
أحياناً تمر بمواقف في حياتك اليومية تتبدل فيها قناعاتك تماماً، وتجعلك تعيد التفكير في الكثير من الأمور التي كنت تأخذها ببساطة. لعل هذه الواقعة بالذات قلبت موازين التعاطف والكتابة عندي رأساً على عقب، وجعلتني أدرك تماماً أن الحكم على أي مشكلة من طرف واحد هو خطأ فادح قد يظلم أبرياء ويبرئ مخطئين.
-
مرات ابني الوسطانيمنذ 17 ساعة
-
لا تقربوا هواتفكم مهما كنتم بحاجة إليهامنذ 17 ساعة
-
جوزي قالي من بكرة تقدمي استقالتكمنذ 17 ساعة
-
اختك حاملمنذ يومين
تدور أحداث القصة حول موقف حدث داخل إحدى سيارات الأجرة التابعة لخدمات النقل الذكي (أوبر). كانت هناك فتاتان، إحداهما وشقيقتها، تستقلان السيارة، وخلال الرحلة طلبت إحداهما من السائق رفع صوت الموسيقى لأعلى درجة، وبدأت تتصرف بإزعاج داخل المركبة. طلب منها الشاب بكل هدوء خفض صوت الموسيقى مراعاة للطريق ولراحته كساكن أو عامل، فجاء ردها متعجباً ومتعاليا: “ملكش دعوة، أنا راكبة بفلوسي!”.
رد عليها الشاب بكل حكمة ومنطق: “عندك حق، أنتِ راكبة بفلوسك، لكن هذه سيارتي وأنا المسؤول عنها وعن أمان الطريق”. من هنا بدأ الشد والجذب الكلامي بين الطرفين. ورغم الأسلوب الحاد والاستفزاز المستمر، استمر السائق في عمله حتى أصلحهما إلى وجهتهما المطلوبة في إحدى المناطق السكنية. وعند نهاية الرحلة، طالب بحق سعايته وأجرته المشروعة، إلا أنها رفضت تماماً وبشكل متعنت، وألقت بكلمات قاسية مفادها أن أجره لن يصرف، في محاولة للتقليل منه ومن تعبه.
ولحد هذه اللحظة، قد تظن أن الخلاف انتهى عند هذا الحد، وهي خلافات قد تقع بين الحين والآخر في الشارع. لكن، للأسف، تطورت الأمور بشكل غريب ومأساوي؛ إذ قررت الفتاة أن تصعد الخلاف بطريقة غير مبررة، وتحاول الإضرار بمستقبل الشاب بشكل كامل لمجرد شعورها بالإهانة لأنها لم تنل ما تريد. هددته بكلمات قاسية ورفعت هاتفها للاتصال بالجهات المختصة، ومستغلة قدرتها على تغيير نبرة صوتها، تحولت فجأة من شخصية غاضبة إلى فتاة تبكي وتدعي أنها تتعرض لمضايقات وموقف خطير.
لكن العناية الإلهية والذكاء المهني أنقذا الشاب؛ فقد كان حريصاً طوال الرحلة، ومن واقع خبرته في التعامل مع مختلف الشفاق، على توثيق تفاصيل ما حدث بالصوت والصورة عبر كاميرا الهاتف. هذا التصرف الاحتياطي البسيط كان الفاصل بين ضياع مستقبل شاب يسعى على رزقه بجد، وبين إثبات الحقيقة كاملة بالدليل القاطع. عندما انتشرت تفاصيل الواقعة لاحقاً، تباينت ردود الفعل، وظهرت جوانب عديدة للقضية، بما في ذلك تصريحات الطرف الآخر التي حاولت فيها توضيح وجهة نظرها ودفاعها عن نفسها، مشيرة إلى حدوث مشادة كلامية وتلاسن بين الطرفين قبل أن يتم احتواء الأمر، مؤكدة أن الأمور أخذت أبعاداً أكبر على منصات التواصل الاجتماعي.
إن هذا الموقف يترك في نفوسنا عبرة عميقة ودرساً لا يُنسى؛ أولاً، أهمية توثيق الحقوق وحماية النفس في مواقف الشارع اليومية التي قد تحول حياة الإنسان إلى كابوس في لحظات. وثانياً، ضرورة التحلي بالهدوء وعدم الانسياق خلف الانفعالات العصبية أو محاولة استغلال النفوذ أو الصورة العامة للإضرار بالآخرين. الشارع والعمل وسيلة عيش شريفة، واحترام العاملين في قطاعات الخدمات هو جزء أساسي من آداب التعامل الإنساني.
في النهاية، تظل هذه الحكاية تذكيرأً لكل متابع بأن الحق باقٍ، وأن الإنسان العاقل هو من يتعلم من أخطاء غيره، فلا يستبق الأحكام، ولا يندفع وراء عواطف مؤقتة، بل يزن الأمور بميزان العقل والعدل، حتى يبقى الضمير حياً والإنصاف هو السائد في كل المواقف الحياتية التي نمر بها يومياً.








