قصص وروايات

بنتي عندها 16 سنة، اشتغلت طول الصيف

تلاشت ابتسامتها.
وقالت:
— أأخبرتك؟
تسمرت مكاني.
— هل كنتِ تعلمين؟
فتحت مدام نادية الباب وقالت:
— ادخلي يا رنا.
دخلنا.
المقهى كان لا يزال مغلقًا.

الكراسي مرفوعة فوق الطاولات، وواجهة الحلويات فارغة.
سارت أمامنا نحو المكتب الصغير خلف الكاونتر، المكان الذي كانت ليلى تعد فيه البقشيش إثر انتهاء العمل.
فتحت دولابًا معدنيًا.
وقالت:
— قبل أن تغضبي مني، أنا لم أدرك أن الأمور وصلت لهذا الحد إلا مؤخرًا.
قلت:
— هذه الجملة لا تبعث على الاطمئنان بتاتًا.
قالت:
— أدرك ذلك.
مدت يدها خلف علبة الإيصالات.
وأخرجت بطاقة ورقية قديمة.
كانت عادية جدًا.
أطرافها منطوية.
وعليها بقعة قهوة.
غير أنني ما إن قلبتها نحوي، حتى شعرت بأن نفسي انقطع.
كان مسطورًا عليها ستة عشر اسمًا، وبجانب كل اسم تاريخ.

ومجاورًا لبعض الأسماء كلمة مفردة:
الجمعة.
بقيت مطوّلة النظر في البطاقة.
وفجأة ميزت الخط.
خط محمود.
أخذتها من يدها.
وقالت:
— لا…
مدام نادية لم تجب.
التفت صوب ليلى.
— من أين عثرتِ على هذه؟
أجابت:
— في شهر يوليو.
— وما هذه؟
أشارت مدام نادية إلى المقعد.
— اجلسي.

بقيت واقفة.
تنهدت وقالت:
— زوجك كان يتردد إلى هنا كثيرًا.
— أعلم.
كان محمود مغرمًا بقهوة المقاهي للغاية، وكان يرى أن القهوة ألذ في الأكواب البيضاء الثقيلة.

كنت أقول له:

— أتتشرب القهوة أم تختار لون الكوب؟
فيجيب:
— أنتِ لا تفقهين في القهوة شيئًا.
ابتسمت رغم حزني.
لكنني لم أتخيل قط أن مدام نادية كانت تعلم عنه شيئًا يجهله علمي.

قالت:
— أتذكرين جابر؟

هززت رأسي.
— لا.
أشارت نحو أول اسم في البطاقة.
جابر.
قالت:
— منذ نحو سبع سنوات، أقبل محمود إلى هنا باكرًا، ورجلًا يغسل وجهه في دورة المياه.
قلت:
— لمَ كان في دورة المياه؟

قالت:
— لأنه كان يبيت داخل سيارته.
كانت ليلى واقفة صامتة.
استطردت:
— اسمه جابر، وكانت لديه مقابلة عمل في اليوم ذاته. رآه محمود يحاول هندمة قميصه، وبدا جليًا أنه نام بذلك القميص.
أحسست حينها وكأنني أسمع صوت محمود حقًا.
قالت:
— سأله محمود: ألديك مقابلة عمل؟
فأجاب جابر:
— أنا بخير.
ضحكت مدام نادية.
— تفقد محمود القميص وقال له: “أنا لم أسالك إن كنت بخير أم لا.”
أغمضت عيني.
تلك كانت خصال محمود تمامًا.
إن سأل أحدهم:
“ألا تزال رجلك تألمك؟”

فأجاب:
“أنا على ما يرام.”
كان يثور ويقول:
— لقد سألتك أرجلك تؤلمك أم لا!
فتحت عيني.
— وماذا بعد؟
قالت:
— اشترى له إفطارًا، وصحبه إلى محل ملابس زهيد فابتاع له قميصًا نظيفًا، وأعطاه أجرة مواصلات تبلغه حتى مقابلة العمل.
تأملت التاريخ.
وقالت:
— قُبل جابر.
تنفسست الصعداء.
— إذن ما هذه البطاقة؟
قالت:
— القصة لم تبدأ بعد.
ثم أردفت:

— جابر كان معرضًا لخسارة العمل بعد ثلاثة أيام.
— لمَ؟
— أول أجر كان سيصرف يوم الجمعة، ولم يكن يملك أجرة مواصلات تبلغه للعمل حتى يقبض.
فعلم محمود.
ولم يسدد إيجاره.
ولا حاول حل كافة تفاصيل حياته.
هو فقط تكفل بالجزء الناقص.
مواصلات.
غسيل ملابس.
بضع وجبات.
مال يسير يكفيه لحين يوم القبض.
أردفت مدام نادية:
— استشف محمود بعدها أن هنالك خلقًا كثيرًا يبلغون فرصة طيبة، لكنهم يسقطون قبل القبض الأول بسبب أمور واهية للغاية.
فتاة قُبلت بمطبخ مطعم، ولم تملك ثمن حذاء العمل المطلوب.
وأب قُبل بعمل في مستودع، لكنه احتاج لمن يجلس مع ولده أيامًا معدودة حتى يقبض.
وآخر كان هاتفه على وشك النفاد، ومحتاج لشحنه ليتواصل معه صاحب العمل.

أمور زهيدة.
لن تبدل حياة المرء بكمالها.
لكنها قد تقيه من إضاعة فرصة كافح للوصول إليها.
رفعت ليلى بصرها إلى مدام نادية.
وقالت:
— ماذا كان يسميها بابا؟
ابتسمت.
— كان يقول: “نوصل الواحد للجمعة.”
عم الصمت بيننا.
جلست أخيراً.
ليس نسيانًا مني أن ابنتي أهدرت أربعين ألف جنيه.

بل لأنني لأول مرة استوعبت أن محمود كان يعيش شطرًا كاملًا من حياته لم أكن على دراية به.

عاشرته زوجة لأربع عشرة سنة.
أعرف كيف يشترب قهوته.
وأعرف أنه كان يستعصي عليه النوم بالجورب.
وأعرف أنه كان يردد كلمات الأغاني خطأً ويجادل بصحتها.
وأعرف هيئة وجهه حين ينتابه القلق.

وأعرف الطرفة التي يلقيها متى توتر.
أما هذا الجانب؟

فلم أكن أعلم عنه شيئًا.
قلت:
— ستة عشر شخصًا؟
هزت مدام نادية رأسها.
— هؤلاء من أعلمهم فحسب.
— فلماذا احتفظتِ بالبطاقة؟
ضحكت.
— لأن محمود كان غريبًا.

تأملتها.
قالت:
— كل فترة كان يأتي ليسألني: “كم جمعة بلغنا؟”
ضحكت مجددًا.
— كان يدون جدولًا لنفسه.
ابتسمت ليلى.
قالت مدام نادية:
— لم يكن ينافس أحدًا قط.
قلت بسكينة:
— بل… كان ينافس نفسه.
قالت:
— تمامًا.
رمقت البطاقة مجددًا.
ستة عشر اسمًا.
ثم قلبتها.
وهنا شعرت بأن قلبي توقف هنيهة.

وجدت كتابة أخرى.
خطًا مغايرًا.
حبرًا أحدث.
وأرقامًا متسلسلة من واحد لسبعة عشر.
التفتت إلى ليلى.
تبدلت ملامح وجهها.
قلت:
— أأنتِ من دوّن هذه؟
أجابت:
— نعم.
— سبعة عشر شخصًا؟
هزت رأسها.
— هذا الصيف.
تأملت أسماء محمود الستة عشر.
ثم الأرقام التي خطتها ليلى.
أدركت حينئذ أنها لم تدرج نفسها في قائمة أبيها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى