عام

قالت ابنتي الصغري ان شقيقها

ثم يطرح السؤال نفسه في كل حلم. السؤال الذي مىزق قلبي أكثر من أي شيء آخر. لماذا يا أمي؟ وفي كل مرة كنت أستيقظ من ذلك الكاىبوس، كنت أردد لنفسي العبارة ذاتها لقد فعلنا الصواب. لكن مع مرور الوقت… لم يعد جسدي نفسه يصدقها. مرّ عامان. ثم وقع  الذي غيّر كل شيء. كان ذلك في أحد أيام الشتاء الممطرة. كان حيدر يقود السيارة ويُعيد زهراء إلى المنزل بعد مشاركتها في نشاط مدرسي. وفجأة… اجتازت شاحنة صغيرة الإشارة بسرعة كبيرة. ولم يتمكن حيدر من

تفاديها.
واندفعت السيارة نحو عمود خرساني على جانب الطريق.
خرج حيدر ببعض الكدمات.
وجرح فوق حاجبه.
أما زهراء…

مقالات ذات صلة

فلم تكن محظوظة مثله.
عندما وصلت إلى المستشفى، وجدتها موصولة بالأجهزة الطبية.
كان وجهها متورمًا.
وشفتاها جافتين.

وجسدها الصغير يبدو أضعف مما رأيته في حياتي كلها.
بدت لي وكأنها عادت طفلة في التاسعة من عمرها من جديد.
جلس الطبيب أمامنا وبدأ يشرح حالتها الصحية.
في البداية لم أفهم معظم ما كان يقوله.
تلف  في الكليتين.
غسيل كلوي.
وحاجة عاجلة إلى زراعة كلية.
ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي
إذا كان شقيقها الأكبر متوافقًا معها طبيًا، فسيكون أفضل وأسرع متبرع محتمل.
شقيقها الأكبر.
كلمتان فقط.
لكن وقعهما كان كطعنة في القلب.
وقف حيدر صامتًا للحظات.
ثم قال ببرود

لا.
نظر إليه الطبيب باستغراب.
وسأله
لا؟
فأجاب حيدر
ذلك الفتى لم يعد جزءًا من هذه العائلة.
في تلك اللحظة شعرت بأن شيئًا ما قد تحطم داخلي.
لكن هذه المرة…
لم يكن

نحو علي.
لأن الحياة، بكل ما فيها من قسوة، وضعت ابنتي على  المستشفى   .
وفي الوقت نفسه وضعت ابني في موضع المنقذ الوحيد القادر على إنقاذها.
الابن الذي عاملناه وكأنه

.
وطردناه من منزلنا.
بدأنا نبحث عنه.
لكن العثور عليه لم يكن سهلًا.
كان علي قد اختفى تمامًا من حياتنا.
غيّر رقم هاتفه.
وترك المكان الذي كان يقيم فيه.
وانتقل إلى جامعة

أخرى لإكمال دراسته.
ولم يكن أحد ممن سألناهم مستعدًا لإخبارنا بأي شيء عنه.
وكأن الجميع يعلم ما فعله وما فعلناه.
وأخيرًا…
وبعد فترة مرهقة من البحث.
عثرنا على خيط أوصلنا إليه.
أخبرنا أحد أساتذته السابقين أنه يعمل في متجر لبيع وصيانة الأجهزة الإلكترونية في بغداد.
ذهبت إليه وحدي.
لم أجرؤ على اصطحاب حيدر معي.
كنت أعلم أن علي قد لا يقبل حتى رؤيته.
عندما وصلت إلى المتجر، رأيته يقف خلف صندوق المحاسبة.
عرفته من اللحظة الأولى.

لكنه لم يعد ذلك الفتى الذي طردناه قبل عامين.
كان أنحف مما أتذكر.
وأكثر صمتًا.
وأكثر  .
أطلق لحية قصيرة.
وكانت هناك ندبة صغيرة قرب حاجبه.
الندبة نفسها التي تركتها تلك الليلة.
ليلة ضربه والده أمام أعيننا جميعًا.

عندما رآني أدخل، لم يتحرك.
لم يبتسم.
ولم يبدُ عليه أي انفعال.
قلت بصوت
علي…
أغلق درج النقود بهدوء.
ثم قال كلمة واحدة فقط
لا.
لا أكثر.
ولا أقل.
مجرد لا.
وانهارت كل الكلمات التي كنت قد أعددتها في طريقي إليه.
بكيت أمامه.
أخبرته عن زهراء.

وأخبرته أن الأطباء يحتاجون إلى إجراء الفحوصات.
وأن الوقت ينفد.
وأنها أخته.
عندها رفع عينيه نحوي.
ونظر إليّ بطريقة لم ينظر بها إليّ طوال حياته.
ثم قال
وأنا كنت ابنك أيضًا.
شعرت وكأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدمي.
فتحت فمي لأجيب.
لكنني لم أجد أي جواب.
لأنه لم يكن هناك شيء يمكن قوله.
ولا اعتذار يكفي.
ولا كلمات تصلح ما حطمناه.
ومع ذلك…
جاء إلى المستشفى.

لم يفعل ذلك من أجلي.
ولم يفعله من أجل حيدر.
ربما فعله من أجل تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تناديه دائمًا
أخي علي.
وتجري خلفه في أرجاء المنزل وهي تحمل دفاتر الرسم الخاصة بها.
عندما دخل علي غرفة العناية، كانت زهراء مستيقظة.
ضعيفة للغاية.
لكنها كانت مستيقظة.
ما إن رأته حتى  بالبكاء.

وقالت بصوت
علي…
توقف عند الباب.
ولم يقترب خطوة واحدة.
رفعت زهراء يدها  نحوه.
وقالت
سامحني.
في تلك اللحظة شعرت بأن الهواء قد اختفى من الغرفة.
تقدم حيدر خطوة إلى الأمام.
وقال بسرعة
زهراء… لا تتكلمي.
لكنها التفتت إليه.

وعندها فقط…
رأيت شيئًا لم أره قبل عامين.
الخوف.
الخوف الحقيقي.
ذلك الخوف الذي فشلت في ملاحظته عندما كانت طفلة.
هزت رأسها ببطء.
وهمست
لا…
لن أسكت بعد الآن.

ظل علي ينظر إليها دون أن

السابق1 من 2
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى