراسلات الشركة وقتها. وفجأة سمعنا صوت خالد واقف في آخر الممر شايل فاكهة وبيبتسم، لكن ابتسامته اختفت أول ما شاف سلمى. مدّيت له الصورة القديمة، وأول ما شافها إيده بدأت ترتعش وسأل عن هالة، فقلت له إنها ماتت من خمس سنين. وقع الكيس من إيده وبدأ يعيط ويدافع عن نفسه إنه دور عليها وأبوها قال له إنها اتجوزت وسافرت، وأبوه ورّاه صورة هالة بفستان الفرح جنب راجل.”

“لما عرف خالد إن ياسين ابنه وموجود جوه، انهار وقعد على الأرض يعيط بمرارة. خرجت الممرضة وقالت إن ياسين فاق، فدخلنا عنده. ياسين رحّب بخالد ببراءة وقال له: ‘إنت طويل أوي’، فضحك خالد وسط دموعه وقرر يعمل كل التحاليل المطلوبة. رجعنا البيت وجبت صندوق حاجات هالة، ولقينا ورقة بخط أبو سلمى مكتوب فيها: (أحيانًا الأب لازم ياخد قرار قاسي علشان ينقذ بنته من مستقبل غلط). ومن خلال البحث اكتشفنا إن أهاليهم هما اللي تسببوا في التفريق بينهم.”

“روحنا بيت أبويا القديم وفتحنا دراج مكتبه المقفول، ولقينا ملف فيه جوابات ورسالة اعتراف من أبويا قبل وفاته إنه هو اللي منع الجوابات وأوهم خالد إن هالة اختارت طريق تاني، وطلب المسامحة. خالد حس بالصدمة والمرار لأن أبوه حرمه من ابنه وهالة ماتت مظلومة.”

“لما رجعنا المستشفى، الدكتور قال إن نتيجة الفحص الأولي لخالد فيها شيء غير متوقع وتعارض في صلة القرابة محتاج تأكيد وفحوصات إضافية، وسأل خالد إذا كان متأكد إنه الأب. وبعدها طلب الدكتور إعادة تحليل العينة الخاصة بيا أنا كمان (عمر)، وقال إنها أظهرت درجة توافق لافتة جدًا مع ياسين تستحق مراجعة إضافية!”

“خرجت مش شايف قدامي، وفجأة رن موبايل سلمى من رقم مجهول، وكانت واحدة بتقول إنها ممرضة هالة السابقة، وعندها جواب من هالة عمره خمس سنين كتبته قبل ما تموت، ومكتوب عليه اسم شخص واحد بس: ‘عمر’.”

بصتلي سلمى ووشها أبيض وقالت: — الممرضة قالت إن الجواب مكتوب عليه اسم شخص واحد بس.

سألتها:

— مين؟

ردت بصوت مرتعش:

— إنت يا عمر.

فضلت واقف قدامها مش فاهم:

— أنا؟ هالة كانت تعرفني منين؟

قالت:

— معرفش.

خالد قرب منها:

— الممرضة فين؟

— قالت هتقابلنا النهارده الساعة سبعة.

بصيت للساعة، كان قدامنا أقل من ثلاث ساعات.

قلت:

— هنروح.

سلمى مسكت إيدي:

— عمر، قبل ما نروح…

سحبت إيدي:

— مفيش قبل ما نروح. أنا تعبت من الأسرار.

قالت:

— بس أنا فعلًا معرفش الجواب فيه إيه.

بصيت لها، ولأول مرة من ساعة ما بدأت الحكاية، صدقتها.

[2] دقائق أخيرة
رجعنا نطمن على ياسين، كان نايم.

خالد وقف عند الباب فترة طويلة، وقال بصوت منخفض:

— حتى لو طلع مش ابني… أنا مش قادر أبصله وأمشي.

قلت:

— استنى النتائج.

قال:

— المشكلة إني خلال يوم واحد صدقت إني أب.

بص للطفل وكمل:

— خمس دقايق معاه كانوا كفاية.

[3] رسالة هالة
الساعة سبعة إلا ربع وصلنا لبيت قديم في حي هادي. فتحت لنا ست في أواخر الستينات.

قالت:

— سلمى؟

— أيوه.

الست بصت لخالد، وبعدين ليا، ولما شافتني فضلت ساكتة ثواني وقالت:

— إنت عمر؟

قلت:

— أيوه.

فتحت الباب:

— ادخلوا.

اسمها كان نوال، وقالت إنها كانت ممرضة في المستشفى اللي قضت فيه هالة آخر أيامها.

قعدنا، وطلعت صندوق معدني صغير.

قال خالد:

— ليه احتفظتي بجواب خمس سنين؟

قالت:

— لأني وعدتها.

سلمى قالت بعصبية:

— كل الناس وعدت هالة، وفي الآخر ابنها هو اللي دفع التمن.

نوال نزلت عينيها:

— عندك حق.

طلعت ظرف أبيض، كان مكتوب عليه: (إلى عمر).

خدت الظرف وإيدي كانت بتترعش. فتحته، وجواه ورقتين، وبدأت أقرأ:

«عمر… غالبًا إنت ماتعرفنيش كويس، لكن أنا أعرف عنك أكتر مما تتخيل.»
وقفت، وبصيت لسلمى، قالت لي:

— كمل.

رجعت للجواب، هالة كاتبة إنها شافتني مرتين قبل كده؛ مرة وأنا مع خالد، ومرة في المستشفى لما جيت أزور والدي بعد عملية بسيطة، لكنها ماكلمتنيش. وكملت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى