قصص و روايات

حكايه حسن وفدوى للكاتبه سهر محمد

فدوى هزت راسها بنفي وهي بتبكي بحرقة: “والله العظيم ما أعرف! والله العظيم أنا كنت فاكرة أبويا راجل غلبان وعمي ده قاطعنا من زمان عشان اتجوز أمي غصب عن أهلها.. أنا ماعرفش حاجة عن الأراضي ولا الملايين يا حسن.. أنا وافقت عليك عشان بحبك.. بحبك من زمان والله!”
​راغب قام وقف، وعدل جاكت بدلته، وبص في ساعته وقال لحسن بنبرة تهديد صريحة: “معاك لحد بكرة بعد صلاة العشا.. رزمة الفلوس دي فيها تمن ديون أبوك كلها وزيادة، وهتاخد حق أبوك من اللي قتلوه (أبو نورهان) لأن الورق اللي يوديه المشنقة معايا وجاهز أسلمه للنيابة.. يعني هترجع غني، وتاخد ثأر أبوك.. المقابل إيه؟ ورقة طلاق فدوى، وتسلمهالي بالذوق.. لو العشا أذنت وبكرة مكنتش في الشونة ومعاك المأذون والبت.. قسماً بالله العظيم لهد السطوح ده عليك وعلى أمك المشلولة.. وهدفنكم صاحيين!”
​راغب خد نورهان اللي كانت بتبص لحسن بنظرات رجاء وكسرة، ونزلوا، والحراس وراهم، وقفلوا الباب وراهم بعنف.
​الأوضة بقت هس هس.. مفيش غير صوت شهقات فدوى المكتومة، وصوت أنفاس حسن العالية والدموع نازلة من عينيه بتبلع قهر الدنيا كله. حق أبوه وفلوسه كفتة قدامه.. وشرفه ومراته كفتة تانية.
​حسن قام وقف على رجليه وهو دايخ، فدوى جرت عليه تمسكه: “أمسكك يا حسن.. أنت تعبان.”
حسن زق إيدها بشويش، بس بقسوة وجع: “ماتلمسينيش يا بنت سالم.. أبوكي لعب بيا ولعّب البلد كلها عليا.. شغلني شغال في شونتي، وجوزني بنته النحس عشان يحمي ملايينها ويداري على سرقته من أخوه!”
​فدوى وقعت على ركبها في الأرض، ودموعها نازلة زي المطر: “والله مظلومة.. والله مالي ذنب.. يا حسن أنا لو عايزة ملايين كنت روحت لعمي من زمان وعشت في قصور.. أنا عايزة الستر، وعايزاك أنت.. ماتظلمنيش مع الناس!”
​حسن مسح الدم من على وشه، وقال وعينيه فيها نظرة مرعبة: “أنا رايح لعم سالم الغفير في بيته.. لو طلع عارف إن أبويا مقتول وساكت عشان يحميكي.. هقتله بإيدي دي!”
​حسن ساب الأوضة ونزل يجري في ضلمة الليل، وفدوى صرخت وراه بس مقدرتش تسيب أمه المشلولة لوحدها.
​حسن وصل لبيت عم سالم.. البيت كان ضلمة ومفتوح على بحري! دخل وهو بيزعق: “يا عم سالم! يا سالم!”
لكن مفيش رد.. البيت كان مقلوب، الهدوم في الأرض، والدرج مكسور.. عم سالم فص ملح وداب.. هرب وساب بنته تواجه مصيرها!
​حسن رجع السطوح مكسور ومش شايف قدامه.. الدنيا اسودت في عينه. دخل الأوضة، لقى فدوى قاعدة في الركن، ضامة رجليها لصدرها وبتعيط في صمت كأنها طفل يتيم.
حسن بصلها، وقبل ما ينطق بكلمة.. حصلت الحاجة اللي هزت الأوضة أكتر من دخلة راغب السيرافي!
​أم حسن.. الحاجة اللي بقالها تلات شهور جث..ة هامدة، مابتتحركش ولا بتنطق، ولا بترمش حتى.. فجأة، صوابع إيدها المرعشة اتمتعت، واتحركت بشويش لحد ما مسكت طرف جلابية حسن بـقوة!
​حسن اتصمر مكانه، ونزل على ركبه قدام السرير وهو مش مصدق: “أمي؟! أمي انتي اتحركتي؟!”
أمه كانت عينيها حمرا زي الدم، وبتبص لفدوى بنظرة رعب وكره مرعب.. شفايفها بدأت تترعش، وحاولت تطلع صوت مخنوق من زورها.. حسن وطي ودنه ل بؤها وهو بيبكي: “انطقي يا أمي.. قولي يا حبيبتي.”
​الأم ضغطت على إيد حسن، وشاورت بصابعها التاني المرعش على فدوى اللي كانت قاعدة مرعوبة، وقالت بصوت متقطع، طالع من وسط الموت:
“بنت… السيرافي… أبوها… هو… هو اللي… حط… السم… لأبوك!”
​حسن وقف مرة واحدة كأنه ممسوس بالكهرباء.. وبص لفدوى.. وفدوى حطت إيدها على بؤها وعينيها برقت من الصدمة والرعب..
أبو نورهان محطش السم.. عم سالم الغفير هو اللي قتله!
​وساعتها.. أذان الفجر بدأ يتردد في جامع العزايزة.. وبدأ العد التنازلي للـ 24 ساعة!

الكلمة خرجت من شفايف أم حسن المرتعشة، بس كان صداها في الأوضة زي دبة زلزال هدت الباقي من حيلهم.
​فدوى رجعت لورا لحد ما خبطت في الحيطة، حطت إيديها الاتنين على ودنها وهي بتهز راسها بهستيريا وكأنها بترفض تسمع: “لأ.. لأ.. أبويا أنا؟ عم سالم الغلبان اللي بيمشي يبص في الأرض يحط سم للراجل اللي كاسيه ومأكله؟ لأ يا طنط أبوس إيدك قولي إنك متلخبطة.. قولي إن عمي راغب هو اللي عملها!”
​حسن كان راكع على الأرض قدام سرير أمه، دموعه بتنزل على خدوده بصمت يخوف. قام ببطء، وبص لفدوى. عينيه كانت فاضية، مفيهاش غضب، مفيهاش قهر، كان فيها انكسار راجل الدنيا كلها اتفقت عليه.
فدوى نزلت على ركبها قدامه، مسكت طرف جلابيته وهي بتشهق من العياط: “يا حسن والله ما أعرف.. والله العظيم ما أعرف.. اضربني، اقتلني وخد تار أبوك مني، بس ماتبصليش البصة دي.. أنا مليش ذنب في اللي عمله، أنا حبيتك انت!”
​حسن سحب جلابيته من إيدها بشويش، وراح قعد على الكرسي المكسور، حط راسه بين إيديه وقال بصوت مخنوق: “ذنبي إيه أنا وأبويا يا فدوى؟ راجل فتح بابه للغريب، يتقتل بخيانة؟ وأنا.. أنا اللي بعت لحمي ودمي عشان أسد ديون أبويا اللي طلع مقتول، أكتشف إن مراتي تبقى بنت قاتله؟”

مقالات ذات صلة
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى