قصص و روايات

رجعت تبيع بيت ابوها

والبعض الآخر يحمل اسم ياسين.

أمسكت أول رسالة.

كان خطها واضحًا.

فتحتها.

كانت قد كتبتها خلال عامها الأول في كلية الطب:

“أنا خايفة يا ياسين. المكان جديد عليّ، والدراسة صعبة، لكن كل ما أفتكر إنك مستنيني بحاول أكمل.”

فتحت رسالة أخرى:

“نجحت في أول امتحان. كنت أتمنى تكون أول واحد أقول له.”

ثم رسالة ثالثة:

“ليه ما بتردش؟ حتى لو غيرت رأيك، كنت أتمنى أعرف.”

لم تستطع ليلى إكمال القراءة.

أخذ ياسين إحدى رسائله.

كان يكتب فيها:

“الورد الأبيض طلع أول زهرة. لسه فاكر وعدنا.”

وفي رسالة أخرى:

“لسه مستني جوابك.”

ثم أخرى:

“لو قررتي تكملي حياتك بعيد عني، هحترم قرارك. بس نفسي أعرف إن القرار كان قرارك.”

كانت الحقيقة أمامهما.

لم يتخلَّ أي منهما عن الآخر.

كانت الرسائل هي التي لم تصل.

وبينما كانت ليلى تقلب الأوراق، وجدت خطابًا مختلفًا.

كان مكتوبًا بخط والدها.

بدأت تقرأ.

“إلى من يجد هذه الأوراق بعد رحيلي…”

توقفت للحظة.

ثم تابعت.

اعترف الحاج سالم في الخطاب بأنه منع الرسائل من الوصول إلى ابنته، لأنه كان يخشى أن تعود ليلى عن طريقها الدراسي، وأن تتعلق بالماضي بدلًا من بناء مستقبلها.

لكن الخطاب حمل مفاجأة أخرى.

في الليلة التي سبقت سفر ليلى، تحدث والد ياسين مع الحاج سالم، وطلب منه ألا يقف في طريق الاثنين.

ومنذ ذلك اليوم، قرر الحاج سالم أن يساعد أسرة ياسين في ظروفها المادية، لكنه طلب من ياسين أن يبقى في القرية ويهتم بالأرض.

كتب في نهاية الخطاب:

“كنت أظن أنني أحمي مستقبل ابنتي، لكنني أدركت بعد سنوات أنني كنت أتخذ قرارًا لم يكن من حقي اتخاذه عنها.”

ثم أضاف:

“رأيت الورد الأبيض يكبر عامًا بعد عام، وكلما رأيته كنت أتذكر أنني أبعدت شخصين كانا صادقين مع بعضهما.”

“إذا عادت ليلى يومًا، أتمنى أن تجد في قلبها مساحة للتسامح.”

انخفضت الرسالة من يد ليلى.

كانت تبكي بصمت.

عشرون عامًا مرت وهي تحمل اعتقادًا خاطئًا.

وعشرون عامًا عاشها ياسين وهو يظن أنها اختارت الابتعاد عنه.

قالت ليلى:

— كل السنين دي ضاعت بسبب سوء فهم.

رد ياسين بهدوء:

— يمكن الوقت ضاع، لكن الحقيقة رجعت.

نظرت إليه.

ثم نظرت إلى شجرة الورد الأبيض التي زرعاها قبل عشرين عامًا.

كانت لا تزال موجودة.

كبرت أغصانها، وامتلأت بالزهور.

وفي اليوم التالي، اتخذت ليلى قرارًا لم يتوقعه أحد.

بدلًا من بيع البيت والأرض، قررت الاحتفاظ بهما.

وأعادت تجهيز المركز الطبي الموجود في القرية، وخصصت جزءًا من نشاطها الطبي لخدمة الأهالي.

أما ياسين، فواصل إدارة الأرض التي حافظ عليها طوال السنوات الماضية.

وبمرور الوقت، تحولت المزرعة إلى مشروع ناجح، وأصبح البيت القديم مكانًا يجتمع فيه أهل القرية في المناسبات.

لكن أجمل ما حدث لم يكن في الأرض ولا في البيت.

بعد أشهر من عودة ليلى، قررت أن تمنح نفسها فرصة جديدة.

وفي الحديقة نفسها التي بدأت فيها الحكاية قبل عشرين عامًا، اجتمع الأهل والأصدقاء للاحتفال بزواج ليلى وياسين.

وقف الاثنان بجوار شجرة الورد الأبيض.

نظرت ليلى إليها وقالت بابتسامة:

— الورد ما ماتش يا ياسين.

ابتسم ياسين وقال:

— كان مستني صاحبه يرجع.

وهكذا، بعد عشرين عامًا من الفراق وسوء الفهم، بدأت قصة جديدة لم يكن أي منهما يتوقع أن يعيشها.

**النهاية.**

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى