عام

مراتي كانت بتبيع لبن وجبنة

مراتي كانت طافحه التراب وبتبيع لبن وجبنه وانا في الغربه علشان تساعد معايا ونكمل الشىقه اللي هتلمنا احنا وعيالنا…. واول ما جهزناها ونزلت من السفر امي حلفت ان الشقه الجديده ياخدها اخويا الصغير والسبب صدىمني وسابني في حيرة عمري !!!

أنا اسمي محمود، راجل على باب الله، عشت عمري كله بجري ورا لقمة العيش الحلال. لما جيت أتجوز، مكنش حيلتي من الدنيا غير هدىمىتي اللي عليا، وأوىضة ضيقة كئيبة في بيت عيلتي.. حيطانها مقشرة وسقفها عالي بس مخىنوق. مفيش بنت حلال رضيت بيا وبظروفي دي غير “ناهد”.

​ناهد دي مش مجرد ست، دي كانت الوتد اللي ساندني. بنت أصول بجد، صبرت معايا على المر اللي ميرضيش حد. وافقت تتجوزني في الأوىضة دي، وقالت لي:

​”يا محمود، أنا شرياك أنت مش شريا الحيطان.. بكره ربك يفرجها ونبني سوا احسن بيت.”

​ودارت الأيام، وخلفنا عيلين زي الورد، والأوىضة مبقتش سايعانا، وبقينا كأننا عايشين في علبة كبريت. النفس ضاق، ومصاريف العيال كبرت، والحيطة بقت سد في وشي.

​في وسط الضلمة دي، ظهرت طاقة قدر. واحد قريبنا جاب فيزا لأخويا الصغير “أحمد” فيزا سفر للسعودية.. عقد عمل محترم بمرتب يعيشه ملك. أحمد ده كان دلوع أمي، مبيحبش التعب ولا الحركة، واول ما السفرية جت قالك: “أنا أتغرب ليه وأتبهدل؟ أنا أقعد وسط أهلي وناسي آكل عيش ناشف ولا الغربة ومرارتها!”

​أنا عيني لمعت، وحسيت إن ربنا بعتلي طوق نجاة. دخلت لأخويا وقولت له: “يا أحمد، سيبني أسافر أنا مكانك، الفيزا دي هتساعدني أنا وعيالي، وأنا هسدد لك تمنها قرش ينطح قرش من أول سنة.”

​وافق أحمد فورا وفعلاً، استلفت تمن التذكرة وتوكلت على الله. أول سنة في الغربة دي مشوفتش فيها النوم، كنت بشتغل ليل مع نهار، باكل عيش وجبنة وأوفر كل مليم لحد ما سددت لأحمد تمن الفيزا كامل مكمل عشان مشيلش جميله.

​من السنة التانية، بدأت أبعت الفلوس لناهد. مكنتش بتبسط ولا بتصرفهم على لبس ومنظرة، كانت بتشيل القرش فوق القرش. كنا واخدين عهد على نفسنا إننا نعمل شقة ملك لينا ولعيالنا، شىقة في بيت منفصل بعيد عن زحمة بيت العيلة عشان العيال تكبر في وسع.

​ناهد مكنتش بس بتحوش قرشي، دي كانت طافحة التراب حرفياً! إحنا محيلتناش غير جاموسة واحدة في الزريبة، وناهد كانت تصحى من النجمة، تحلبها، وتعمل الجبنة واللبن، وتنزل تبيعهم في السوق في البرد والمطر عشان تصرف على نفسها وعلى العيال من تعب إيديها، وماتلمسش مليم واحد من فلوس الغربة اللي ببعتها للشىقة!

​خمس سنين غربة.. خمس سنين وأنا بنحت في الصخر برة، وهي بتموت من التعب جوة، لحد ما ربنا كرمنا واشترينا الشىقة الطوب الأحمر، وفضلنا نصلح فيها ونشطبها على الفرازة.. دهان، سيراميك، سباكة.. كل حيطة فيها واخدة من عرقنا ومن دموعنا.

​واخيرا ​نزلت مصر.. ياااه على الفرحة! كنت حاسس إن الأرض مش سايعاني وأنا شايف عيالي كبروا، وشقتي الجديدة بتنور وبتنده علينا. اشترينا العفش ونقلناه، وكنت خلاص برتب مع ناهد عشان ننقل هدومنا وندخل شقتنا ونقفل علينا بابنا ونرتاح من شقا السنين.
​يومها، لقيت أمي داخلة عليا الأوىضة، وشها مقلوب وعينها فيها نظرة غريبة.. نظرة خوف على طمع. قعدت وقالت لي بلهجة حاسمة متقبلش النقاش:

السابق1 من 5
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى