
بل أنشأت قائمة تخصها.
نظرت ليلى لمدام نادية.
فأشارت مدام نادية نحو باب المقهى.
وقالت:
— ما زالت هناك واحدة.
نهضت.
— من؟
أقحمت ليلى يديها في جيبي الهودي.
وقالت:
— ماما، قبل أن نبرح، ثمة أمر آخر.
انتظرت.
قالت:
— أسماء سبعة عشر ليست تمام الحكاية.
— أتعني شيئًا؟
اغرورقت عيناها بالدموع.
— أعني أنني وجدت جمعات السبعة عشر الخاصة بي.
أمسكت مدام نادية بمفاتيح سيارتها.
— رافقاني.
استقللنا السيارة واتجهنا صوب حاء أخرى.
الشخص الذي أرادت ليلى إطلاعي عليه كانت فتاة تدعى سلمى، تناهز تسع عشرة سنة.
شرعت في عمل جديد بورشة صيانة سيارات، وما زالت في أسبوعها الأول.
حين دلفنا، ابتسمت سلمى فور رؤيتها ليلى.
وقالت:
— يوم السيارة؟
وقفت ليلى.
— بعد.
رمقتني سلمى.
ثم عادت لتبصر ليلى.
فارقته الابتسامة.
وقالت:
— كلا…
أرخت ليلى بصرها.
دنت منها سلمى.
— أخبريني أنك لم تنفقي مال السيارة.
صمتتا.
وأخذت سلمى تجهش بالبكاء.
أفصحت أنها قُبلت بتدريب مهني يبدأ السادسة صباحًا.
وكانت تقيم مؤقتًا لدى قريبة لها في ناحية بعيدة.
ووسائل النقل في ذلك الوقت لم تكن تبلغها موعد العمل.
ولو تأبّطت التأخير بضع مرات، لفقدت الفرصة برمتها قبل قبضها الأول.
ليلى أنفقت عليها قرابة اثني عشر ألف جنيه.
حذاء العمل.
دراجة مستعملة.
وأجر غرفة مفروشة صغيرة تتاخم الورشة لفترة وجيزة، ريثما تقبض سلمى راتبها الأول وتدبر أمرها.
كانت سلمى أحوج الخلق للمعونة.
وباقي المال، وزعته ليلى حصصًا أصغر على ستة عشر شخصًا آخر.
فرد يحتاج أجور نقل.
وفتاة تحتاج أكسية عمل.
وشخص يحتاج شحن هاتفه.
وآخر بحاجة طعام بضعة أيام.
وفتاة تحتاج رسومًا زهيدة للشروع في التدريب.
مبالغ يسيرة، لكن كل مبلغ أزال عقبة تعترض طريق صاحبه.
أربعون ألف جنيه بتمامها.
سبعة عشر إنسانًا.
جففت سلمى دمعاتها.
وقالت:
— سأردها لكِ يا ليلى.
هزت ليلى رأسها.
— لا.
— ليلى…
— لا تردي شيئًا.
أمعنت سلمى النظر إليها.
أردفت ليلى:
— ساعدي شخصًا آخر ليصل للجمعة.
اضطررت للفت وجهي بعيدًا.
إذ أدركت في تلك اللحظة لم أقدمت ابنتي على كل هذا.
وفي طريق العودة، عقب صمت طويل، سألتها:
— لمَ لم تخبريني؟
ظلت ناظرة من نافذة السيارة.
وقالت:
— لأنكِ كنتِ ستساعدين.
— بالطبع كنت سأساعد.
— أعلم.
التفتت إلي وقالت:
— لذا لم أستطع إخبارك. احتجت لمعرفة قدرتي على إنجاز شيء بنفسي.
— لمَ؟
خفضت بصرها.
وأطبقت الفم.
ثم قالت:
— لأن بابا ما عاد قادرًا.
عجزت عن الرد.
لبثت صامتة ثواني.
ثم ردفت بصوت خفيض:
— أردت فقط التيقن إن كنت أستطيع فعل أمر واحد سيفهمه هو.
غاص في قلبي ألم الكلمات.
مددت كفي صوب يدها.
لكنني كففت نفسي.
لأن ليلى قد اختارت.
ولن أعاقبها لنقاء قلبها.
لكن بالمقابل، لن أقر لها بصحة صنيعها بتمامه.
قلت:
— ما فعلته عظيم يا ليلى… وأنا فخورة بمقدرتك على إغاثة المحتاجين. غير منح أربعين ألف جنيه من وراء ظهري، وهي مجمل مال السيارة الذي تعبتِ من أجله، ثم إعلامي بعد الفراغ… فهذا مسلك لا يتكرر.
أومأت برأسها.
قلت:
— والدك كان يغيث الناس بهدوء كذلك. يبدو أنك ورثت هذا الخصلة منه.
ارتسمت بسمة واهية على شفتيها.
ثم استطردت:
— وكنت قد وعدتك بإتمام باقي ثمن السيارة، والعهد قائم.
رفعت عينيها.
— حقًا؟
— حقًا.
— أحتّى بعد صنيعي هذا؟
ضحكت.
— بلى، بشرط.
— ما هو؟
— أن تجمعي الأربعين ألف جنيه مجددًا، وحينها نشرع في البحث عن السيارة.
ضحكت.
قلت:
— والمرة المقبلة إن ارتأيتِ أن أحدهم محتاج لحذاء عمل أو مواصلات أو غير ذلك، تعلمينني أولاً.
تبسمت وقالت:
— حاضر.
تلك الليلة، عادت ليلى فجلست على ذات طاولة المطبخ.
فتحت هاتفها.
وراحت تستعرض السيارات المستعملة مجددًا.
سلسلة مفاتيح محمود القديمة استقرت بجوار هاتفها.
الحلقة لا برح فارغة.
تأملتها وقلت:
— أسنبتدئ من جديد؟
أجابت:
— نعم.
— أندمة أنتِ؟
أمعنت التفكير مليًا.
وقالت:
— ندمة لغلاء السيارات الفاحش.
ضحكت.
ثم تفحصت الصورة التي التقطتها للبطاقة القديمة.
ستة عشر اسمًا لمحمود في الوجه.
وسبعة عشر رقمًا لها في الظهر.
أطالت النظر في الصورة طويلاً.
ثم لمست الشاشة وقالت:
— لكني غير نادمة على السبعة عشر.
سحبت سلسلة مفاتيح محمود وأدنتها منها.
قبضت عليها ليلى.
ظلت تقلب قطعة المعدن الصغيرة بين بنانها.
البيت.
ثم عاودت البحث عن السيارات.
ظلت الحلقة فارغة.
حتى اللحظة.
غير أنني للمرة الأولى منذ أربع سنين، شعرت بأن هذه السلسلة لا ينقصها مفتاح.
لعلها كانت ترقب شخصًا جديدًا يحملها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




