
وفعلاً، اتجوزنا، وحياتي اتقلبت 180 درجة! أخدتني عشت معاها في واسعة زي القصر، ومن غير ما أطلب لقيتها بتكتب الشقة باسمي وقالتلي علشان تبقى عارف اننا عايشين في بيتك مش بيتي، وجابتلي عربية جديدة تحت البيت، وسلمتني إدارة الفرن الكبير بفلوسها وناسها. عشت سنتين “آخر دلع”، شبعت فلوس ووجاهة وراحة بال، وكانت جاهزة تديني حياتها لو طلبتها وكل الناس كانت بتحسدني.
بس النفس أمارة بالسوء.. وبعد سنتين الاستقرار والنعمة، شوفت سلمى .
-
جوازي الأولمنذ ساعتين
-
حصان المليونيرمنذ 3 ساعات
-
وانا ١٤ سنةمنذ 5 ساعات
-
عادت من غير ما تبلغ حدمنذ 5 ساعات
سلمى بنت في العشرينيات، كانت بتيجي كل كام يوم تشتري عيش من الفرن. كانت رقيقة جداً، عينها ، وضحكتها فيها شباب وحيوية لفتت نظري من أول لحظة. لقيت نفسي براجع سنين عمري، وبقول لنفسي: “أنا لسه صغير، ومن حقي أعيش سني مع واحدة من جيلي!”. بدأت أفتح معاها كلام، وقربت منها لحد ما اعترفتلها بإعجابي، وقالتلي إنها معجبة بيا كمان بس مترددة عشان متجوز. فضلت وراها وأقنع فيها إن الموضوع في إيدي وأني أقدر أوفق بين الاتنين.
المشكلة الكبيرة كانت في “شادية”. الشرط القديم كان يطاردني زي الخيال. بس حبي لسلمى والغرور اللي ملاني لان شاديه بتعشقني خلاني أتشّجع. قلت: “هي بتحبني وشايلة جميل ، وأكيد مش هتهد بيتها بسهولة!”.
دخلت البيت يومها ورجليا بالعافية شايلاني، قلبي كان بيدق زي الطبلة، وعرقي نازل من التوتر والخوف. لقيتها قاعدة بتقرأ كتاب في الصالون بالهدوء بتاعها المعتاد. قعدت ، وحاولت أجمع وأنا بفرك إيديا ببعض.
قلتلها بصوت متقطع: “شادية.. أنا عايز أكلمك في موضوع مهم.. أنا.. أنا معجب ببنت وعايز اتجوزها، وأنتي عارفة إن دا حقي الشرعي، وأنا عمري ما هقصر معاكي ولا في حقك…”.
كنت مستعد لمليون سيناريو؛ تتجنن، تصرخ، تذكرني بالشرط وتعيط، أو حتى توافق باستسلام وتقولي “حقك يا. حامد
بس ردها.. ردها كان حاجة تانية خالص، رد عجيب وغريب جداً، خرج منها بنبرة هادية لدرجة ، خلت لساني يتسمر جوه بقي، ومش قادر أنطق ولا حرف!!!!
وقف الزمن في الصالون لثوانٍ معدودة. انقطعت الأنفاس، ولم يُسمع في المكان سوى صوت طقطقة أوراق الكتاب الذي كانت تقلبه شادية بين يديها بمنتهى الهدوء. لم تتبدل ملامحها، لم تترقرق الدموع في عينيها، ولم ترتفع نبرة صوتها كما تخيلت.
وضعت العلامة المرجعية داخل الكتاب، وأغلقته ببطء شديد، ثم رفعته ووضعته على الطاولة المجاورة. التفتت إليّ بثبات عجيب، ونظرت في عينيّ مباشرة بنظرة لم أرَ فيها غضباً ولا ، بل كان فيها شيء أشد قسوة من الاثنين: كان فيها “شفقة”.
“حقك الشرعي يا حامد؟ فعلاً.. الشرع أتاح لك أربع. بس برضه يا ابن الناس قال: ‘فلما أسلما وتله للجبين’. الشرع قال إن العهد بين الرجال كلمة، وإن العقد اللي بيننا كان فيه شرط واضح أنت تباهيت زمان إنك راجل وقادر تصونه.. طالع دلوقتي تقول لي حقك الشرعي بعد ما شبعت من خيري؟”
ابتلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أرتجل أي كلمة تدافع عن ، أشرت بيدي بتوتر وقلت:
“يا شادية افهميني.. أنا ما نكرتش خيرك، أنتِ على راسي من فوق، بس أنا شاب ومن حقي أعيش سني، …”
قطعت كلامي بإشارة سريعة من يدها، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة تماماً وقالت:
“أنا مش هصرخ، ولا هعيط، ولا هفكرك بالشرط اللي بصمت عليه بدمك يوم ما جيتني حافي مش لاقي اللقمة. أنت فاكر إنك كبرت وركبت عربية وبقى تحت إيدك شغل وعمارات، فتقدر دلوقتي تقف قصادي وتكلمني عن حقك؟ ماشي يا حامد.. أنا موافقة. روح اتجوز سلمى.”
اتسعت عيناي بذهول، لم أصدق ما أسمعه! تسللت إلى قلبي فرحة مفاجئة وممزوجة بريبة شديدة:
“بجد يا شادية؟ أنتِ موافقة؟ أنا أوعدك مش هغير أي حاجة في حياتنا، وهفضل…”
قاطعتني مرة أخرى، وقامت من مجلسها بهدوء، مشت خطوات نحو النافذة المطلة على الشارع، وقالت وهي تولي ظهرها لي:
“موافقاك طبعاً.. هو أنا أقدر أقف في وش الشرع؟ بس زي ما أنت اخترت تأخد آخد حقي الإنساني. روح اتجوزها يا حامد، وريني هتدخل عليها بإيه، وهتصرف عليها منين، وهتعيشها في أنهي مستوى.”
سرت برودة مفاجئة في أطرافي، وسألتها بصوت مرتجف:
“يعني إيه الكلام ده يا شادية؟”
التفتت إليّ ببطء، وكانت ملامحها قد تحولت إلى قطعة من الصخر الصم:








