عام

اخر حفنة تراب

حيًا. جالسًا على كرسي خشبي، بلحية نامية منذ أيام، وضماد على ذراعه، وعينين ممتلئتين بالذنب. نزلت من السيارة وأنا لا أعرف هل أركض إليه أم أصفعه. وقف ببطء. أم خالد. صفعته. لم تكن صفعة قوية. لكنها كانت كافية ليفهم أن المرأة لا تدفن زوجها أمام الناس من أجل خطة، وكأن شيئًا لم يحدث. بكيت عليك أمام أبنائك. قلت بكيت عليك أمام الكفىىن. أطرق رأسه. سامحيني. لا تبدأ بهذا الكلام. تكلم. دخلنا إلى المطبخ. جاءت امرأة من أهل المزرعة وقدمت قهوة عربية، لكن لا أحد لمسها. وضع حسام ملفًا فوق الطاولة، وكانت يداه ترىىتجفان. خالد وهيثم كانا يريدان إعلانك غير قادرة على إدارة شؤونك. جهزا طبيبًا

يكتب أن الحزن أثّر على وعيك. كانوا يريدون السيطرة على حساباتك، وبيع البيت، وإظهار وصية مزورة.
شعرت بالغثيان.
سمعتهم. وكانوا يضعون لي شيئًا في القهوة.
نظرت إلى العبوة الصغيرة في حقيبتي. بهذا؟ أومأ.
جرعات بسيطة. مهدئات. تكفي حتى أبدو مشتتًا، متعبًا، غير قادر على التركيز. كانوا يقولون إنها السن. بدأت أشك عندما صار خالد يصر أن يحضر لي القهوة كل ليلة بنفسه.
تذكرت ابني وهو يدخل المكتب مبتسمًا.
يبه، ارتاح. أنت تعبت كثير.
احتىىرقت عيناي.
وفكرت أن تمثل ؟

مقالات ذات صلة

تنهد حسام طويلًا.
لم يكن هذا المخطط من البداية. كنت أنوي الخروج من البيت، ورفع بلاغ، وحمايتك. لكن حينها مىىات يوسف.
اخترقني الاسم.
يوسف.
لم أعرف أي يوسف يقصد.
لكن شيئًا في وجه حسام جعل الخوف يتىىسلل إلى صدري.
أطرق رأسه ببطء.
ثم قال
يوسف… ابننا.
شعرت وكأن الأرض انسىىحبت من تحت قدمي.
ابننا؟
الرضيع الذي قالوا لك إنه مىىات بعد يومين من ولادته.
ارتجفت يداي.
قالوا إنه وُلد ضىىعيفًا.
ثم أعطوني مهدئًا.

وحين استيقظت، كان حسام يبكي قرب سريري، وكانت أمه تقول إن الله يختار لعباده الخير.
أنا لم أرَ الجثمان.
فقط كفن أبيض صغير.
لا…
أغمض حسام عينيه.
يوسف لم يمىىت يومها.
وقفت بسرعة حتى سقط الكرسي خلفي.
ماذا قلت؟
أمي سلّمته لغيرنا.
صار الهواء ثقيلًا كأنه سىىم.
أمك؟

قالت إن الطفل مريض، وإن حياتنا ستتحول إلى مستشفيات، وإنك لن تتحملي. كنت صغيرًا، خائفًا، ومكىسورًا. صدقت لأنهم قالوا لي ذلك أيضًا.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثم قال
قبل ثمانية أشهر، وجدني يوسف.
تمسكت بحافة الطاولة.
عرفته منذ ثمانية أشهر ولم تخبرني؟
بكى حسام.
طلب مني ألا أخبرك. ظل يعتقد طوال عمره أننا تخلينا عنه بإرادتنا. وحين عرف الحقيقة لم يستطع أن يسامح بسهولة. كان مىريضًا، وغاضبًا، ومكىىسىورًا. أقسم عليّ ألا أخبرك قبل أن يقرر بنفسه أن يراك.
ابتلعت الغصة في حلقي.
ومع ذلك لم تخبرني.

حاولت. أقسم أنني حاولت. كلما تحدثت معه عنك كان يؤجل الأمر. كان يقول إنه يحتاج إلى وقت. ثم بدأ قلبه يخذله أسرع مما توقع الأطباء.
شعرت أن جرحًا قديمًا انفتح داخلي.
لم يكن وجع أرملة.
كان وجع أم سُرق منها ابنها.
نعم.
كان من حقي أن أسمع صوته.
نعم.
نعم.
كان من حقي أن أودعه.
لم يدافع حسام عن نفسه.
وهذا جعلني أغضب أكثر.
أخذني إلى غىىرفة صغيرة.
كان فيها سرير مرتب، ومصحف على الطاولة، وثوب رجالي مطوي، وصورة داخل إطار خشبي.
يوسف.
قريب من الأربعين.
عيناه عينا حسام.

وفمه فمي.
وله نفس طريقتي في إمالة رأسه قليلًا.
اقتربت من الصورة وانكىىسرت.
يا ولدي…
فوق الطاولة كانت هناك رسالة.
إلى أمي أم خالد.
فتحتها بيدين لا تقويان على شيء.
سامحيني لأنني وصلت متأخرًا. قالوا لي إنكم لم تريدوني لأنني وُلدت مريضًا. وعندما قابلت أبي حسام،

زر الذهاب إلى الأعلى