Uncategorized

بعد ابويا

فتح الغطا وفجأة اختفت الابتسامة من على وشه تمامًا.
فضل يقلب اللي جوه الصندوق بإيده بعصبية، كأنه مش مصدق إن ده كل اللي مستخبي تحت عتبة البيت طول السنين دي. صور قديمة بالأبيض والأسود، ساعة يد جلدها متآكل، مسبحة أبويا اللي كانت مبتفارقش إيده، منديل مطرز باسم أمي وخطابين مربوطين بشريط قماش قديم وتحتهم ظرف أصفر أكل الزمن أطرافه.
فتحه بسرعة وسحب منه ورقة واحدة.
وقف يقرأها ثواني ثم انفجر يضحك ضحكة عالية، لدرجة إن كل اللي واقفين بصوا له باستغراب.
رفع الورقة في الهوا وهو بيقول بسخرية أهو ده الكنز اللي أبويا كان مخبيه! إيصال بخمسة آلاف جنيه بتاريخ أربعة عشر يوليو سنة ألف وتسعمية وسبعين!
ثم لوى الورقة بين صوابعه وهو بيهز راسه باستخفاف.
الله يرحمك يا حاج خضيتنا على الفاضي.
مد إيده ورمى الورقة جوه الصندوق تاني وقفل الغطا بإيده وهو بيقول لي قدام الناس كلها ومن غير حتى ما يبص في وشي
اتفضلي الصندوق ده بكل اللي فيه حلال عليكي الصور والذكريات والورق القديم ده كلهبتاعك أنا ماليش فيه. أنا اللي يهمني البيت وبس.
مكنتش قادرة أرد مديت إيدي وخدت الصندوق وضميته لحضني كأني بضم أبويا للمرة الأخيرة.
مكنتش شايفة ساعة قديمة ولا شوية صور باهتة كنت شايفة عمر كامل عاشه الراجل اللي رباني وكل حاجة لمستها إيده.
أما أخويا، فلف ناحية السمسار وهو بينفض التراب من على هدومه وقال بابتسامة كلها طمع
يلا بينا ضيعنا وقت كفاية. ندخل نكمل البيع.
السمسار هز راسه ومشى وراه ناحية باب البيت.
وفي اللحظة اللي كان فيها هيعدي العتبة اتسمع صوت فرامل عربيات واقفة قدام البيت.
مش عربية ولا اتنين كان موكب كامل.
أربع عربيات سوداء فخمة دخلوا الشارع واحدة ورا التانية، لحد ما وقفوا قدام بيتنا بالظبط.
الشارع كله سكت حتى العيال اللي كانت بتجري وقفت مكانها.
أبواب العربيات اتفتحت في وقت واحد تقريبًا.
نزل منها رجال لابسين بدل رسمية وبعدهم راجل كبير في السن، شعره كله أبيض، لكنه كان ماشي بخطوات ثابتة ومعاه محامٍ شايل حقيبة جلد.
بص حوالين البيت كأنه بيدور على حاجة غايبة عنه من سنين طويلة.
وبعدين سأل بصوت هادئ لو سمحتم ده بيت المرحوم الحاج محمود عبدالعال؟
قلبي انقبض قلت وأنا مترددة أيوه بس حضرتك مين؟
بصلي بحزن وقال إنا لله وإنا إليه راجعون بلغنا خبر وفاته،لكن للأسف وصلنا متأخر.
أخويا اتقدم ناحيته بسرعة وقال وهو بيحاول يفهم
حضرتك تعرف أبويا؟
الراجل هز راسه وقال
أنا معرفتهوش شخصيًا لكن أبويا فضل يذكر اسمه طول عمره.
سكت لحظة وبعدين كمل
إحنا بندور على البيت ده من سنين.
الناس بدأت تبص لبعضها.
والسمسار نزل من على عتبة الباب.
أما أخويا، فابتسم ابتسامة صغيرة واضح إنه افتكر إنهم زباين جداد، أو ناس جاية تعرض عليه سعر أعلى.
قال بثقة
خير يا أفندم؟
لكن الرجل الكبير فضل يبص في وشوشنا واحدًا واحدًا وكأنه بيدور على حد يعرفه، قبل ما ياخد نفسًا طويلًا ويقول بهدوء
اسمحوا لي أسألكم سؤال يمكن يكون غريب هو المرحوم الحاج محمود ساب بعد وفاته أي ورقة قديمة وصل دين مكتوب عليه تاريخ أربعة عشر يوليو سنة ألف وتسعمية وسبعين؟
أول ما سمعت التاريخ، حسيت كأن حد نده عليّا من بعيد.
بصيت للصندوق اللي كنت لسه ضاماه في حضني وافتكرت الورقة اللي أخويا كان لسه من دقيقة بيضحك عليها ويقول إنها مالهاش أي قيمة.
فتحت الصندوق بسرعة وبدأت أقلب وسط الصور والخطابات القديمة، لحد ما لقيت الظرف الأصفر.
سحبته بإيدي المرتعشة وطلعت منه وصل الدين ومديته للرجل.
قبل ما ياخده، المحامي اللي كان واقف جنبه مد إيده بسرعة وكأنه كان خايف الورقة تضيع من بينإيده.
أول ما وقعت عينه على التاريخ اتسعت عيناه وبص للرجل

الكبير وهو بيقول بصوت مخنوق
هو هو نفس التاريخ ونفس الاسم ونفس التوقيع.
أما الرجل الكبير، فمسك الورقة بإيدين بترتعش وفضل يبص لها ثواني طويلة، قبل ما يغمض عينيه ويقول وكأن حملًا عمره عشرات السنين نزل من فوق كتفه
الحمد لله أخيرًا لقينا وصل الدين.
أما أخويا فكان لسه واقف يبتسم باستخفاف وهو مش فاهم إن الورقة اللي قال عنها من شوية خديها دي مالهاش أي لازمة. هي نفسها الورقة اللي هتغير حياتنا كلها بعد لحظات.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى