روايات وقصص

مراتي اتأخرت

“مراتي اتأخرت عن البيت خمس ساعات، وموبايلها كان مقفول… ولما فتحت تحديد الموقع وروحت وراها، كنت متأكد إني هكتشف خيانتها. لكن أول ما فتحت باب المخزن القديم وشوفتها قاعدة على الأرض قدام طفل صغير بيقول لها: ‘ماما… الراجل ده مين؟’، حسيت إن قلبي وقف. أنا عمر، عندي 38 سنة، ومتجوز سلمى من سبع سنين. ولو حد سألني قبل شهرين عن جوازي، كنت هقول له من غير تفكير إن عندي واحدة من أهدى الزيجات اللي ممكن تشوفها.”

“ماكنّاش أغنياء ولا حياتنا كانت مثالية، كان عندنا مشاكل زي أي اتنين متجوزين؛ قسط العربية، إيجار الشقة، وشغلي وشغلها اللي بياخد معظم يومنا. لكن كان فيه حاجة واحدة عمرها ما كانت ناقصة بينا: الثقة. سلمى كانت واضحة معايا في كل حاجة؛ لو زعلت تقول، لو اتأخرت تتصل، حتى مصاريف البيت كنا عارفين كل جنيه راح فين. علشان كده، لما بدأت تتغير أنا ماشكّتش فيها من أول ولا تاني مرة.”

“التغيير بدأ من حوالي شهرين، كل يوم خميس تحديدًا كانت ترجع متأخرة. أول خميس رجعت تسعة بالليل وقالت ضغط شغل. الخميس اللي بعده رجعت عشرة ونص وقالت زميلتها تعبت. الخميس التالت دخلت بعد الساعة عشرة وقالت المواصلات زحمة. ماعلقتش، لكن حاجة صغيرة بدأت تضايقني؛ سلمى عمرها ما كانت محتاجة تكذب عليا، ومع مرور الأسابيع بدأت ألاحظ حاجات أكتر؛ بقت بتحط موبايلها مقلوب، وتقوم ترد على مكالمات في البلكونة بصوت واطي.”

“لكن الأسبوع اللي فات كل حاجة اتغيرت. خرجت سلمى الصبح وقالت لي: ‘هرجع بدري ونتعشى سوا’. رجعت أنا البيت حوالي سبعة وماكنتش وصلت. الساعة بقت تمانية ورسايلي ماوصلتش، اتصلت لقيت الموبايل مقفول. استنيت لحد الساعة عشرة ونص، واتصلت بزميلتها مروة اللي اتفاجأت وقالت إن سلمى خرجت من الشغل الساعة خمسة! خمس ساعات مراتي خرجت وموبايلها مقفول وماقالتليش رايحة فين، ولأول مرة الكلمة اللي كنت بطردها من دماغي دخلت بالقوة: خيانة.”

“افتكرت التطبيق اللي كُنّا منزلينه للعيلة لمشاركة الموقع، فتحته وظهر مكان عربيتها في منطقة قديمة على أطراف المدينة. خدت مفاتيح العربية وروحت، والموقع وصلني لشارع ضيق في آخره مبنى قديم بباب حديد كبير. قربت وسمعت صوت راجل من جوه بيقول: ‘لازم جوزك يعرف… مينفعش تفضلي مخبية عليه’، وسلمى ترد: ‘لو عمر عرف الحقيقة… ممكن حياتنا كلها تتهد’. وقتها كل ذرة عقل راحت مني، دفعت الباب ودخلت.”

“لكن الصورة اللي كنت متوقعها ماكنتش موجودة؛ مفيش سرير ومفيش خيانة. كان فيه حوالي عشر أطفال قاعدين حوالين ترابيزة طويلة قدامهم أكل وكتب، وفي آخر المكان كانت سلمى قاعدة على الأرض بتربط رباط جزمة لطفل عنده خمس سنين. الطفل رفع عينه وشافني وقال ببراءة: ‘ماما… الراجل ده مين؟’. بصيت لسلمى اللي وشها ابيض وقامت بسرعة تقول: ‘اسمعني قبل ما تفهم غلط’. بصيت للطفل وسألتها: ‘هو ليه بيناديكي ماما؟’.”

“الراجل اللي كان جوه وطلع اسمه أستاذ نبيل قرب وقال: ‘مش قدام الأطفال’. أخدت سلمى الطفل لست موجودة، وخرجنا لأوضة صغيرة جنب القاعة. سألتها بعصبية، فطلعت من شنطتها ظرف بني قديم جواه صورة لطفل وشهادة ميلاد باسم ‘ياسين أحمد محمود’. مكان اسم الأم كان فيه اسم ست معرفهاش، ولما سألتها قالت لي إنها أختها الكبيرة ‘هالة’ اللي ماتت قبل ما أعرف سلمى، وسابت الطفل ورعايا بعد وفاة أبوه في حادث.”

سلمى حكت لي إن أبوها رفض وجود الطفل معاهم، فنقلوه لجمعية صغيرة لرعاية الأطفال، وكان ياسين عايش في المكان ده وكان يعتبر سلمى أمه. سألتها: ‘وليه آخر شهرين بتيجي كل خميس؟’، مسحت دموعها وقالت إن المكان هيقفل وصاحب المبنى هيبيعه، وياسين رافض النقل وممكن ينقلوه لمحافظة تانية. وانهارت وهي بتقول إنها كانت بتفكر في إجراءات كفالته من غير ما تقولي لأنها كانت خايفة من رد فعلي بعد ما حاولنا نخلف سبع سنين وما نجحناش.”

“وأحنا بنتكلم، دخل أستاذ نبيل وقال إن فيه حاجة تانية لازم أعرفها؛ ياسين دخل المستشفى من شهرين بسبب إغماء شديد، والاكتشافات الأولية أظهرت مشكلة في الدم، وكانت سلمى بتتأخر عشان بتروح معاه المستشفى. خرجت وسيبتها ورجعت البيت لوحدي مش قادر أستوعب، والتساؤلات بتنهك دماغي. تاني يوم الصبح سمعتها بتتكلم في التليفون مع الدكتور عن نتائج التحاليل، فقلت لها: ‘أنا جاي معاكي’.”

“في المستشفى، الدكتور طلب فحوصات إضافية للأقارب البيولوجيين، ولما سأل عن والده، سلمى سكتت. شكيت في نظرتها وسألتها: ‘أبوه مات فعلاً؟’، فتحت شنطتها وطلعت صورة قديمة لهالة مع راجل. مسكت الصورة واتصدمت… الراجل ده أنا أعرفه كويس، شخص دخل بيتي عشرات المرات؛ كان أخويا الكبير خالد! وفي اللحظة دي موبايلي رن، وكان المتصل خالد نفسه بيقولي: ‘أنا واقف قدام بيتك… بقالي كتير ماشوفتكش يا أخويا’.”

الثاني

بصيت لشاشة الموبايل وأنا واقف قدام أوضة ياسين في المستشفى. اسم أخويا الكبير ظاهر قدامي: خالد… نفس الراجل اللي كان واقف جنب هالة في الصورة القديمة، ونفس الشخص اللي سلمى لسه قالتلي إنه أبو ياسين الحقيقي.”

“رديت وسمعت صوته: ‘عمر… إنت فين؟ أنا واقف قدام بيتك’. ماعرفتش أرد، فضحك وقال: ‘بقالي كتير ماشوفتكش يا أخويا، قلت أعدي عليك أنا بدل ما أفضل أعاتبك إنك مش بتسأل’. بصيت لسلمى اللي كانت واقفة بعيد ووشها أبيض، وقلت لخالد: ‘إنت رجعت إمتى؟’. قال إنه رجع امبارح بالليل حب يعملها مفاجأة، وسألني مال صوتك غريب، فقلت له إني في المستشفى، فاتغير صوته وسأل بقلق لو حد فينا تعبان. ماقدرتش أقول له إنه ابنك، فقلت هكلمك بعدين، لكنه أصر إنه يجي وقفل معايا.”

“سلمى قربت مني وهي بتترعش وسألت: ‘خالد رجع مصر؟’، فهزيت رأسي. غطت وشها باديها وقالت: ‘يا رب’، فقلت بعصبية: ‘كفاية خوف يا سلمى، أنا عايز أفهم، وياسين علشان يتعالج ممكن نحتاج أبوه، يبقى لازم أعرف كل حاجة’. وقبل ما ترد، خرج الدكتور وقال إن الطفل مستقر حاليًا، ولما سألته لو وجود والده ممكن يفيد، قال إن وجود التاريخ العائلي الصحيح مهم جدًا وقد نحتاج فحوصات توافق للأقارب حسب خطة العلاج.”

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى