
تنويه: هذه القصة هي عمل أدبي من وحي خيال الكاتب، وجميع الشخصيات، الأماكن، والأحداث الواردة فيها هي محض خيال ولا تمت للواقع بصلة. أي تشابه مع أشخاص حقيقيين أو وقائع حقيقية هو مجرد صدفة غير مقصودة.
رنّ الجرس الذهبي الصغير في القاعة الفاخرة، معلناً بدء الاحتفال. لكن ما كانت فوزية تخفيه بين أصابعها لم يكن هديةً للمولودة، . رفعت الطوق أمام الحضور، ثم التفتت إلى رانية بابتسامة باردة وقالت: — “لتتعلم منذ صغرها مكانتها الحقيقية.” ساد الصمت للحظة… ثم أكثر من ستين ضيفاً بالضحك تحت الثريا الكريستالية التي تتوسط قصر العائلة في أرقى أحياء العاصمة.
-
أجمل بنت في الدفعةمنذ 6 دقائق
-
رجعت من المستشفيمنذ ساعة واحدة
-
كارنية النقابةمنذ ساعة واحدة
-
جارتي ام يوسفمنذ ساعتين
احتضنت رانية ابنتها نور، ذات الأسابيع الخمسة، بقوة أكبر. كانت الصغيرة تغط في نوم هادئ داخل بطانيتها الوردية، غير مدركة أن والدتها تُهان أمام هذا الجمع فقط لأنها جاءت من عائلة متواضعة.
هكذا كانت عائلة زوجها تراها.
امرأة بسيطة من حي شعبي، تعمل موظفةً إدارية عادية، وقد “أنقذها” ابنهم طارق من حياة الفقر.
لكن الحقيقة التي لم يكن أحد منهم يعرفها كانت مختلفة تماماً.
فرانية لم تكن موظفة عادية…
كانت عقيداً في أركان حرب القوات المسلحة.
امرأة قادت عمليات بالغة الحساسية، وأدارت أزمات معقدة، وتعلمت أن تحافظ على رباطة جأشها في أكثر اللحظات خطورة.
وكان والدها، اللواء المتقاعد طاهر، يردد عليها منذ طفولتها:
“لا تستهلكي كرامتك في محاولة إقناع من اختار أن يحتقرك. لكن إذا مسّ أحدٌ من هم تحت حمايتك… فلا تترددي في الرد بكل قوة.”
تقدمت فوزية خطوة أخرى وهي تلوح بالطوق قائلة بسخرية:
— “هيا يا رانية… لا تنظري إليّ بهذه الطريقة. إنها مجرد مزحة، ثم إنه طوق فاخر وثمنه باهظ.”
ومدت يدها لتحمل الطفلة.
لكن رانية تراجعت خطوة إلى الخلف.
استيقظت نور على الفور، وانفجرت بالبكاء.
قطبت فوزية حاجبيها وقالت بحدة:
— “أعطيني الطفلة. أنتِ من يثير توترها.”
نظرت إليها رانية بثبات، وقالت كلمة واحدة فقط:
— “لا.”
خرجت الكلمة حاسمة، كأنها باب فولاذي أُغلق إلى الأبد.
التفتت إلى زوجها.
كان طارق يطأطئ رأسه، يتردد للحظات قبل أن يقول بصوت خافت:
— “أمي… يكفي، أليس كذلك؟”
ابتسمت فوزية باستخفاف وقالت:
— “زوجتك تعشق المبالغة وصنع الدراما.”
من دون أن تنطق بكلمة، أخرجت رانية هاتفها.
بدأت بتصوير كل شيء…
الطوق.
ضحكات الضيوف.
وجه حماتها.
وكل من شارك في تلك الإهانة.
ثم حملت حقيبة ابنتها واستدارت نحو الباب.
هتف طارق:
— “إلى أين تذهبين؟ لا يمكنك مغادرة الحفل الآن!”
أجابته بهدوء أثار قلقه أكثر من أي صراخ:
— “سأعود إلى المنزل.”
ثم أضافت وهي تنظر مباشرة في عينيه:
— “لقد وضعوا طوق بجوار ابنتنا… وأنت وقفت صامتاً.”
حاول التبرير:
— “كانت مجرد مزحة ثقيلة.”
هزت رأسها ببطء وقالت:
— “لا يا طارق… لم تكن مزحة.”
ثم أردفت:
— “كان اختباراً… ليروا إلى أي حد يمكنهم إذلالي، وإلى أي حد سأصمت.”
في تلك الليلة، ومن داخل سيارتها، أرسلت رانية المقطع كاملاً إلى والدها، اللواء المتقاعد طاهر.
لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى رن هاتفها.
جاءها صوته هادئاً، لكنه يحمل غضباً تعرفه جيداً:
— “هل أنتِ ونور بخير؟”
— “نعم يا أبي.”
قال بحزم:
— “أرسلي لي كل التفاصيل… ومن هذه اللحظة، لا تتواصلي مع فوزية إطلاقاً.”
في صباح اليوم التالي، عاد طارق إلى المنزل وملامحه شاحبة على غير عادتها.
قال بصوت مرتجف:
— “استدعى والدي العائلة كلها إلى القصر عند الثانية عشرة ظهراً… وأكد أن حضور الجميع إلزامي.”
توقف لثوانٍ، ثم ابتلع ريقه وأضاف:
— “ووالدكِ سيحضر أيضاً…”
رفع عينيه إليها، وقد ازداد ارتباكه.
— “…لكنه لن يأتي وحده.”
حكايات محمد نور
الجزء الثاني
عندما أشارت الساعة إلى الحادية عشرة وثمانٍ وخمسين دقيقة، عبرت رانية بوابة قصر عائلة زوجها وهي تحمل صغيرتها نور النائمة بين ذراعيها.
لم ترتدِ زيها العسكري هذه المرة، بل اختارت بنطالاً أسود وقميصاً أبيض بسيطاً، وربطت شعرها بإحكام، بالانضباط نفسه الذي اعتادت أن تدخل به غرف العمليات. كانت ملامحها هادئة، لكن خلف ذلك الهدوء كانت عاصفة على وشك أن تنفجر.
في الداخل، كانت فوزية تجلس إلى جوار ابنتيها، رشا ودينا، وهن يتبادلن الهمسات ونظرات الاستياء، وكأن من تعرض للإهانة في الليلة الماضية كانت فوزية، لا رانية.
وما إن وقعت عيناها عليها حتى قالت ببرود يخالطه التهكم:
— «لم يكن هناك أي داعٍ لإثارة كل هذه الضجة. غادر الضيوف وهم يتحدثون عن أسلوبكِ الفظ، لا عن المزحة نفسها.»
لم تُجبها رانية.
اكتفت بالنظر إليها نظرة قصيرة، ثم تابعت سيرها حتى جلست في مكانها بهدوء.
أما طارق، فظل واقفاً قرب الباب، شاحب الوجه، بعينين متورمتين من السهر، بينما كانت يداه ترتجفان بصورة لم يستطع إخفاءها.
وعندما دقت الساعة الثانية عشرة تماماً، وقف عاصم، كبير العائلة وصاحب مجموعة شركات المقاولات، وقال بصوت حازم:
— «أغلقوا أبواب الصالون.»








