عام

5 عيال

من اليوم ده، قررت إن “العزوة” اللي كان بيحلم بيها، هتبقى عزوتي أنا وسندي أنا مش هو. بدأت أنظم وقتي بالثانية بين البيت وطلبات الـ 5 عيال، وبدأت أدور على أي طريقة أقف بيها على رجلي ومأحتجش لقرش منه زيادة عن حقي وحق عيالي. كنت بنام ساعتين تلاتة في اليوم، بس بقيت بنام وأنا حاسة بإن في قوة جديدة بتتولد جوايا.
الشرارة اللي قادت جوايا مكانتش شرارة ندم على اللي فات، كانت شرارة تحدي.. تحدي للدنيا، وليه هو بالذات. وبقيت كل ما أبص لوشوش عيالي وهمّا بيكبروا قدام عيني، أقول في سري: “بكرة تندم يا ابن الناس.. بكرة تشوف العزوة دي وهي شايلاني ومقدراني، وتعرف قيمتي وقيمة اللي ضحيت بيه لما تلاقي نفسك لوحدك ومفيش حد حواليك”.

مرت الأيام والأسابيع وأنا عايشة في شبه غيبوبة، بنفذ طلبات العيال زي الآلة من غير روح. هو نفذ كلامه بالملي.. بقيت أشوفه زي الغريب، يجي أول الشهر يرمي القرشين من على الباب ويمشي، حتى عينه مابتجيش في عين عياله، ولا بيقعد معاهم خمس دقائق على بعض. كان بيجي شيك، لابس على السنْجة، وريحة برفانه تملى المكان.. ريحة حياة جديدة هو عايشها ومبسوط فيها، في نفس الوقت اللي ريحة بيتنا بقت تعب وشىقى ومسؤولية خمس عيال رقبتهم في أيدي.
في الأول، كنت كل ما أشوفه بالمنظر ده، يدخل في قلبي سهم ويموتني. كنت بطلع البلكونة بعد ما يمشي وأبص عليه وهو راكب عربيته ورايح للي مراته ومحافظ على صحتها وجسمها. بس مع الوقت، الوجع ده بدأ يتحول لحاجة تانية.. بدأ يتحول لطاقة غضب وغل، بس غل مفيد.
وقفت قدام المراية

مقالات ذات صلة

في يوم، وبصيت لوشي المجهد وللهالات السودة اللي تحت عيني. قولت لنفسي: “لحد إمتى هفضل أعيط على راجل باعني وباع عياله؟ هو عايش حياته بالطول والعرض، وأنا بموت نفسي بالبطيء”. العيال دي مش ذنبها إن أبوهم ندل، والعيال دي مش لازم تشوف أمهم مكسورة وضعيفة عشان ما يطلعوش مكسورين زيهم.
من اليوم ده، قررت إن “العزوة” اللي كان بيحلم بيها، هتبقى عزوتي أنا وسندي أنا مش هو. بدأت أنظم وقتي بالثانية بين البيت وطلبات الـ 5 عيال، وبدأت أدور على أي طريقة أقف بيها على رجلي ومأحتجش لقرش منه زيادة عن حقي وحق عيالي. كنت بنام ساعتين تلاتة في اليوم، بس بقيت بنام وأنا حاسة بإن في قوة جديدة بتتولد جوايا.

الشرارة اللي قادت جوايا مكانتش شرارة ندم على اللي فات، كانت شرارة تحدي.. تحدي للدنيا، وليه هو بالذات. وبقيت كل ما أبص لوشوش عيالي وهمّا بيكبروا قدام عيني، أقول في سري: “بكرة تندم يا ابن الناس.. بكرة تشوف العزوة دي وهي شايلاني ومقدراني، وتعرف قيمتي وقيمة اللي ضحيت بيه لما تلاقي نفسك لوحدك ومفيش حد حواليك” .
بدأت ببنتي الكبيرة، اللي كان عندها 13 سنة.. البنت دي كانت شايفة وعية لكل حاجة بتحصل، وكنت حاسة بخوفها وقلقها في عيونها. قعدت معاها، أخدتها في حضني واتكلمت معاها بمنتهى الصراحة، من غير ما أخبي عليها حاجة تناسب سنها. قولت لها يا بنتي، إحنا ملناش غير بعض، وأبوكي اختار طريق تاني، والبيت ده مش هيقف.. البيت ده هيكبر بينا وبمساعدتكم ليا.
لقيت في عيونها نظرة نضج سَبقت سنها بمراحل، هزت راسها وقالت لي أنا معاكي يا ماما، ومش هسيبك. ومن هنا بدأت الخطة.. مابقيتش أشيل الشيلة لوحدي، ومابقاش دوري إني أتهلك وهمّا يتفرجوا.
جمعتهم كلهم، من الكبير للصغير، وعملت معاهم قعدة صراحة مفيهاش زعل. قولت لهم إننا بقينا فريق واحد، وعشان المركب تمشي، كل واحد لازم يشيل مقداف. علمتهم يشاركوني في كل تفصيلة في البيت؛ الكبيرة بقت مسؤولة معايا عن تنظيم الأوض ومتابعة إخواتها الصغيرين، واللي بعده بقيت أخليه يروق الصالة ويلم اللعب، وحتى الصغيرين خالص علمتهم إزاي يشيلوا أطباقهم بعد الأكل ويدخلوها المطبخ.
بقيت أقف في المطبخ أجهز الأكل وهمّا حواليا؛ ده يغسل الخضار،

ودي تجهز السفرة، وده يناولني التوابل. المكان اللي كان بيخىنقني وبحس فيه بالهدد والتعب، اتقلب وبقى مليان ضحك ومشاركة وحكايات. بقيت أتكلم معاهم في كل حاجة، أسمع مشاكلهم في المدرسة، وأحكي لهم عن أحلامي ليهم.
ال 5 عيال اللي جوزي كان فاكر إنهم هيهدوا حيلي وهيكسروني، بقوا هما الطاقة اللي بتحركني. بمشاركتهم وصراحتنا مع بعض، البيت رجعت له روحه، وحسيت لأول مرة إن العزوة مش بالعدد وبس.. العزوة بالقلوب اللي بتشيل بعضها وقت الشدة. وعرفت وقتها إن أول خطوة في طريقي الجديد نجحت، وإن اللي جاي هيخليه يندم أكتر وأكتر.

المسؤولية كبرت، ومصاريف ال 5 عيال ومدرستهم وطلباتهم بقت تزيد يوم عن يوم، والقرشين اللي كان بيرميهم أول الشهر مابقوش يعملوا حاجة. قولت لنفسي أنا مش هسيب عيالي يحسوا إنهم ناقصهم حاجة، ولا هخليهم يبصوا لأي حد برا. قررت إني لازم أنزل الشغل، ولقيت شغلانة مناسبة بمرتب كويس وتوقيتها مظبوط، بحيث أقدر أوفق بينها وبين وقت عيالي وبيتي.
وعشان المركب تمشي ومفيش حاجة تبوظ في غيابي، عملنا نظام جديد في البيت وبقينا ماشيين عليه بالمسطرة. يوم الإجازة بتاعي اتقلب ليوم طىوارئ مبهج؛ كنت بدخل أنا والأولاد كلهم المطبخ، ونعمل خطة أكل الأسبوع كله.

بقينا نقف زي الورشة، ده يقشر بصل، وده يغسل خضار، وبنتي الكبيرة واقفة جنبي بتتعلم إزاي تظبط الأكل. كنا بنطبخ ونجهز وجبات الأسبوع كلها، ونقسمها في علب ونشيلها في الفريزر. التعب اللي كان الأول بيهد جبل، بقى وسط لمتهم ومشاركتهم شقا ولعب وضحك، والوقت كان بيعدي في ثانية.

ولما كنت بنزل شغلي الصبح، كنت بنزل وأنا مطمنة وراسي مرفوعة. بنتي الكبيرة، اللي بقت صاحبتي وسندي، كانت بتبقى هي الملكة في غيابي؛ تطلع علب الأكل، تسخنها لإخواتها في الميعاد، وتخلّي بالها من الصغيرين وتساعدهم في واجبتهم.
بقيت أرجع من الشغل هلكانة وتعبانة، بس أول ما بفتح الباب وألاقي البيت متروق، والأكل جاهز ، وبنتي لامة إخواتها حواليها، كنت بحس إن تعب الدنيا كله بيزول. ال 5 عيال اللي أبوهم رماهم فاكر إنهم هيدفنوني صاحية، بقوا هما الجيش اللي بيحميني واللي ساندني في عز الأزمة.
مرت السنين والوجع اللي كان زمان بياكل في قلبي اتقلب لفخر ملوش أول من آخر. السنين جرت، وال 5 عيال اللي شيلت همهم لوحدي كبروا وبقوا هما الحيطة اللي سانداني.
بنتي الكبيرة، صاحبتي وسندي، كبرت ودخلت الكلية اللي كانت بتحلم بيها.. ومكتفتش بكده، دي من أول سنة ليها بقت تدور على شغل من البيت يناسب دراستها، وفعلاً بدأت تشتغل وتكسب، وأول حاجة عملتها إنها حطت إيدها في إيدي وبقت تشيل معايا في مصاريف إخواتها اللبس والجامعة، وكأنها بتقولي ارتاحي بقى يا أمي، جه دوري أشيل عنك.

تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى