قصص و روايات

حكايه حسن وفدوى للكاتبه سهر محمد

​واقف قدامه راجل لابس بدلة غالية، ومعاه اتنين حرس، ووراه.. خطيبته القديمة “نورهان”، بس وشها كان أصفر زي الموتى، وبتبكي بهستيريا.
​الراجل اللي ببدلة بص لحسن، وطلع من جيبه رزمة ورق، رماها على الترابيزة الخشب المكسورة، وقال بصوت هز السطوح كله:
“أبوك مات مقتول يا حسن.. والفلوس اللي سددتها دي كلها كانت لعبة مني ومن البيه أبو خطيبتك عشان نكسره.. بس اللعبة وسعت، وأبو نورهان باعني أنا كمان.. أنا جاي أرجعلك فلوسك كلها وعليها الضعف، بس بشرط واحد…”
​الراجل سكت، وبص لفدوى اللي واقفة ورا حسن، وابتسم ابتسامة شيطانية وقال:
“تطلق العروسة دي فوراً.. وتسلمهالي!”
​حسن بص لفدوى.. وفدوى رجعت خطوتين لورا والدم هرب من وشها، وهي بتهمس بصوت مرعوب: “عمي؟!”

​الكلمة نزلت في الأوضة الضيقة زي القنبلة. حسن حس إن الأرض بتلف بيه، الدم نشف في عروقه وهو بيبص للورق المرمي على الترابيزة المكسورة، وبعدين بص للراجل اللي واقف قدامه ببدلته الغالية ووشه اللي كله جبروت، ورجع بص لفدوى.. فدوى اللي كانت واقفه ورا ضهره، كشّت في مكانها وجسمها كله بيترعش، وعينيها واسعة من الرعب وهي بتبص للراجل وبتقول بنبرة عاجزة: “عمي راغب؟!”
​حسن خطى خطوة لقدام، وعروق رقبة ظهرت وناشفة من الغضب، وقال بصوت فحيح زي الأفعى: “انت مين؟ وعمها كيف؟ وعايز إيه من مراتي في ليلة دخلتها؟”
​راغب ضحك ضحكة باردة، هزت أركان السطوح، وبص لحسن من فوق لتحت بقرف وقال: “أنا راغب السيرافي.. كبير سوق الغلال في بحري يا حسن بيه.. قصدي يا حسن الشيال! أما البت دي، فتبقى بنت أخويا سالم، الراجل الشحات اللي مشغلينه عندكوا غفير في الشونة بلقمته. وأهو سبحان الله، الفقر لمه على الفقر، والغلابة ناسبوا بعض!”
​نورهان، خطيبة حسن القديمة، انفجرت في العياط وهجمت على حسن، مسكت في جلابيته وهي بتبكي بهستيريا وتترجاه: “بوس إيدك يا حسن وافق.. طلقها وخد الفلوس.. أبويا هيموت في السجن! راغب بيه هيدمرنا كلنا، أبويا اتمسك في قض…ية رشوة وتجارة سلا..ح وراغب اللي لبسهاله.. وافق يا حسن عشان خاطري، الفلوس دي هترجعك سيد البلد تاني، هتبني اسم أبوك من جديد!”
​حسن نفض إيد نورهان عنه بقرف، وبص لراغب وعينيه بتقدح شرار: “سيبك من نورهان وأبوها.. انت قلت كلمة دلوقتي توزن بلد.. قلت أبويا مات مقتول! أبويا مات بسكتة قلبية والدكاترة كلهم قالوا كديه.. اتكلم انطق بدل ما أدفنك مكانك هنا!”
​راغب شاور للحرس بتوعه يهدوا، وخد خطوتين جوه الأوضة، عينه جت على أم حسن المشلولة اللي نايمة على السرير وبتترعش وعينيها مبرقة في سقف الأوضة. راغب وطي على حسن وقال بخبث: “الحاج متولي أبوك، الله يرحمه، كان راجل دغري وزياده عن اللزوم. لما دخل معايا أنا وأبو نورهان في صفقة الغلال الكبيرة، لقى ورق وسط الشحنة يودينا حبل المشنقة.. ورق يثبت إن الشحنة دي كانت غطاء لغسيل أموال وتهريب آثار.. أبوك صمم يبلغ، وقال شرفي واسمي أهم من ملايينكم.. تفتكر كنا هنسيبه؟ أبو نورهان حطله السم في قهوته، سم مابيظهرش في تشريح ولا بيبان في كشف.. ومات الحاج متولي، والبلد كلها قالت سكتة قلبية من خسارة الفلوس اللي احنا أصلاً سرقناها منه وعجزناه بيها!”
​حسن صرخ صرخة مكتومة، وهجم على راغب خنقه من رقبته: “يا كلاب! قتلتوا أبويا وكسرتوا ضهري؟!”
الحراس هجموا على حسن، وضربوه بظهر الطبنجات على رأسه لحد ما وقع على الأرض ونزف، وفدوى صرخت ورمت نفسها عليه وهي بتبكي وتداري بوشها ضربات الحراس: “سيبوه! سيبوه حرام عليكم! خدو الفلوس وامشوا!”
​راغب زعق للحراس: “بس يا غبي منك ليه.. مش عايز واد متولي يموت قبل ما يوقع على ورقة الطلاق ويمضي على استلام الفلوس.”
راغب قعد على كرسي خشب، وبص لفدوى اللي حاضنة حسن وبتمسح الدم من على قورته بطرحتها، وقالها: “شايفة يا فدوى؟ النحس بتاعك صاب الواد غصب عنه.. من يوم ما اتولدتي وأمك ماتت في نفاسك، وبعدها خطيبك الأول مات والتاني مات.. ودلوقتي هتموتي جوزك التالت لو مسمعتيش الكلام!”
​حسن رفع راسه بصعوبة، ونفخ دم من بقه، وقال لراغب: “ليه؟ البت غلبانة وأبوها غفير.. هتموت وتمشيها معاك ليه؟ إيه اللي معاها يخلي حوت زيك يجي لحد السطوح يطلبها؟”
​راغب عينيه لمعت بطمع أسود وقال: “عشان البت الغلبانة دي، أمها الله يرحمها كانت بنت قاضي كبير في الإسكندرية، وكاتبة لها فدادين وأراضي على البحر في العجمي تساوي ملايين، باسم فدوى.. والورق ده والوصية، سالم أخويا سرقهم من خزنعي وهرب بيهم من سنين وجيه استخبى هنا واشتغل عندكوا غفير عشان يداري بنته.. والمحكمة حكمت من أسبوع إن الأراضي دي مابتتباعش ولا تتوثق غير بإمضاء فدوى بنفسها أو بجوازها من ابني أنا عشان الورث يرجع لأصحابه! سالم عرف الخبر، وقبل ما نوصل له، جرى وجوزها لك عشان تسترها وتحميها بفلوسك وجاهك.. ميعرفش إنك بقيت على البلاطة!”
​حسن لف وشه وبص لفدوى.. عينيه كانت مليانة عتاب وصدمة: “انتي كنتي عارفة يا فدوى؟ كنتي عارفة إن أبويا اتقتل وإن أبوكي مشغلكم اللعبة دي عليا؟”

تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى