
السبب! أنتوا بترشوا فوق، واللي بيغذي القرف ده كله بيطبخ تحت!
أنا وبنص عين وبذهول قلتلها تحت فين يا خالة؟! الشقة على أحدث طراز، والسباكة ممتازة، والبيت نضيف زي الفلة!
ابتسمت ابتسامة دافية وقالت لجوزي قوم يا ابني هاتلي الفأس الكبيرة اللي في عربيتك، وجيبلي كشاف قوي، وتعالوا ورايا على البدروم أو المنور الخلفي بتاع العمارة.
نزلنا وراها، وكان البدروم ده مهجور ومقفول بقفل مصدي من سنين، ومحدش من سكان العمارة بيفكر يدخله. جوزي كسر القفل بالعتلة، وفتحنا الباب.. الريحة هناك كانت تخنق، بس الغريب إن أول ما فتحنا الكشاف، شفنا العجب!
الخالة تمشت بكل شجاعة لحد ما وصلت لزاوية معينة في البدروم، وقالت لجوزي اضرب هنا!
جوزي بدأ يكسر في البلاط والخرسانة، ومفيش نص ساعة تكسير، لحد ما الفأس خبطت في حاجة مجوفة.. فتحة بيارة سباكة قديمة جداً ومستخبية تحت الخرسانة من أيام بناء العمارة من أربعين سنة! البيارة دي كانت مقفولة بلوح خشب قديم ومكسور، ومردومة بزبالة وردم مباني قديم.
الخالة مسكت الكشاف وبصت جوة البيارة، ووجهت النور.. المنظر كان يرعب أعتى القلوب!
البيارة دي كانت مسدودة ومتحولة ل مستعمرة ضخمة!
الخالة شرحتلنا المشهد وبساطته اللي كانت غايبة عننا
البيارة القديمة دي كانت خط صرف قديم ملغي ومفتوح على مصرف قديم وراء العمارة، ومع السنين والردم، الحشرات والنمل والفيران لقوا فيها بيئة دافية، ومصدر مية، وأمان تام بعيد عن الشمس ورش المبيدات! النمل عمل فيها أعشاش مليارات، والفيران اتكاثرت فيها بأعداد مرعبة!
طب والعقارب والأفاعي إيجي منين؟!
هنا كانت المفاجأة! الأفاعي والعقارب ما جتش عشان تسحرنا.. الأفاعي والعقارب بتدخل المكان اللي فيه أكلها! البيارة لما اتملت فيران وصراصير بنسبة خرافية، بدأت تطلع ريحة وتجذب زواحف الحقول والمصارف القريبة! العقارب والأفاعي دخلت العمارة مش عشان تهاجمنا، دي دخلت تتغذى على الفيران والصراصير اللي مالية البيارة!
وكانت الحشرات والفيران دي بتطلع لشقتي أنا بالذات لسبب بسيط أوي كشفته الخالة لما طلعت
معاينة المطبخ.. كان فيه ماسورة صرف قديمة ورا المطبخ الألوميتال، العمال لما جوم يشطبوا الشقة لوكس، بدل ما يقفلوها بأسمنت سدوا الفتحة ب فل وأكياس بلاستيك وغطوا عليها بالدولاب! الحشرات والفيران قوضت البلاستيك ده، وبقت الماسورة دي عبارة عن أوتوستراد مباشر من قلب البيارة المهجورة لقلب مطبخي وشقتي!
مهما رشينا مبيدات في الشقة، كانت المبيدات بتقتل اللي فوق بس، وتاني يوم تطلع دفعة جديدة من خزان البشرية اللي تحت البدروم!
خطة الخالة للحل في يومين
الخالة ما ضيعتش وقت، وقالت الموضوع مش عايز شيوخ ولا شركات بملايين.. الموضوع عايز عقل وشوية همة.
اليوم الأول القضاء على البؤرة
جابت الخالة جير حظائر أبيض جير مطفي مع كميات ضخمة من الفنيك الخام والقطران.
جوزي وبعض الجيران اللي استوعبوا الكارثة صبوا الجير والفنيك والقطران جوة البيارة القديمة بالكامل.. الجير والقطران دمروا الأكسجين وقضوا على الأعشاش بالكامل جوة الجحر، وطفشوا أي زواحف كانت مستخبية.
بعدها جابوا صبة خرسانية
مسلحة بتقيلة، وردموا البيارة دي وقفلوا عليها لليوم والأبد!
اليوم الثاني سد المنافذ والتطهير
شيلنا جزء من المطبخ الألوميتال، ووصلنا للماسورة القديمة اللي ورا الدولاب.
الخالة خلت جوزي يعجن أسمنت أبيض وزجاج مكسور عشان الفيران تقدرش تقرمضه، وسدوا الفتحة دي تماماً، ودقوا عليها بلاط ورخام.
عملنا حملة تنظيف بالشقة بكربونات الصوديوم والخل والمية السخنة لإزالة أي روائح جذابة للحيوانات.
مر اليومين، ورجعت أنا وعيالي الشقة وأنا خايفة وبترعش.. مرت أول ليلة.. مفيش صرصار.. مفيش نملة.. مرت تاني ليلة.. الهدوء التام يسود المكان!
مر أسبوع وشهر وسنة.. بيتي رجع جنة زي ما كان، ونضيف وزي الفل، واكتشفت إن الجهل بالسبب هو اللي كان هيخرب بيتي ويطلقني من جوزي، وإن العلم والأخذ بالأسباب مع التوكل على الله هو الأمان الحقيقي.
بست إيد خالة جوزي وقبلت رأسها، ومن يومها وأنا بتعلم إن مش كل مشكلة حلها عند المشايخ أو المبيدات الغالية.. ساعات الحل بيبقى محتاج بس عين بتفهم وعقل بيربط
الأسباب ببعضها!








