روايات وقصص

سبع سنين

سبع سنين كاملة وأنا بشيل غدا وعشا حبيبي لحد عنده. واليوم اللي عرفت فيه أكلي بيروح فين… كان نفس اليوم اللي أنهيت فيه خطوبتنا.

سبع سنين بطبخ للراجل اللي كنت فاكرة إنه هيبقى جوزي.

وسبع سنين وهو بيترجاني مطلعش مكتبه أبداً:

— “سيبي الأكل مع أمن البوابة يا ندى، مش عايز زمايلي في الشركة يبتدوا يلسنوا ويعملوا حكايات.”

أنا كنت فاكرة سيف طبعاً كده، هادي وما بيحبش يدخل حياته الشخصية في الشغل، وكنت بقول بيني وبين نفسي إنه بيحافظ عليا وعلى علاقتنا.

فسمعت الكلام.

حتى العلب الحرارية اللي بفرغ فيها الأكل، اشتريتها رصاصي ومن غير أي أشكال أو ألوان ملفتة عشان ممشيش أحرجه بين زمايله.

سيف كان علطول عنده مشاكل صعبة في المعدة، وكنت حافظة بالظبط أكلته تحب قد إيه جنزبيل، وأني أكل يجيله منه حموضة، والشوربة تحتاجي ملح قد إيه بالظبط.

كنت حافظة ده لأن سبع سنين كاملة كنت أنا الوحيدة اللي بسهر جنبه في أنصاص الليالي لما كان بيصحى متكوم من الوجع.

بس في الشتا ده، كل حاجة اتقلبت.

أسانسير البرج اللي فيه شركته في المادي كان عطلان، ففضلت واقفة مستنية تحت.

ومن ورا الأبواب الزجاج بتاعة المدخل، لمحت سيف نازل.

كنت هرفع إيدي أنادي عليه…

وفجأة شفته بيفتح العلبة الرصاصي اللي فيها الشوربة اللي تعبت فيها طول النهار…

ورماها في زبالة المدخل ببرود.

ما ذاقش منها حتى معلقة واحدة!

وبعدها بثواني، ظهرت بنت صغيرة ومسمسمة شايلة علبة بينك عليها شكل دبدوب.

سيف أخدها منها.

أكل منها…

وابتسم!

عمره… عمره ما ابتسم لي بالشكل ده وأنا بلمح فرحته بالأكل.

سمعته بوضوح وهو بيعدي:

— “الأكل اللي بتعمليه أسهل بكتير في الهضم… ندى بتتقل الملح أوي، حتى أمي بقت بتقول إنها مش قادرة تستحمل أكلها.”

البنت ضحكت بصوت عالٍ:

— “طب ولما هو كده، بتخليها تجيبلك أكل كل يوم ليه؟”

سيف ما ترددش لحظة:

— “عشان خلاص اتعودت على السحلية دي… لو قلت لها بلاش، هتبتدي تتخيل حاجات وتعملنا موال.”

فضلت واقفة مكاني ورا الإزاز مش قادرة أتحرك.

كان في إيدي شنطة العلاج والفوّار بتوع معدته.

وفي اللحظة دي، فهمت الحقيقة اللي عميت نفسي عنها سبع سنين.

سيف عمره ما كان خايف زمايله يعرفوا خطيبته…

سيف كان خايف يعرفوا إن عنده خطيبة أساساً.

ليلتها، ما بعتلوش العشا.

الساعة سبعة وربع، بنت الرسبشن بعتتلي مسج:

“أستاذة ندى، أستاذ سيف بيسأل حضرتك متأخرة ليه بالعشا النهارده؟”

بصيت للمسج كتير أوي.

العلبة الرصاصي السابعة كانت جنب رجلي على الأرض.

الأكل كان سقع تماماً… ولأول مرة أستوعب إن قلب البني آدم ممكن يسقع هو كمان لحد ما يقطع ألم وحس.

لما الرسبشن بعتت تاني: “أستاذة ندى، أستاذ سيف بيسأل تاني.”

ما رديتش.

فلقيت تلفوني بيرن… سيف.

— “أنتِ فين؟”

كلمتين. لا “أزيك” ولا “أنتِ كويسة؟”.

— “في البيت.”

— “أنا عندي عملاء ومقابلة مهمة بالليل، بلاش شغل دراما ع الصبح.”

سندت إيدي على رخامة الحوض بضغط جامد:

— “أنت شربت شوربة إمبارح؟”

سكت ثواني.

— “بنت البوابة بتقول إنك ما جبيتيش حاجة النهارده.”

— “أنا بسألك عن شوربة إمبارح.”

نبرة صوته اتغيرت وجمعت جفاء:

— “أنتِ عاوزة توصلي لإيه يا ندى؟ لو زهقتي من الطبيخ قولي، بس بلاش تمثيليات وتخلي اللي يسوى واللي ما يسواش يتكلم علينا.”

كنت هضحك بصوت عالٍ من الوجع.

بعد سبع سنين، برضه كل اللي فارق معاه “كلام الناس”… مش أنا.

بعدها بحظات، هنّن صوته شوية:

— “تعالي بالليل وهاتي دوا المعدة معاكي… جمبي بيموتني.”

زمان، الكلمتين دول كانوا كفيلين يخلوني أنزل أجرِي في نص الليل في الشتاء.

المرة دي رديت بهدوء غريب:

— “العلاج تحت عند أمن المبنى بتاعك.”

سكت خالص… وبعدين قال:

— “أنتِ جيتي الشركة؟”

— “أيوه.”

سكوت تاني… وبعدها سأل السؤال الوحيد اللي كان هاممه بجد:

— “أنتِ شفتي إيه؟”

حسيت بحاجة جوايا انكسرت وحسها اختفى للأبد.

— “شفتك وأنت بترمِي أكيلي في الزبالة.”

في الخلفية، سمعت صوت بنت بتنادي:

— “سيف، قولها تيجي ياللا، الأكل هيبرد.”

سارة… البنت صاحبة العلبة البينك.

سيف أبعد التلفون ثواني، ورجعلي تاني:

— “أنتِ مكبرة الموضوع، سارة زميلتي في القسْم وأهلها بيعملوا أكل خفيف لمعدتي… ده كل الموضوع.”

“ده كل الموضوع.”

سبع سنين اتلخصوا في ثلاث كلمات!

فجأة جرس الباب رن.

فتحت… كانت طنط ماجدة، أم سيف.

دخلت من غير ما تستأذن حتى:

— “أنتِ ما بعتيش العشا ليه؟ سيف قاعد وشه أصفر من الوجع!”

— “خلاص يا طنط، بقى في اللي بيطبخله.”

وشها اتغير وقست عليا:

— “سارة دي ضيفة وزميلة شغل! إنما أنتِ اللي بقالك سبع سنين شايلاه، هتيجي على آخر خطوة وقبل شبكتكم وتعملي حركات العيال دي؟”

المكالمة مع سيف كانت لسه مفتوحة، وكان سامع كل كلمة… وما نطقش بكلمة دافع بيها عني.

“خلاص يا ماما سبيها” … قالها من التلفون بصوت يبان حنين، بس هو في الحقيقة كان بيطلعني أنا اللي مفترية وبكَبّر الموضوع.

طنط ماجدة أخدت العلبة والدوا من على الترابيزة:

— “أنا هخلي السواق يوديلو الدوا… وقومي أعملي شوربة تانية بس خففي الملح، واعملي حساب سارة معاكي عشان معدتها هي كمان بتتعب من أكل الشارع.”

بصيت لها…

وبعدين بصيت للمطبخ اللي وقفت فيه سبع سنين بعمل أكل لابنها حب وخدمة.

وقلت بمنتهى الهدوء:

— “أنا مش هطبخ تاني يا طنط.”

برقتلي بذهول، وسيف صوت جاء من التلفون:

— “ندى!” (كان فيه نبرة تهديد واضحة).

سيف ما اتصلش بقية الليلة دي.

مش عشان كان قلقان عليا…

لا، عشان كان واثق ومبتسم إن بكرة الصبح هيلاقي العلبة الرصاصي مستنياه عند البوابة مع الأمن، زي ما بيحصل بالظبط بقالها سبع سنين.

وأنا بصراحة، لو مكان ندى القديمة، كنت هفكر نفس التفكير.

ندى اللي كانت بتلغي خروجتها مع صاحبتها في ثانية لو سيف بس قال “جنبي بيوجعني”.

ندى اللي اتعلمت تعمل شوربة الكوارع والعضم بالطريقة الطبية الصعبة عشان الدكتور قال دي مفيدة لمعدته.

ندى اللي في يوم مطر وسيول مطر عز الشتا، مشيت كيلو كامل على رجليها في المطبخ والطين عشان الشارع كان واقف، وهو كان بيقول إنه مش هيقدر ياكل أكل مطاعم من الشارع.

ندى اللي كانت فاكرة إن الحب معناه إنك تلغي نفسك وتخليه ما يقدرش يستغنى عنك.

بس ندى دي… ماتت وانتهت ورا الأبواب الزجاج بتاعة شركة سيف.

الساعة ستة وأربعين دقيقة الصبح، التلفون رن.

ما بصيتش على الشاشة.

كنت عارفة مين اللي بيكلمني.

الساعة ستة وثلاثة وأربعين دقيقة… رن تاني.

المرة دي فتحت الخط، وحطيته على الميكرفون من غير ما أنطق.

صوت سيف جاء متعصب ومستعجل:

— “ندى! أنتِ فين؟ السواق تحت البيت عندك بقاله ربع ساعة وبيزمر، وأنا عندي اجتماع مهم الساعة تمانية ومحتاج العلاج والشوربة!”

سكت ثواني وأنا بصب القهوة في مج السفر بتاعي.

— “ندى؟ أنتِ سامعاني؟”

رديت بهدوء مستفز:

— “صباح الخير يا سيف. قول للسواق يروح، عشان مفيش أكل ولا دوا هيطلعوا من البيت ده تاني.”

— “أنتِ لسه في الهبل ده؟” … صوته علي وجاء فيه نبرة غضب:

— “أنا معدتي بتقطعني من إمبارح! سارة جابت أكل خفيف أه، بس مش زي اللي متعود عليه! أنتِ عايزة توصلين إيه بالظبط؟ عاوزاني أترجاكي يعني؟”

— “تترجاني؟” … ضحكت ضحكة هادية خلت خطه يسكت ثانية:

— “لا يا سيف، أنا مش عاوزاك تترجاني. أنا عاوزاك تجرب تاكل من الشارع، أو تخلي سارة تصرخ وهي بتعملك أكل لمعدتك اللطيفة.”

— “ندى، بلاش جنون!” … نبرته بدأت تتهز:

— “أمي قالتلي إنك سبتي الخاتم إمبارح… أنتِ بتهدري سبع سنين عشان كلمتين فارغين؟”

— “السبع سنين دول أنت اللي رميتهم في زبالة الشارع إمبارح يا سيف… مع الشوربة.”

الخط سكت تماماً.

فهم.

عرف إن المشهد اللي افتكر محدش شافه… أنا شفته بكل تفاصيله.

قبل ما ينطق كلمة زيادة، كملت كلامي:

— “طيارتي لدبي كمان أربع ساعات. شنطي لاتشحنت، وشقتي أجرها انتهى. الخاتم مع مامتك، ومعدتك… مع سارة. مع السلامة يا سيف.”

وقفلت السكة.

عملت له بلوك في ثانية.

وبلوك لطنط ماجدة.

وبلوك لكل حد ممكن يوصلني بيه.

سحبت شنطة السفر الصغيرة، ونزلت للتاكسي اللي كان مستنيني تحت العمارة.

وأنا راكبة وفي طريقي للمطار، جاكيت فخم وعيون مشبوبة بالأمل، بصيت على القاهرة من إزاز العربية.

لأول مرة من سبع سنين، أحس إن نفسي خفيف… إن صدري فيه هوا بجد.

العلبة الرصاصي السابعة؟ سبتها فاضية على رخامة المطبخ.

علبة فاضية… زي حبه اللي عشته سبع سنين، وزي الوعود اللي ات بخرت في الهواء.

وصلت المطار، فتحت بوابات السفر، ودخلت عالم جديد… عالم ما فيهوش راجل بيستخسر فيا كلمة حلوة، وما فيهوش قلوب بتتررمي في الزبالة.

مرت ثلاث سنين… ثلاث سنين في دبي عدوا زي السحر.

كبرت في شغلي، مسكت إدارة قسم كامل في شركتي الجديدة، وبقى لي كافيهي المفضل على البحر، وشقتي اللي شمسها ما بتغيبش. بس الأهم من كل ده… إني رجعت ندى. ندى اللي بتضحك من قلبها، اللي بتلبس ألوان مبهجة، اللي أكلها بتعمله لنفسها بحب وبمزاج، مش خوفاً من زعل حد ولا عشان تترجى كلمة رضا.

في يوم، كنت نازلة مصر ترانزيت يومين بس عشان أحضر فرح واحدة صاحبتي في فندق كبير في الزمالك.

كنت لابسة فستان نبيتي شيك، ماشية بثقة وفي إيدي شنطتي، والابتسامة مش مفارقة وشي. وأنا داخلة من باب الفندق، لمحت عند الرسبشن حركة مش طبيعية وصوت زعيق مكتوم.

بصيت بالصدفة… اتسمرت مكاني.

كان سيف.

بس مش سيف بتاع زمان. وش أصفر ومجهد، خاسس جداً، وموطي ضهره كأنه شايل جبل. كان واقف بيتخانق مع الويتر بصوت متوتر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى