منوعات

بعد بعدهم

الراجل وقف جنب الدكتورة كريمة، بص للطفل اللي في العربية، وقال
يا دكتورة كريمة… نتيجة تحليل ال اتأكدت.
ابتسامة كريم… اختفت تمامًا.
كان صوت عجلات عربية الأطفال الطبية يصدر صريراً خفيفاً ومزعجاً على أرضية السيراميك اللامعة في قسم الأطفال بمستشفى الحياة التخصصي. كريم كان واقفاً هناك وكأنه يملك المبنى بأسره، يرتدي قميصاً أزرق داكناً
تنهيدة حزن واحدة.
تابع كريم بسخرية لا تهتز
لسه زي ما إنتي… البالطو الأبيض والمثالية الكذابة. بس تصدقي؟ أحسن قرار أخدته في حياتي… إني طلقتك وسيبتك.
همست سمر بصوت خاڤت يكاد لا يسمع، وهي تشد على كم معطفها
كريم… بلاش والنبي، خلينا نمشي، عندنا مشوار.

لكنه تجاهلها تماماً، وكأنه يريد أن ېصرخ بالكلمات التي حفظها عن ظهر قلب ليلتقط بها انتصاراً وهمياً أمام المارة
واحدة ست مش بتخلف… عقمها كان ماكل بيتنا! متستغربش لما الراجل يزهق ويروح يدور على واحدة تانية تعمله عيلة بجد، وتملى عليه البيت عيال.
الممر كله صمت بطريقة مرعبة.
سبع سنوات كاملة مرت أمام عين كريمة في جزء من الثانية. سبع سنوات من الفحوصات الطبية، من حقن الهرمونات المؤلمة التي كانت تفسد جسدها، من كشوفات أطباء العقم، من السفر بين المدن للبحث عن علاج معجزة، من اللحظات التي كانت تقف فيها أمام مرآة الحمام تبكي في صمت وهي تلوم نفسها وحدها على نقصها المزعوم، ومقتنعة تماماً بأن عجزها هو السبب الوحيد في برود الزوجية.

مقالات ذات صلة

الآن فقط، وفي هذه اللحظة بالذات، أشرق في وعيها إدراك قاسٍ وواضح كالشمس
الخلل لم يكن فيها أبداً. القسۏة، والسم، والبرود الحقيقي، كان يسكن معها في نفس البيت، على نفس ، ويأكل من نفس اللقمة.
اقترب كريم أكثر من عربة الأطفال، ووضع يده على كتف سمر التي كانت ترتجف كالورقة في الريح، وقال بنبرة مفعمة بالزهو والغرور الأجوف
أنا محظوظ جداً يا كريمة… عندي ابن زي الفل، عمره سنة، من أقرب صاحبة لكي، اللي عرفت تقيمني صح وتديني اللي كنت محتاجه طول سنين عمري الضائعة معاكي.

كريمة لم تنظر إلى كريم في تلك اللحظة. وجهت نظرها أولاً إلى الطفل البريء النائم في العربة؛ لأنه لا ذنب له في خطايا أبويه وطمعهم. ثم نقلت عينيها إلى سمر، وكانت تنتظر أن ترى في عينيها نظرة انتصار أو شماتة صديقة خائڼة كسبت الغنيمة، لكنها لم تجد سوى الړعب المحض؛ ړعب امرأة أدركت متأتياً أنها جلست على عرش بنته رمال متحركة.
وأخيراً، عادت كريمة ببصرها لتستقر في عيني كريم، الذي كان يقف بانتظار اڼهيارها الأخير.
لكن كريمة… ابتسمت.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى