
حامد مفيش ثانية وكان واقف على حيله، وبأطراف صوابعه مسح على شعرها وقال بلهفة: «من عينيا يا قلب حامد، ثواني وأكون جاهز ونمشي قوام». التفت ناحية المطبخ ونده بصوت عالي وجاف: «يا أسماء! هاتي شنطة مراتي من جوة عشان ماشيين».
أسماء طلعت من المطبخ ووشها جايب ألوان، بصت لي بنظرة كلها قهر وقلة حيلة، وبعدين بصت لأخوها وقالت بلوم مكتوم: «ما لسه بدري يا حامد! أنت لحقت قعدت؟ وبعدين سيب عائشة تقعد معايا شوية لو عايز تمشي».
حامد رد وهو بيلبس جاكت بدلو من غير ما يبص لي حتى: «لا معلش يا أسماء، الوقت اتأخر ومراتي تعبانة وماتقدرش على القعدة دي، وأنا مقدرش أسيبها لوحدها في شقتها وهي في الحالة دي». والتفت لي لأول مرة من ساعة ما دخل، وبنبرة باردة وخالية من أي مشاعر قال: «أنتِ يا عائشة، لو عايزة تفضلي مع أسماء فضلي، ولو عايزة تروحي، أهو تاكسي يوصلك لحد البيت.. أنا هاخد مراتي وأروح».
الكلام طلع منه زي الطلقة اللي صابت اللي باقي من كرامتي. بصيت له ولقيت نفسي مش قادرة أنطق، دموعي اللي حبستها طول القعدة ونزلت على خدي سخنة بيكويني. مراته الجديدة في اللحظة دي قامت وقفلت سوستة جاكتها، وبصت لي من فوق لتحت بابتسامة نصر، ومسكت في دراعه بملء إيدها وسندت راسها على كتفه وكأنها بتمضي على وثيقة تملّك ليه قدام عيني.
أسماء اخت جوزي لقت الموقف كده، راحت جاية عليا وأخدتني في حضنها وهي بتعيط وصوتها مخنوق: «حقك عليا يا حبيبتي، ماتزعليش.. اتقي الله يا حامد اتقي الله الست ملهاش ذنب!».
لكن حامد ولا اتهز، شد مراته الجديدة من وسطها وفتح الباب وخرج بيها وهو بيقول من غير ما يلتفت وراه: «يلا يا حبيبتي بالراحة وانتي نازلة على السلم عشان البطل.. مع السلامة يا أسماء».
الباب اتقفل وراهم، ومع قفلته حسيت إن روحي هي اللي اتسحبت مني. انهرت على الكنبة وأنا بصرخ بدموع مكتومة، والوجع في قلبي كان واصل لحد حلقي. خمس سنين صبرت فيهم على قلة الرزق، وعلى كلام الناس، وعلى نظرات الشفقة في عيون أهله وأصحابه عشان ربنا مارزقناش بطفل، وفي الآخر يترمي ده كله في الزبالة عشان لقمة سمك ودلع رخيص؟
أسماء قعدت تحت رجلي على الأرض ومسكت إيدي وهي بتبكي: «والله يا عائشة يا حبيبتي أنا اتكلمت معاه وزعقت له، بس هو اتعمى، الولد عماه ومبقاش شايف قدامه.. حقك عليا أنا».
مسحت دموعي بكم عبايتي، وقومت وقفت وأنا حاسة بنشفان في ريقي وبقوة غريبة عمري ما حسيت بيها قبل كده. الكسرة اللي في عيني اتحولت لجمود. بصيت لأسماء وقولت لها بصوت ثابث بس طالع من وسط النار اللي قايدة جوايا: «ماتتأسفيش يا أسماء.. أخوكي ماكسرش خاطري أنا، أخوكي كسر العشرة وباع اللي صانته خمس سنين.. والكسر ده ملوش جبيرة عندي».
