Uncategorized

القلادة

— قول لبنتي!

قربت منه.

— تقول إيه؟

فؤاد قعد على الكنبة كأن رجليه مبقتش شايلة جسمه.

وبعد صمت طويل قال:

— أبوكي كان بيحبك.

قلت:

— متبدأش بالجملة دي.

— الحقيقة مش سهلة.

— وأنا حياتي كانت كدبة. اتكلم.

مسح وشه بإيده.

— قبل ما تتولدي بسنة، أمك كانت متجوزة.

بصيت لأمي.

هزت راسها.

— من راجل اسمه يوسف النجار.

الاسم كان غريب عليا تمامًا.

فؤاد كمل:

— حصلت مشاكل كبيرة بينهم… وبعد فترة حصل انفصال بينهم.

أمي قاطعته:

— متكدبش. أنا ما اخترتش أبعد عنه.

فؤاد سكت.

حاتم قال:

— كمل.

فؤاد أخد نفس.

— أخويا، جلال، كان شريك يوسف في مشروع كبير. حصل خلاف بينهم على فلوس وأراضي.

— وإيه علاقة ده بيا؟

فؤاد بصلي.

— أمك كانت حامل.

حسيت معدتي اتقبضت.

— بيا؟

— أيوه.

— من يوسف؟

محدش رد.

بصيت لأمي.

دموعها كانت كفاية.

رجعت خطوة.

كل ذكرياتي عن أبويا اتشقلبت في ثانية.

— يعني جلال مكانش أبويا.

أمي قالت:

— هو اللي رباكي… لكنه مكانش والدك.

قعدت على أقرب كرسي.

— طب ويوسف؟

فؤاد قال:

— اختفى.

رفعت راسي.

— اختفى إزاي؟

أمي ردت:

— قالولي إنه سافر ومش هيرجع.

فؤاد وطى عينيه.

— ما رجعش فعلًا.

أمي بصتله.

— ليه؟

فؤاد قال:

— جلال أقنعه إنه يبعد بمقابل كبير.

أمي صرخت:

— كداب! يوسف عمره ما كان هيسيب بنته!

فؤاد رد:

— مكنش عارف إنك حامل.

الصمت وقع علينا.

أمي قربت منه.

— إنت بتقول إيه؟

— جلال قاله إنك فقدتي الحمل… وإنك مش عايزة تشوفيه تاني.

أمي حطت إيدها على صدرها.

وأنا بدأت أفهم بشاعة اللي حصل.

جلال فصل أمي عن الراجل اللي كانت بتحبه…

وخد مكانه.

قلت:

— وبعد كده اتجوزها؟

— بعد ولادتك بحوالي سنة.

أمي قالت:

— كنت لوحدي. يوسف اختفى، وأهلي كانوا بعيد عني… وجلال فضل جنبي لحد ما صدقته.

سألتها:

— إمتى عرفتي الحقيقة؟

هنا وشها اتغير.

— ليلة اختفائي.

قربت منها.

— إيه اللي حصل؟

— كنت بنضف مكتب جلال… ولقيت جواب قديم.

— من مين؟

— يوسف.

سكتت لحظة.

— كان باعت الجواب قبلها بسنين. بيقول إنه اكتشف إني خلفت، وإنه عايز يشوف بنته.

قلبي اتقبض.

— يعني كان عارف إني موجودة.

— في الآخر… أيوه.

— وبابا خبّى الجواب؟

— وخبّى عشرات غيره.

أمي بدأت تبكي.

— واجهته. قلتله إني هاخدك وأمشي، وهقولك الحقيقة.

افتكرت الجملة اللي سمعتها وأنا طفلة:

البنت لازم تعرف الحقيقة.

قلت:

— وعشان كده أخدك؟

فؤاد حط راسه بين إيديه.

— جلال اتصل بيا وهو منهار. قاللي إن لوسيا عايزة تهرب بالبنت، وإنها مش في وعيها.

أمي صرخت:

— كنت في كامل وعيي!

— أنا صدقته!

— فساعدته ياخدني لمكان بعيد؟!

فؤاد سكت.

ودي كانت الإجابة.

حاتم سأله:

— ووديتوها المركز؟

— أيوه.

— عشرين سنة؟

رفع فؤاد راسه بسرعة.

— لأ! دي الحقيقة اللي محدش هيصدقها. الاتفاق كان أيام بس.

قلت:

— أيام؟!

— جلال كان عايز الدكتور يساعدها تهدى لحد ما يلاقي حل.

أمي قالت:

— كانوا بيدوني أدوية.

فؤاد هز راسه.

— بعد أسبوع رجعت لجلال وقلتله لازم نخرجها. قاللي إنها مشيت من المركز.

— ومشت فعلًا؟

فؤاد بص لأمي.

— أنا فضلت سنين فاكر إنها راحت لمكان بعيد.

حاتم قال:

— لكنك فضلت ساكت.

— كنت خايف.

صرخت فيه:

— عشرين سنة؟!

— كنت خايف أخسر كل حاجة!

ضحكت بمرارة.

— وإنت فعلًا خسرت كل حاجة.

مديت إيدي لحاتم.

— المفتاح.

ناولني السلسلة.

رفعتها قدام أمي.

— الصندوق فين؟

أمي قفلت عينيها.

فضلت ساكتة ثواني.

وبعدين قالت:

— البيت القديم.

— بيت مين؟

— بيت يوسف.

فؤاد رفع راسه بسرعة.

— البيت اتهد من سنين.

أمي بصتله.

— لأ.

— أنا عارف المنطقة.

— البيت اللي الناس تعرفه اتهد.

سكتت.

— لكن يوسف كان عنده ورشة قديمة تحت البيت.

حاتم قال:

— والمفتاح بيفتحها؟

— بيفتح خزانة جوه الورشة.

فؤاد وقف فجأة.

— مفيش داعي للكلام ده.

بصيتله.

— ليه؟

— بعد عشرين سنة هتفتحوا جروح ليه؟

حاتم قرب منه.

— إنت خايف من إيه بالظبط؟

— مش خايف.

أمي بصتله طويلًا.

وبعدين قالت:

— يبقى إنت عارف إيه اللي جوه الخزانة.

فؤاد سكت.

حاتم طلع موبايله.

— العربية هتكون جاهزة خلال خمس دقايق.

فؤاد مسك دراعه.

— حاتم، اسمعني.

حاتم نفض إيده.

— إيدك.

فؤاد سابه.

وبعد أقل من نص ساعة…

كنا واقفين قدام أرض فاضية في حي قديم.

بقايا حيطان.

حديد مصدي.

وأشجار طالعة وسط الخراب.

أمي وقفت قدام المكان كأن الزمن رجع بيها عشرين سنة.

— هنا.

مشينا وراها لحد سور متهدم.

زاحت شوية نباتات ناشفة.

ظهر باب حديد صغير شبه مدفون في الأرض.

حاتم حاول يفتحه.

مقفول.

ناولته المفتاح.

دخل.

لف.

تك.

الباب اتفتح.

نزلنا سلالم ضيقة.

ريحة الرطوبة كانت خانقة.

في آخر الورشة لقينا خزانة حديد.

المفتاح فتحها هي كمان.

جواها كان فيه صندوق خشب.

أمي حطت إيدها عليه.

— أنا اللي حطيته هنا.

فتحناه.

جواه خطابات.

صور.

شهادات.

وشريط تسجيل قديم.

لكن أكتر حاجة شدت عيني…

كان ظرف كبير مكتوب عليه:

«إلى ابنتي سلمى… لو وصل لكِ الخطاب ده، يبقى أنا فشلت أوصل لك بنفسي.»

إيدي بدأت ترتعش.

فتحت الظرف.

أول سطر خلاني أقعد على الأرض:

«أنا يوسف النجار، والدك الحقيقي.»

وتحت الخطاب…

كان فيه صورة حديثة نسبيًا.

قلبتها.

وراها تاريخ.

من 3 سنين بس.

رفعت عيني لحاتم.

— الصورة دي من تلات سنين.

أمي شهقت.

— يعني يوسف كان موجود!

لكن فؤاد، اللي كان واقف عند باب الورشة، قال جملة خلتنا كلنا نبصله:

— كان موجود فعلًا.

قمت ببطء.

— كان؟

فؤاد عينيه اتمَلوا دموع.

— يوسف غاب عن الدنيا من سنة واحدة.

حسيت الدنيا اسودت.

لكن فؤاد كمل:

— وقبل ما يختفي…

بص لحاتم.

— قابل جوزك.

لفيت ناحية حاتم.

حاتم سكت.

قلت:

— إنت قابلت أبويا الحقيقي؟

ما ردش.

قربت منه.

— إمتى؟

قال بهدوء:

— من أربع سنين.

اتراجعت كأني اتضربت.

— أربع سنين؟!

يعني مش تلات أسابيع.

مش من ساعة ما لقى الملفات.

جوزي كان عارف الحقيقة من أربع سنين.

رفعت القلادة في وشه وأنا بترعش من الغضب.

— يبقى إنت كمان كنت بتكدب عليا.

حاتم قال:

— سلمى، اسمعيني للآخر.

— لأ.

دموعي نزلت.

— المرة دي إنت اللي هتسمعني.

وأشرت للخطاب.

— أبويا الحقيقي كان موجود، وإنت قابلته… وسكت أربع سنين؟

حاتم وطى عينيه.

— كان عندي سبب.

ضحكت بمرارة.

— كل راجل في حياتي عنده سبب للكذب عليا!

حاتم مد إيده لجيب بدلته.

وطلع ظرف أبيض صغير.

— يوسف إداني ده قبل ما يختفي.

بصيت للظرف.

مكتوب عليه بخط إيد:

«لا تفتح إلا أمام سلمى ولوسيا معًا.»

أمي قربت مني.

حاتم ناولني الظرف.

فتحته.

لكن بدل ما ألاقي جواب…

لقيت صورة.

صورة حاتم واقف جنب يوسف.

وكان معاهم شخص ثالث.

أول ما شفت الشخص…

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى