روايات وقصص

سير

سلمى بدأت تبكي.

وقالت:

—ليلى مش بنت ياسين.

بصيت لأحمد.

هو نفسه وقف مكانه.

واضح إنه سمع الجملة.

قلت:

—أمال بنت مين؟

لفصل الرابع: الحقيقة اللي محدش كان مستعد لها
الجملة وقعت في طرقة المستشفى كأن حد ضربنا إحنا الاتنين في وشنا.

—التحليل بيقول إن أبوها الحقيقي… هو أحمد.

بصيت لأحمد.

كنت مستنية أشوف خوف.

ارتباك.

ذنب.

أي حاجة تثبتلي إنه كان عارف.

لكن اللي شفته خلاني أتلخبط أكتر.

وشه ابيض تمامًا.

وقال بصوت مخنوق:

—إنتِ بتقولي إيه؟

سلمى كانت لسه على التليفون.

سمعتها بتعيط.

—أنا عملت التحليل مرتين يا أحمد.

قرب مني وخطف الموبايل من إيدي بإيده السليمة.

—تحليل إيه؟ وإزاي أنا أبو ليلى؟ إنتِ اتجننتي؟

سلمى صرخت:

—وأنا هألف حاجة زي دي ليه؟!

قال:

—ليلى بنت ياسين.

—كنت فاكرة كده.

—إنتِ كنتِ مراته!

—وأنا عمري ما خنت ياسين!

أنا كنت واقفة بينهم، حتى وأنا اللي المفروض أكون صاحبة المصيبة… حسيت للحظة إني بتفرج على قصة مش بتاعتي.

قلت:

—حد يفهمني.

أحمد لف ناحيتي.

—مريم، والله العظيم أنا مش فاهم حاجة.

بصيت له ببرود.

—بس فاهم كويس إزاي تخبي طفلة عن مراتك أربع سنين.

سكت.

ودي كانت أول مرة أشوف الندم الحقيقي في عينه.

قال:

—أنا غلطت.

ضحكت بسخرية.

—غلطت؟

—أيوه، غلطت إني مخبيتش… قصدي إني خبيت عنك.

—خبيت إيه بالظبط؟ بنت أخوك؟ ولا بنتك؟

قفل عينه لحظة.

سلمى قالت من التليفون:

—مريم… لازم تعرفي الحكاية من الأول.

أخدت الموبايل من أحمد.

قلت:

—اتكلمي.

سكتت ثواني.

وبعدين قالت:

—ياسين وأنا كنا متجوزين في السر.

أحمد قاطعها:

—عارف.

بصيت له.

—كنت عارف؟

قال:

—عرفت قبل ما ياسين يموت بشهور.

سلمى كملت:

—كان أهله رافضين الجوازة. وأنا وقتها كنت منفصلة عن أهلي بسبب مشاكل كبيرة. فعشان كده فضلنا مخبيين.

قلت:

—وليه ما كانش عندكم أطفال وقتها؟

سلمى أخدت نفس طويل.

—كان عند ياسين مشكلة في الإنجاب.

اتجمد أحمد.

بصلها من خلال التليفون كأنه شايفها قدامه.

قال:

—إنتِ عمرك ما قلتيلي ده.

—لأن ياسين طلب مني ما أقولش.

حسيت إن فيه جزء أخطر جاي.

سلمى كملت:

—قبل ما يموت بحوالي سنة، بدأنا علاج في مركز للحقن المجهري.

قلبي دق بقوة.

أنا عرفت اسم المركز قبل ما تقوله.

لكنها قالته فعلًا.

نفس المركز.

نفس المكان اللي أنا وأحمد كنا بنتعالج فيه عشان نخلف.

بصيت لأحمد.

هو كمان فهم.

قال:

—مستحيل.

سلمى قالت:

—بعد وفاة ياسين، اكتشفت إن كان فيه أجنة مجمدة باسمنا.

قلت:

—يعني ليلى اتولدت من جنين مجمد؟

—آه.

بدأت أحسبها في دماغي.

وده كان يفسر إزاي ياسين مات قبل ولادتها بسنتين تقريبًا.

سلمى قالت:

—أنا ماقدرتش أنقل الأجنة على طول. كنت محطمة بعد موته. استنيت تقريبًا سنة ونص… وبعدها قررت أكمل الحاجة الوحيدة اللي كانت باقية منه.

صوتها اتكسر.

—كنت فاكرة إني بحمل ابنه.

قلت:

—طب والتحليل؟

سكتت.

—من شهرين، ليلى تعبت.

أحمد قرب خطوة.

—أنا عارف.

بصيت له بسرعة.

قال:

—هي محتاجة عملية، والدكاترة طلبوا فحوصات قبلها.

سلمى قالت:

—الدكتور لاحظ حاجة غريبة في فصيلة الدم.

أحمد قال:

—يعني إيه؟

سكتنا كلنا.

سلمى كملت:

—في الأول قلت يمكن البيانات غلط. بس الدكتور اقترح تحليل قرابة.

قلت:

—ومن هنا عرفتي إن أحمد أبوها؟

—لأ.

وقفت.

قالت:

—أول تحليل قال إن ياسين مش أبوها.

أحمد جلس على الكرسي اللي وراه كأن رجليه خانوه.

—وبعدين؟

—افتكرت إن المركز يمكن يكون حصل عنده خطأ.

قلت:

—وبعدين فكرتي في أحمد ليه؟

سلمى ما ردتش بسرعة.

وده خلاني أخاف من الإجابة.

قالت:

—لأن يوم ما ياسين كان بيعمل الإجراء… أحمد كان موجود في نفس المركز.

لفيت ناحية جوزي.

—إنت كنت هناك؟

ملامحه اتغيرت.

قال:

—كنت بتعالج معاكي وقتها.

افتكرت.

من حوالي خمس سنين.

أول سنة فعلية بدأنا فيها تحاليل وعلاج.

أحمد كان راح المركز لوحده كذا مرة.

تحاليل.

عينات.

أدوية.

كل حاجة فجأة بدأت تركب فوق بعضها بشكل مرعب.

سلمى قالت:

—طلبت من المعمل يعمل مقارنة بعينة قديمة محفوظة في ملف أحمد.

صرخ أحمد:

—من غير إذني؟!

—كان عندي موافقة طبية للتحقق من خطأ محتمل في المركز.

قلت بسرعة:

—والنتيجة؟

سلمى بكت أكتر.

—تطابق أبوة.

طرقة المستشفى كلها سكتت جوا ودني.

أحمد قال:

—يبقى المركز لخبط العينات؟

قالت:

—ده اللي المحامي بيحاول يثبته.

بصيت له.

—محامي؟

سلمى قالت:

—أنا ما كنتش عايزة أقول لأحمد قبل ما أتأكد مية في المية.

قلت:

—وإنتِ اتأكدتي؟

—أيوه.

—من إمتى؟

—النهارده الصبح.

بصيت ناحية أحمد.

النهارده الصبح.

قبل الحادثة بساعات.

وفجأة…

افتكرت حاجة.

قلت:

—أحمد… إنت كنت راجع من الشغل فعلًا لما عملت الحادثة؟

ما ردش.

بصيت له.

—سألتك سؤال.

قال ببطء:

—لأ.

قلبي وقع.

—كنت راجع منين؟

سكت لحظة.

ثم قال:

—من المركز.

سلمى سكتت على الخط.

قلت:

—كنت بتعمل إيه هناك؟

أحمد مسح على وشه.

—جالي اتصال الصبح.

—من مين؟

—مدير المركز.

سلمى قالت بدهشة:

—اتصل بيك؟!

أحمد بص للموبايل.

—آه.

قلت:

—وقال لك إيه؟

أحمد رفع عينه ليا.

ولأول مرة شفت الخوف بوضوح.

—قال إن فيه مشكلة قديمة في ملفات العينات… وإن لازم أقابله فورًا.

قلت:

—ورحت؟

—آه.

—وقال لك إن ليلى بنتك؟

هز راسه.

—لأ.

—أمال قال إيه؟

بلع ريقه.

—قال إن في الفترة اللي كنا بنتعالج فيها حصلت مخالفات في المعمل… وإن فيه ملفات اتبدلت.

بدأ جسمي يبرد.

قلت:

—ملفات مين؟

أحمد ما ردش.

قربت منه.

—أحمد… ملفات مين؟

قال بصوت منخفض:

—ملفي… وملف ياسين.

سلمى شهقت.

لكن أحمد ما وقفش.

قال:

—وقال إن الموضوع مش واقف عند ليلى.

حسيت الدنيا وقفت.

—يعني إيه؟

عينيه راحت ناحية الأرض.

قلت بصوت أعلى:

—يعني إيه مش واقف عند ليلى؟!

رفع عينه ليا أخيرًا.

—مريم… المركز طلب مني أعمل تحليل DNA للتوأم.

ضحكت من الصدمة.

—ولادنا؟!

—آه.

—ليه؟

سكت.

فصرخت:

—ليه يا أحمد؟!

قال:

—لأن رقم العينة اللي اتستخدم في الإجراء اللي حملتي منه…

وقف.

كان مش قادر يكمل.

قربت منه وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك تحتي.

—ماله؟

رد بصوت مبحوح:

—مش رقمي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى