قصص وروايات

اثناء الولادة

المشكلة إن الورقة كانت حساسة جدًا.
وكان ممكن توقف المعاملة بالكامل لو اتفهمت بشكل غلط.
أحمد قال له
إنت كان لازم تسألني الأول.
ياسر رد
عارف.
إنت عارف إن الورقة دي ممكن تعمل مشكلة؟
عرفت بعد ما قدمتها.
سكت أحمد.
وبعدين قال
أنا قضيت أسبوعين فاكر إن حياتي كلها بتنهار.
ياسر صوته هدي
أنا آسف.
أحمد قفل المكالمة.
قعد فترة طويلة ساكت.
وبعدين بص لي.
أنا السبب.
قلت
في إيه؟
قال
لو كنت اتكلمت معاكي من الأول، ماكنش كل ده حصل.
ما ردتش.
لأن كلامه كان صحيح.
في نفس الليلة، جلسنا سوا.
البنات كانوا نايمين.
وأحمد فتح كل حساباته قدامي.
كل الأوراق.
كل الالتزامات.
كل حاجة.
ما خبيش أي تفصيلة.
وبدأنا نحسب من جديد.
المصاريف.
الديون.
احتياجات البنات.
وحتى موضوع الشقة.
وفي النهاية اكتشفنا إننا مش محتاجين ندخل نفسنا في الدين اللي كان أحمد ناوي عليه.
الشقة كانت فكرة جميلة.
لكن توقيتها غلط.
قررنا نوقف الإجراءات.
ونعيش بالإمكانيات الموجودة لحد ما الأمور تستقر.
أحمد قال
أنا كنت عايز أديهم كل حاجة.
بصيت له.
هما محتاجينك إنت قبل أي حاجة.
سكت.
ثم قال
أنا فهمت.
بعدها بأيام، بدأت الحياة تهدى قليلًا.
أحمد رجع يهتم بالبنات.
كان بيغير لهم.
يساعدني في الليل.
ويحاول يعوض الأيام اللي غابها.
وأنا بدأت أتعافى من الولادة.
لكن علاقتنا ما رجعتش زي الأول بسهولة.
الثقة لما بتتهز، مش بترجع بكلمتين.
وفي صباح أحد الأيام، وأنا بغير لبنتنا الثالثة، لاحظت إن أحمد واقف عند باب الأوضة.
قال
مريم؟
نعم؟
قال
أنا عايز أقولك حاجة.
بصيت له.
قال
الرحلة اللي سافرتها… مش كل الحقيقة.
اتجمدت.
يعني إيه؟
قرب.
أنا ما سافرتش بس عشان أرتاح.
سكت لحظة.
أنا كنت رايح أقابل شخص يساعدني أحل أزمة الشغل.
بصيت له باستغراب.
وكنت مخبي ده ليه؟
قال
لأني كنت خايف أفشل.
سكت.
ثم أضاف
لكن المقابلة دي فتحت قدامي فرصة جديدة.
قلت
فرصة إيه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
شغل جديد.
لكن قبل ما أفرح، مد لي ورقة.
وده سبب تاني خلاني ما أقولكيش.
أخذت الورقة.
قرأت أول سطر.
ورفعت عيني له.
لأن العرض الجديد كان مشروطًا بقرار كبير جدًا…
قرار ممكن يغيّر مكان سكننا، وشغلنا، وحياة بناتنا الثلاثة بالكامل.
وأحمد كان منتظر مني كلمة واحدة فضلت ماسكة الورقة وببص فيها.
العرض كان من شركة في مدينة تانية.
المرتب أعلى بكتير من شغله القديم، وفيه تأمين صحي ومزايا أفضل، لكن كان فيه شرط واضح
لازم أحمد ينتقل ويشتغل هناك خلال شهر.
رفعت عيني له.
يعني هننقل؟
قال
ده اللي مش عارف أعمله.
قلت
وليه؟
قال
لأن النقل دلوقتي معناه إنك هتسيبي أهلك، وأنا هبقى في شغل جديد، والبنات لسه صغيرين جدًا.
سكت لحظة.
بس لو رفضت، ممكن ما ألاقيش فرصة أحسن قريب.
بصيت للورقة تاني.
المرة دي فهمت إن المشكلة مش اختيار بسيط.
كان قدامنا مستقبل كامل لازم نقرره.
قلت
إنت كنت ناوي تقرر لوحدك؟
هز راسه.
في البداية، أيوه.
وبعدين؟
قال
لما رجعت وشفتك، وشفت البنات… فهمت إني مش عايز أكرر نفس الغلطة.
كانت أول مرة أسمعه يقولها بوضوح.
إيه الغلطة؟
قال
إني أخد قرار يخصنا كلنا وأنا لوحدي.
في اليوم التالي، اتفقنا إننا مش هنتسرع.
اتصلنا بالشركة.
طلبنا أسبوعًا إضافيًا للتفكير.
وبدأنا ندرس كل الاحتمالات.
السكن.
المواصلات.
الحضانة مستقبلًا.
مساعدة العائلة.
مصروف البيت.
حتى المسافة بين المدينة الجديدة وأهلي.
لأول مرة، حسيت إن أحمد فعلًا بيتعامل معايا كشريكة.
مش شخص لازم يعرف النتيجة بعد ما القرار يتاخد.
وفي وسط كل ده، حصل شيء ماكنتش متوقعاه.
أحمد بدأ يتغير مع البنات.
في البداية كان بيشيل واحدة لدقائق.
بعدها بقى يطلب يشيلهم.
وبقى يحفظ مواعيد نومهم.
ويعرف مين فيهم بتصحى أسرع.
ومين بتحتاج تهدئة أكتر.
وفي إحدى الليالي، كنت مرهقة جدًا.
واحدة من البنات كانت بتعيط.
قمت من السرير، لكن أحمد سبقني.
قال
نامي إنتِ.
بصيت له.
إنت هتعمل إيه؟
قال
هحاول أهديها.
قعد في الكرسي، وشالها.
فضل يمشي بيها في الأوضة.
وبعد دقائق، سكت صوت بكائها.
بصيت له من بعيد.
وفجأة حسيت إن الرجل اللي كنت أعرفه قبل الولادة بدأ يرجع.
لكن الجرح اللي حصل ماكانش هيختفي بسهولة.
بعد أسبوع، اتخذنا قرارنا.
أحمد قبل الوظيفة.
لكن بشرط إنه يبدأ عن بُعد أول شهر، وبعدها نحدد موعد الانتقال.
الشركة وافقت.
وبكده كسبنا وقت.
وقت نتأكد إن شغلنا الجديد مستقر.
وقت نتعود على البنات.
ووقت نرتب حياتنا من غير قرارات مفاجئة.
أما الشقة، فتم إلغاء إجراءاتها.
والقرض اتلغى قبل ما يتحول لالتزام طويل.
ولأول مرة من فترة، حسيت إن البيت بدأ يرجع لهدوئه.
لكن كان لسه عندي سؤال واحد.
السؤال اللي ما قدرتش أنساه.
في الليلة اللي سافر فيها أحمد، كان فيه ملف ناقص.
والورقة اللي قدمها ياسر كانت مجرد خطأ.
لكن ليه كان فيه مستند آخر باسم واحدة من البنات قبل ولادتها؟
قررنا نراجع الموضوع مع جهة التأمين.
وبعد مراجعة طويلة، اكتشفنا إن المستند ماكانش متعلقًا ببنتنا تحديدًا.
كان نموذجًا احتياطيًا تم إدخاله في النظام بسبب خطأ إداري في تسجيل الحمل المتعدد.
يعني مفيش أي شيء غامض.
مجرد أخطاء متراكمة بسبب استعجال أحمد وياسر والموظفين.
وأخيرًا، كل حاجة اتقفلت.
مرت الشهور.
بناتنا كبروا.
والبيت اتغير.
أحمد بدأ شغله الجديد.
وأنا بدأت أستعيد صحتي وحياتي بالتدريج.
ما بقيناش الزوجين اللي كانوا قبل الولادة.
بقينا ناس اتعلموا بالطريقة الصعبة إن المسؤولية مش معناها إنك تشيل كل حاجة لوحدك.
وفي يوم، بعد حوالي ستة شهور من ولادة البنات، كنت قاعدة في الصالة.
أحمد دخل من الشغل.
وكان شايل ثلاث هدايا صغيرة.
حطهم قدام البنات.
قلت له
إيه ده؟
ابتسم وقال
أول مرتب كامل من شغلي الجديد.
بصيت له.
وجبت لهم إيه؟
قال
حاجة بسيطة.
فتح أول علبة.
لعبة صغيرة.
والتانية.
كتاب أطفال.
والتالتة.
إطار فيه صورة لنا إحنا الخمسة.
قال
دي أهم حاجة.
بصيت للصورة.
أنا.
وأحمد.
وبناتنا الثلاثة.
ولأول مرة من يوم الولادة، حسيت إن البيت مش مجرد مكان بنعيش فيه.
بقى فعلًا بيتنا.
لكن أحمد كان لسه محتفظ بشيء واحد من الرحلة القديمة.
شيء ماكانش بيتكلم عنه.
وفي ليلة هادئة، بينما كنا بنرتب حاجات البنات، أخرج من درج مكتبه ظرفًا قديمًا.
وقال لي
في حاجة لسه ما حكتهالكش عن اليوم اللي سافرت فيه.
بصيت له.
فتح الظرف.
وأخرج ورقة واحدة.
ثم

قال
دي كانت السبب الحقيقي اللي خلاني أقرر أرجع وأغير كل حاجة.
وبصيت للورقة…
لأني ما كنتش متوقعة أبدًا إن اللي مكتوب فيها يكون متعلقًا بمستقبل بناتنا الثلاثة بصيت للورقة وأنا مش فاهمة.
كانت رسالة من المستشفى.
قريتها مرة.
وبعدين مرة تانية.
اكتشفت إن خلال فترة وجودنا في المستشفى، الدكاترة كانوا لاحظوا إن واحدة من البنات محتاجة متابعة إضافية بسبب مشكلة بسيطة ظهرت في الفحوصات، وكان لازم نتابعها خلال الشهور الأولى.
أحمد كان عارف.
لكنه ما قالليش.
سألته
إنت كنت عارف؟
هز رأسه.
أيوه.
ومن إمتى؟
قال
من يوم الولادة.
حسيت بغضب شديد.
وسبتني لوحدي وسافرت وإنت عارف إن واحدة من بناتنا محتاجة متابعة؟
نزل عينه.
أنا كنت خايف.
قلت
الخوف مش مبرر إنك تخبي عني حاجة تخص بنتنا.
قال
عارف.
ثم

مقالات ذات صلة

أضاف
أنا في الرحلة فهمت حاجة. أنا كنت بهرب من المسؤولية، وكل ما كنت بخاف من حاجة، كنت بحاول أحلها لوحدي أو أهرب منها. ولما رجعت، عرفت إن الطريقة دي ممكن تضر الناس اللي بحبهم.
سكت.
كان عندي كل الحق إني ألومه.
لكن الأهم كان بنتنا.
في اليوم التالي، أخذناها للطبيب.
عملنا الفحوصات المطلوبة.
والحمد لله، اتضح إن الموضوع بسيط، وإنها محتاجة متابعة فقط، من غير أي خطر كبير.
يومها أحمد خرج من العيادة وهو شايلها بين إيديه.
فضل يبص لها فترة طويلة.
وبعدين قال
أنا آسف.
قلت
المهم إنك تتعلم.
قال
اتعلمت.
مرت سنة.
بنتنا بقت كويسة تمامًا.
وأخواتها كبروا معاها.
أما أحمد، فبقى شخص مختلف.
مش مثالي.
لسه بيتعب.
لسه بيتوتر.
ولسه أحيانًا بيحتاج وقت لوحده.
لكن الفرق إنه بقى يتكلم.
ما بقاش يهرب.
ما بقاش ياخد قرارات تخصنا من غيري.
وما بقاش يعتبر إن القوة معناها إنك تخبي خوفك.
وفي عيد ميلاد البنات الأول، وقف أحمد قدامنا وهو شايل التلاتة.
وقال
من سنة، كنت فاكر إن الأبوة معناها إني لازم أكون قوي طول الوقت.
بص لي.
لكن مريم علمتني إن الأبوة معناها إنك تفضل موجود حتى وإنت خايف.
ابتسمت.
وبصيت لبناتنا.
افتكرت اليوم اللي خرج فيه من البيت وسبني لوحدي معاهم.
وافتكرت اليوم اللي رجع فيه والشنطة وقعت من إيده.
وقتها كنت فاكرة إن اللي حصل هو نهاية جوازنا.
لكن الحقيقة إنه كان بداية اختبار حقيقي له.
والمرة دي، أحمد اختار إنه ما يهربش.
اختار بيته.
واختار بناته.
واختار إنه يصلح أخطاءه بدل ما يبررها.
وأنا كمان اخترت إني ما أنساش اللي حصل، لكن ما أخليش الماضي يحكم كل حياتنا.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
إزاي قدرتي تكملي بعد اللي عمله؟
ببتسم وأقول
مش كل بيت بينجو لأنه ما حصلش فيه مشاكل… بعض البيوت بتنجو لأن أصحابها بيتعلموا إزاي يواجهوا المشاكل بدل ما يهربوا منها.
وفي آخر الليل، بعد ما نامت البنات، أحمد وقف جنبي في الصالة.
بص للصورة المعلقة على الحائط.
وقال
فاكرة اليوم اللي رجعت فيه؟
ضحكت.
أنساه إزاي؟
قال
كنت فاكر إنك هتكرهيني للأبد.
بصيت له.
وقلت
أنا ما كنتش محتاجة منك تبقى أب مثالي.
سألني
كنتِ محتاجة إيه؟
قلت
كنت محتاجة لما الدنيا تخوفك… ما تسبنيش أواجهها لوحدي.
مسك إيدي.
وقال
مش هعملها تاني.
المرة دي صدقته.
لأن الفرق بين الكلام اللي بيتقال وقت الخوف…
والكلام اللي بيتثبت مع الأيام…
إن الثاني بتشوفيه في الأفعال.
نظرت لبناتنا الثلاثة وهم نايمين، وابتسمت.
كانت حياتنا بعيدة عن المثالية.
لكنها كانت حياتنا.
وأخيرًا…
بقينا نواجهها مع بعض.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى