
“يعني الشقة اللي باسمك؟ العقد المبدئي كان معايا منه نسخة، وبكرة الصباح محامي المحل هيسجل قضية بطلان تصرف نظراً لعدم وجود مقابل مادي وثبوت الصورية. والفرن؟ أنت مجرد مدير بموجب توكيل إدارة، والتوكيل ده أتلغى من ساعتين لما خرجت أنت تقابل البنت، وكل الحسابات البنكية الخاصة بالشغل اتقفلت. العربية اللي بتتحرك بيها؟ دي ملك الشركة ومسجلة باسمي، وممنوع تطلع بيها من كراج العمارة من الليلة.”
وقفت مذهولاً، النطق ضاع مني تماماً، شعرت كأن الأرض تميد بي وتنهار تحت قدمي! تابعت هي بنبرة حازمة لا تحتمل النقاش:
-
جوازي الأولمنذ 3 ساعات
-
حصان المليونيرمنذ 4 ساعات
-
وانا ١٤ سنةمنذ 6 ساعات
-
عادت من غير ما تبلغ حدمنذ 6 ساعات
“أنت فاكر إن الشقة والعربية والجاه كان عشان سواد عينك يا حامد؟ ده كان ثمن أمانتك ورجولتك اللي وعدتني بيها. لما بعت الأمانة، المبيع يرجع لأصاحبه. قدامك بالضبط نص ساعة.. تأخد هدومك اللي جيت بيها، الهدوم القديمة الشغالة اللي كنت لابسها يوم ما دخلت الفرن تترجاني شغلك، وتطلع بره بيتي. وأنا مش هطلقك دلوقتي.. هسيبك معلق، عشان لما تروح تتجوز حبيبة القلب، تعرف تدفع المهر والشبكة منين، وتشوف هتعيشها في أنهي شقة إيجار، وهتشتغل إيه عشان تأكلها.”
صرخت بحشرجة ونبرة رجاء:
“شادية! أنتِ بتنتقمي مني عشان عايز أتجوز؟ أنتِ !”
ردت بصلابة لم أعهدها فيها من قبل:
“أنا ما بدمركش يا حامد.. أنا برجعك لمكانك الطبيعي اللي أنت نسيته. أنت اللي نفسك لما افتكرت إن الطيبة هبل، وإن الستر اللي عشته سنتين كان بذكاءك مش بفضلي. النص ساعة بدأت.. ولو الـ 30 دقيقة خلصوا وأنت هنا، هطلب أمن العمارة بره زي ما كان صاحب القديمة بيعمل.”
خرجت من الصالون ودخلت غرفتها وأغلقت الباب بالمفتاح، ليبقى صوت غلقة الباب يرن في أذني كأنه جرس إعلان هلاكي.
وقفت في منتصف الصالة الفخمة، أنظر إلى الثريات الكريستالية، السجاد الإيراني، والأثاث المذهب الذي اعتاد جسدي عليه خلال السنتين الماضيين. كيف أعود للاشيء في لحظة؟ كيف سأواجه الشارع مرة أخرى؟ والأهم.. كيف سأواجه سلمى؟
بحثت في الخزانة عن حقيبة، لكن غروري ومنطقي منعاني من أخذ أي شيء ذي قيمة من الفاخرة التي اشترتها لي. أخذت بعض البسيطة، حزمت أمتعتي في حقيبة ظهر صغيرة، وخرجت من ، أمشي .
عندما نزلت إلى مدخل العمارة، وجد الحارس ينظر إليّ بنظرة غريبة، حاولت أخذ السيارة، لكنه وقف أمامي شديد وقال:
“آسف يا حامد بيه.. شادية هانم بلغتني إن العربية مش هتتحرك، واستلمت مني المفتاح الاحتياطي.”
كانت تلك أول صفعة من الواقع. خرجت إلى الشارع مشياً على الأقدام، الهواء البارد يلفح وجهي، والليل . لم يكن في جيبي سوى بضعة آلاف من الجنيهات، وهي كل ما أملكه في هذه الدنيا بعد سنتين من الثراء المزيف.
ت وجهت فوراً إلى المقاهي القريبة، جلست هناك أفكار في رأسي كالعاصفة. كيف تحولت شادية من الحمل الوديع الشديد الحنان إلى هذه الصخرة الصماء؟ هل كانت تنتظر هذه اللحظة؟ أم أن جرح كبريائها كان أعمق مما تخيلت؟
مع بزوغ الفجر، لم يكن أمامي سوى ملاذ واحد.. “سلمى”.
قالت بلهفة:
“خير يا حامد؟ كلمت مدام شادية؟ وافقت؟”
انتظرت أن أرى في عيني سلمى نظرة التعاطف، أو أن تمسك بيدي وتقول لي: “أنا بحبك أنت مش فلوسك، وهنبدأ من الصفر سوا”.
لكن ملامح سلمى بدأت تتغير تدريجياً مع كل كلمة أقولها. اختفت الابتسامة، وحلت محلها نظرة استغراب وجفاء.
عندما انتهيت من حديثي، سادت لحظة صمت ثقيلة، ثم قالت سلمى بصوت بارد لم أعهده فيها:
“يعني أنت دلوقتي.. حاف؟ مفيش ؟ مفيش شغل؟ مفيش عربية؟”
قلت لها بلهفة ورجاء:
“سلمى.. أنا عندي خبرة دلوقتي، أنا أقدر أشتغل في أي مكان وأقف على رجلي تاني! المهم إننا مع بعض، أنتِ مش كنتِ بتحبيني؟”
ضحت سلمى ضحكة قصيرة فيها الكثير من ، وقامت من مجلسها وهي تعدل وقالت:
“أحبك؟ طبعاً كنت بحبك لما كنت حامد بيه، صاحب الفرن واللي راكب عربية أحدث موديل وعايش في فخمة! لكن أرجع أتجوز واحد مش حيلته لقمة يومه وعايش في الشارع؟ أنت عندك 29 سنة دلوقتي، هتبدأ من الصفر إزاي؟ وعلى ما تعمل نفسك هكون أنا كبرت!”
سقطت الكلمات عليّ كالصاعقة، قلت بصدمة:
“سلمى! أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ كنتِ بتقوليلي إنك معجبة بيا لشخصي!”
“شخصك؟ هو أنت شخصك إيه من غير الفلوس والجاه اللي الست دي عملتهولك؟ أنت حتى عندك الجرأة تصون النعمة اللي كانت في إيدك! ست كتبتك كل حاجة وشالتك من الفقر، بعتها عشان واحدة شافت حركة عينها في الفرن؟ إذا كنت أنت أكلت العيش الترابيزة مع اللي خلتك بني آدم.. هتحافظ عليا أنا إزاي لما الدنيا تضيق بيك؟”
تركتني سلمى وسارت بخطوات سريعة دون أن تتلفت وراءها، تتوارى بين المارة، بينما بقيت أنا في مكاني، أتحسس النصف الآخر من الحقيقة التي رفضت أن أراها.








