
سيف قرب منها بخطوات متزنة، وقعد جنبها تاني على الكنبة، وسحب الطبق الفاضي من إيدها وحطه على الصينية.
“مفيش.. شغل عابر يا نورهان.”
نورهان بصت في عينيه بقلق، هي حافظاه وشايفة إن النبرة الدافية اللي كان بيكلمها بيها من شوية استُبدلت بهدوء مريب.. الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
“إنت متأكد؟ صوتك مع حسام كان حاد..”
سيف مسك إيدها ورفعها لشفايفه، باسها بالراحة وقال: “أنا بس مش عايز حاجة تشغلني عنك النهاردة.”
لكن عقله كان شغال بسرعة الصاروخ. مطاعم نورهان فيها أكتر من أربعين موظف، والسيستم بتاعها متصل بفرعين في مصر الجديدة والشيخ زايد. ومحدش يقدر يدخل على الشبكة الداخلية للمطاعم ويستخدمها كسطح مكتب وهمي عشان يوصل لملفات شحنة المنشاوي.. غير حد معاه الباسوردات أو حاطط جهاز تجسس جوه المكان نفسه.
“سيف..” نورهان ندهت عليه بنبرة خفيفة وهي بتهز إيده.
“نعم يا حبيبتي؟”
“أنا حاسة إنك بتفكر في حاجة تانية.. هو الموضوع يخصني؟”
سيف بص في عينيها الواسعة اللي مفيهاش أي غدر، وقال بابتسامة جافة: “الموضوع يخصني أنا.. بس دخل في حتة لعب عيال، وأنا مابحبش حد يلعب معايا.”
سكت لحظة، وبعدين سألها بسؤال يبان عادي جداً: “هو فرع مصر الجديدة.. مين المسك السيستم والشبكات فيه اليومين دول؟”
نورهان عقدت حواجبها باستغراب: “الشبكات؟ مهندس حسام.. ولد جديد مسك الشغل من شهرين، وموجود معاهم شريف المديـر الإداري. بس إيه علاقة ده باللي بيحصل عندك؟”
سيف ابتسم ابتسامة باهتة، وكان جوه قلبه بيترتب خطة جهنمية.. افتكر إنه استخبى ورا اسم مراته عشان يربك سيف، أو يبعد الشبهات عن نفسه.. لكنه ما كانش يعرف إن سيف المنشاوي لما بيكتشف اللعبة، بيمحي اللاعب باللي جابه.
“مفيش يا نورهان..” قالها سيف وهو بيقوم ويشد إيدها معاه عشان تقف. “المهم دلوقتي.. إنك تطلعي تنامي، لأن بكره هيكون يوم طويل أوي.. ومش عايز أي حاجة تشغل بالك.”
نورهان مشيت معاه باتجاه الأوضة، بس قلبها كان مقبوض.. كانت عارفة إن النظرة اللي في عين سيف دلوقتي، مش نظرة راجل حنون بيطمن مراته.. دي نظرة صقر شاف فريسته، ومستني اللحظة اللي ينزل فيها يقتنصها.
#انجي_الخطيب
فضل سيف واقف جنب السرير لحد ما انتظم صوت أنفاس نورهان، واتأكد إنها راحت في النوم. غطاها بالراحه، وباس كفها المفرود على الملاية البيضا، وخرج من الأوضة بخطوات أشبه بالخيال، من غير ما يعمل أي صوت.
في الصالة، سحب الجاكت الأسود بتاعه من على الكرسي، ولبسه وهو نازل في المصعد الخاص. أول ما باب المصعد اتفتح على الجراج السفلي، كانت العربية المرسيدس السودا واقفة والموتور شغال، وأنوارها الخافته بتعكس المطر اللي نازل بغزارة بره.
حسام فتح الباب أول ما شاف سيف طالع: “سيف بيه..”
سيف ركب في الكنبة الوراانية، وقفل الباب، والصمت غطى العربية للحظات قبل ما يقول بصوت أبرد من المطر اللي بره: “وريني الداتا.”
حسام ناول للاب توب، وعلى الشاشة كانت السجلات الرقمية طالعة باللون الأخضر: “الدخول تم الساعة واحدة و١٠ دقايق بعد نص الليل.. من جهاز الكمبيوتر الرئيسي اللي في مكتب المدير الإداري بفرع مصر الجديدة.. باستخدام كارت مرور رقمي خاص.”
سيف ضيق عينيه وهو بيبص للشاشة: “كارت مين؟”
حسام بلع ريقه بتوتر: “الكارت المسجل باسم شريف.. المدير الإداري بتاع مدام نورهان.”
سيف سكت ثواني. العروق في رقابته اتشدت، بس ملامحه فضلت متلجة. شريف شغال مع نورهان من تلات سنين، وراجل مخلص، ومستحيل يكون بيفهم في تقنيات التجسس أو السيرفرات المشفّرة بتاعة مجموعة المنشاوي.
“شريف مش يا حسام..” قالها سيف بصوت واطي وقاطع. “شريف طُعم.. حد استغل كارت المرور بتاعه، أو زرع جهاز حوت جوه المكتب عشان ينقل السيستم بره، ويحط الاسم في وشي لما أبدأ أدور.”
حسام بص له بدهشة: “يعني قصدك إنهم قاصدين يدبسوا مدام نورهان والمطعم في وشك؟ عشان تضرب في بعضها؟”
سيف بصل للشارع الضبابي من شباك العربية، والنار جواه بتكاد تحرق كل حاجة حواليه: “قاصدين يخلوني أشك في كل اللي حواليا.. قاصدين يخلوني أهد بيتي بإيدي. بس اللي عمل الحركة دي نسي حاجة مهمة أوي..”
لف سيف وشه لحسام، وعينيه بتلمع بشرر يرعب: “نسي إن سيف المنشاوي مابيشكش في نورهان.. ونسي إن اللي بيمس شعرة من حريمنا، أنا بقطعلة إيده من الجذور.”
حسام اتعدل في قعدته: “تؤمر بإيه يا باشا؟”
“اطفي اللابتوب ده. هات لي العنوان الشخصي لمهندس الشبكات الجديد اللي نورهان عينته من شهرين.. حسام اسمه، صح؟”
“مظبوط يا فندم.. ساكن في شقة مفروشة في مدينة نصر.”
سيف طلع .. والنهاردة الليل مش هيخلص غير لما أعرف مين اللي زق الولد ده عشان يلعب في بيتي.”
تحركت العربية السودا وسرعت بين شوارع التجمع الخامس الغرقانة في المطر والضلمة، وسيف قاعد في الكنبة الوراانية، باصص للقطرات اللي بتجري على الإزاز، وهو عارف إن المعركة المرة دي مش معركة فلوس ولا شحنة بضاعة على طريق الإسماعيلية.. دي معركة شرف، واللي فكر يلعب معاه في نورهان، حفر قبره بابتسامة على وشه وهو مش حاسس.
#انجي_الخطيب
وصلت العربية قدام العمارة في مدينة نصر. المطر كان هدي شوية، بس الجو لسه غرقان في الساقعة. سيف طلع مع رجالته ببهود، ومن غير ما يضربوا جرس، حسام كسر كالون الباب الذكي ودخلوا في ثواني معدودة.
جوه الشقة الضيقة، كان المهندس الشاب قاعد قدام تلات شاشات شغالين بيحاول يمسح السجلات. لما حس بالباب بيتفتح، اتنفض من مكانه والموبايل وقع من إيده. قبل ما ينطق، كان حسام ورجالته مثبتينه على الكرسي، وسيف دخل بكل هدوء، وحط إيده في جيبه وهو بيبص للشاشات.
“أستاذ حسام.. مهندس الشبكات العبقري.” قالها سيف بنبرة أبرد من الثلج.
الولد كان اترعب ووشه اصفرّ ولسانه اتعقد: “سيف بيه.. والله ما عملت حاجة! أنا بس..”
سيف قرب خطوة واحدة، وداس برجله على الموبايل الواقع على الأرض، ففرتكه بصوت حاد: “الشركة المنافسة اللي دفعتلك عشان تستغل سيستم مطاعم نورهان.. افتكرت إنها لما تدبس اسمها في الموضوع، أنا هشّك فيها وأبدأ أتخانق مع مراتي وأسيب الشحنة. بس إنت نسيت تسألهم عن حاجة واحدة بس يا حسام.. سيف المنشاوي بيعمل إيه في اللي بيحاول يلعب في بيته؟”
في أقل من عشر دقايق، وتحت ضغط الهدوء المرعب بتاع سيف، الولد انهار واعترف بكل حاجة. أدالهم الأسامي، والمبالغ، وخط السير، وسلّم الفلاشة اللي عليها كل التسجيلات والدلائل اللي تثبت براءة مطاعم نورهان وتدين المنافسين كلياً. سيف ما لمسوش؛ ساب الحرس يسلموه للشرطة بالتسجيلات والاعترافات الرسمية اللي تقضي على المنافسين دول للأبد وتوديهم في داهية بالقانون.
مع أول خيوط الشمس لما بدأت تطلع وتكسر الضباب فوق التجمع الخامس، كانت عربية سيف بتدخل جراج العمارة.
سيف دخل الشقة، والنور الأبيض الدافئ بتاع الصبح كان مالئ المكان وبيلمع على الرخام. راح المطبخ بنفسه، وطلع الأطباق المتغطية اللي كان الشيف عبده سايبها، وجاب الشوربة والفراخ والجاتوه، ورتبهم على سفرة الصالة الكبيرة في قلب نور الشمس.
خرجت نورهان من الأوضة، لابسة روب دافي، وعينيها فيها بقايا التعب والانتظار. أول ما شافته واقف جنب السفرة والنور مغرق المكان، اتفاجأت ووقفت مكانها.
سيف ابتسم لها ابتسامة حقيقية ودافية، ومد إيده يرحب بيها: “صباح الخير يا نورهان.. الأكل جاهز، وفي قلب الصالة وفي عز النور.”
نورهان قربت بخطوات هادية، وعينيها بتتنقل بين السفرة وبينه: “سيف.. الشغل؟ والسرقة اللي كنت بتدور عليها؟”
سيف مسك إيدها، وقعدها على رأس السفرة، وقعد هو جنبها: “الموضوع انتهى. اللي حاول يلعب معانا اتكشف واتحاسب، وكل حاجة رجعت لمكانها الصح.. والنهار طلع، ومفيش حد في الدنيا دي كلها يقدر يخليكي تستخبي أو تخافي تاني.”
نورهان بصت له، والدمعة اللي حبستها طول الليل نزلت المرة دي، بس كانت دمعة راحة وأمان. مسكت الشوكة، وأخدت لقمة بثبات وهي باصة في عينيه بكل فخر وثقة، وعرفت في اللحظة دي إن الماضي بوجعه وخوفه انتهى للابد، وإنها مع راجل حقيقي بيحميها بيقدرها ويرفع راسها فوق الكل.
#انجي_الخطيب
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




