
ها هي ذي الحقيقة العارية، الصارخة، والمقززة.
الوصية الأصلية. الحسابات المصرفية. الأرض التي اشتراها والداها بعرق جبينهما.
كل شيء، حرفيًا كل شيء، كان باسمها.
لم يكن التخلي عنها نابعًا من اليأس أو قلة المال.
لقد رموها في الصحراء، على أمل أن يقتلها البرد القارس أو الضياع ليتمكنوا من تزوير التوقيعات.
لقد سرقوا طفولتها،
وميراثها الذي يُقدر بملايين، وحقها في منزل.
ولمدة خمسة عشر عامًا، عاش هؤلاء الأوغاد كالملوك، يمولون حياتهم بما سُلب منها.
في ذلك اليوم، لم تذرف حوراء دمعة حزن واحدة.
في ذلك اليوم، تحوّل الحزن إلى نار لا تنطفئ.
جمعت الأوراق، ووثّقت كل وثيقة، وأعدّت قضية قانونية محكمة، لا تشوبها شائبة.
عندما عادت إلى مسقط رأسها في الأنبار، نزلت من سيارتها مرتديةً بدلة أنيقة وحذاءً بكعب عالٍ يُصدر صوتًا حادًا على الأرض.
كانت تعرف تمامًا أين يسكنون، أو بالأحرى، أين انتهى بهم الحال.
خسر جاسم معظم أمواله في القمار، وكان منزل العائلة يكاد ينهار.
وقفت أمام الباب المتقشر وطرقته بثقة من يأتي لتحصيل حقٍ قديم.
عندما فُتح الباب، ظهرت امرأة شاحبة الوجه، ترتدي ملابس منزلية، وعيناها خاليتان من أي تعبير.
سألت بصوتٍ أجش ماذا تريدين؟
خلعت حوراء نظارتها الشمسية وحدّقت بها.
أنا الطفلة التي تُركت على طريقٍ ترابي قبل خمسة عشر عامًا.
شحب وجه المرأة، وسقطت على الأرض، وأطلقت صرخةً حادة.
جاسم! جاسم،
-
وعد الصعيدمنذ ساعة واحدة
-
زوجة ابويامنذ ساعتين
-
امي ومراتي الحاملمنذ 23 ساعة
-
اتصلت بزوجي 30 مرةمنذ 23 ساعة
تعال إلى هنا!
خرج العم متثاقلًا، لكن عندما رأى حوراء واقفة عند المدخل، اختفى كل ما فيه.
حاول أن يتماسك، رغم أن يديه كانتا ترتجفان وعرقه يتصبب.
قال بصوتٍ متلعثم وهو يتراجع
أنتِ من المفترض أنكِ ميتة!
ابتسمت حوراء بهدوءٍ كان أشدّ رهبةً من أي صرخة.
كِدتُ أموت كنتُ على بُعد خطوةٍ واحدة من الموت.
لم تكن هناك إهانات ولا اندفاعات غاضبة.
بهدوءٍ تام، أخرجت حوراء من حقيبتها ملفًا قانونيًا، وقدّمت دعوى تتضمّن الاحتيال، والاستيلاء على الممتلكات، والتزوير، والتخلّي عن طفل.
قالت بصوتٍ ثابت
أمامكم ثمانٍ وأربعون ساعة لمغادرة هذا المنزل فهو ملكي قانونًا.
كانت الأدلة واضحةً إلى حدٍ لا يترك مجالًا للنجاة، حتى إن أي محامٍ لم يكن ليجد مخرجًا لهما.
انهارت زوجة جاسم، تزحف على الأرض باكية، تتوسّل المغفرة، وتُلقي باللوم عليه، محاولةً التبرؤ من كل شيء.
لكن الدموع لا تمحو الجرائم، وكانت الشرطة في طريقها، تحمل أمر القبض.
لم تكن النهاية صاخبة ولم تكن سعيدة.
انتهى جاسم في السجن، رجلًا
مُنهكًا، يحيط به العنف ذاته الذي صنعه بيديه.
أما سعد، فقد أفلت من السجن بسبب حالته النفسية، لكنه لم يفلت من عذابه؛ انتهى به الأمر في دار رعاية، غارقًا في شعورٍ لا يفارقه.
أما حوراء فلم تبقَ في ذلك المنزل.
باعت كل ما تملكه، حتى آخر حجر، وعادت إلى المكان الذي بدأت فيه حياتها من جديد.
اشترت أرضًا قريبة من مزرعة أم سالم، وبنت لها منزلًا جميلًا، وأقامت مشروعًا صغيرًا لتلك المرأة التي أنقذتها يومًا.
وفي إحدى الظهيرات، جلستا معًا تحت ضوء الشمس الهادئ، تتأملان الغروب فوق أرض الأنبار.
سألتها أم سالم بصوتٍ هادئ
هل كان كل هذا العناء يستحق يا ابنتي؟ هل وجدتِ راحتكِ أخيرًا؟
نظرت حوراء إلى الأفق طويلًا، وفي عينيها مزيجٌ من السلام وآثار جراحٍ قديمة.
قالت بهدوء
نعم لأنني فهمت أخيرًا كيف يسير هذا العالم.
سألتها وكيف يسير؟
أجابت حوراء
الدم لا يصنع عائلة العائلة هي من تبقى معك حين يتخلى عنك الجميع.
بعض الجروح لا تُمحى، وبعض الخيانات تأتي ممن كان يُفترض بهم الحماية.
لكن الحياة،
بطريقتها الخاصة، تُبعد عنك من يؤذيك لتمنحك من ينقذك، حتى لو جاءك غريبًا.
والآن
لو كنت مكان حوراء، هل كنت ستسعى للعدالة كما فعلت أم كنت ستغفر لتتجنب ألم المواجهة؟
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