لميت حاجتي وشنطتي من على الكرسي، وخرجت من باب الشقة وأنا مش شايفة قدامي، السلم اللي كنت بنزله وأنا مستندة على كتفه، نزلته لوحدي والخطوة بتهد جبال. أخدت تاكسي ورجعت على شقتي.. الشقة اللي شهدت على أيامنا وحكاياتنا وصبرنا.
دخلت الشقة، لقيت هدوء قاتل، مفيش فيها غير ريحة خيانته وكسرته ليا. دخلت أوضتي، فتحت الدولاب وجبت أكبر شنطة سفر عندي، وبقيت ألم هدومي كلها بحركات سريعة ومن غير تفكير. كنت برمي الهدوم في الشنطة وأنا بفتكر كلمتها ليا في الصالة: *«أنتِ ليه ماعندكيش كرامة وتطلقي؟ ليه فارضة نفسك عليه؟»*.
قولت لنفسي وأنا بقفل سوستة الشنطة بقوة: «لأ، أنا عندي كرامة، وكرامتي دي هتدوس على قلبي وعلى الخمس سنين وعلى حامد نفسه».
خلصت وطلعت وقفت في الصالة، وبصيت للشقة نظرة أخيرة. مكنتش عادية، كانت نظرة وداع لست طيبة ومغفلة عاشت هنا خمس سنين بتدعي لراجل مايستاهلش. أخدت شنطتي وفي طريقي للباب، لقيت الموبايل بتاعي بيرن.. بصيت على الشاشة لقيت الرقم بتاعه هو
نزلت الشارع وأنا حاسة بوجع الدنيا كله، ودموعي نازلة بس بكرامة، مخنوقة من قلة التقدير. لسه ما وصلتش نص الطريق، لقيت الموبايل بيرن.. بصيت للشاشة، كان هو. قلبي دق جامد، افتكرت يمكن حس بالذنب، يمكن لحق يراجع نفسه. رديت بصوت مخنوق ومستنية أي كلمة دفا.
سمعت صوته مش طايق نفسه، خشن وعصبي وبيسألني من غير حتى “إزيك”: «يا عائشة! محفظتي مش لاقيها، أكيد وقعت مني عند أسماء.. شوفيها كده عندك، أنا مش لاقيها في جيوبي خالص!».
الكلمات نزلت عليا زي التلج. محفظته؟ هو ده اللي هامّه؟ هو ده اللي شاغل باله بعد ما كسرني قدام مراته وأخته؟ اتنهدت بقوة، ومسحت دموعي بإيدي التانية، وبصيت للسما ولقيت جوايا قوة غريبة اتولدت في اللحظة دي. رديت عليه بصوت هادي، هدوء ماعرفش جه منين، بس كان صوته بيزلزل كيانه: «أنت بتسأل على محفظتك يا حامد؟ طيب اسمعني كويس.. محفظتك مش هتلاقيها، بس اللي هتلاقيه، هو قراري اللي مش هرجع فيه».
حامد اتفاجئ من نبرتي، وسكت شوية وبعدها زعق: «محفظة إيه وقرار إيه؟ أنتِ أتجننتي؟ بقولك محفظتي فيها بطاقتي وفلوسي! اخلصي شوفيها».
قفلت السكة في وشه، ومشيت بخطوات ثابتة لأقرب كافيه، وقعدت وبعت له رسالة واحدة: «لو عايز محفظتك، تعالي لي دلوقت حالا عند المأذون اللي في شارع [اسم الشارع]. مش هرجع البيت، والمحفظة مش هترجع غير لما تخلصني من عيشتك».
قعدت دقايق طويلة، كنت حاسة إن الوقت بيعدي ببطء، لحد ما لمحته جاي من بعيد وهو بيلهث، ووشه أحمر من الغضب. أول ما قرب مني، زعق بصوت عالي والناس بدأت تبص علينا: «أنتِ اتجننتي يا عائشة؟ جايباني هنا ليه؟ ومحفظتي فين؟».
-
أجمل بنت في الدفعةمنذ 4 ساعات
-
رجعت من المستشفيمنذ 5 ساعات
-
كارنية النقابةمنذ 5 ساعات
-
جارتي ام يوسفمنذ 5 ساعات








