عام

مكالمة مفتوحة

دون أن يدري، ترك ابني المكالمة مفتوحة… فسمعته يصفني بأنني عبء على حياته. ثم وقعت عينا سيف على الظرف الأبيض الوحيد الموضوع فوق طاولة المطبخ. كان اسمه مكتوبًا عليه. للحظة… لم يتحرك. ولم تتحرك أحلام أيضًا. كان المنزل فارغًا إلى درجة أن صوت أنفاسهما بدا وكأنه يتردد بين الجدران. لا صور عائلية. لا سجاد. لا ستائر. لا ذلك الوعاء الخزفي الذي اشتراه لي كريم في إحدى رحلاتنا. لا بيانو. لا كرسي بجوار النافذة. ولا حتى علامات الطول التي كنا نسجلها على الجدار كل عام. لم يتبقَّ شيء يمكن لسيف أن يرثه… لا عاطفيًا. ولا ماديًا. لم يبقَ سوى الجدران. والأرضية. والهواء. ومستقبل

 

مقالات ذات صلة

مغلق كان يظن أنه سيفتحه يومًا بالمفتاح الذي يحمله.
تقدم نحو الظرف ببطء.
بينما بقيت أحلام قرب باب المطبخ، ممسكة بإحدى حقائب التسوق الفاخرة التي جلبتها من رحلتها، وكأنها تعتقد أن المال قادر على حمايتها من عواقب أفعالها.
ومن داخل سيارة النقل المتوقفة في الجهة المقابلة من الشارع، كنت أراقب كل شيء.
جلست بجواري سمسارة العقارات.
نظرت إليّ وقالت بهدوء
لستِ مضطرة لرؤية هذا.
أجبتها دون أن أحول نظري عن المنزل
بل أنا مضطرة.

لأن سيف وأحلام لم يكونا يخططان فقط لإخراجي من ذلك المنزل.
كانا يخططان لإخراجي من حياتي نفسها.
استخدما كلمات لطيفة لإخفاء نواياهما الحقيقية.
التخطيط للمستقبل.
السلامة.
الانتقال إلى مرحلة جديدة.
لكن الأوراق التي وجدتها بين ملفات كريم كشفت الحقيقة كاملة. فقد كان سيف يستخدم حاسوب والده القديم أحيانًا، وترك خلفه نسخًا مطبوعة ورسائل لم يتوقع يومًا أن تقع بين يدي..
مسودة طلب قانوني.

مقترح لإخضاعي لتقييم طبي.
ورسائل متبادلة مع أحد أقارب أحلام العاملين في رعاية المسنين.
ثم وجدت الملاحظة التي جعلت الدم يبرد في  .
كانت بخط يد سيف نفسه.
وجاء فيها
إذا اعترضت، ركزوا على ارتباكها بعد وفاة أبي. عدم استقرارها العاطفي. النسيان. المخاوف المتعلقة بسلامتها.
ظللت أحدق في تلك الكلمات عشر دقائق كاملة.
النسيان؟
ابني نفسه الذي نسي عيد ميلادي لعامين متتاليين…
كان يستعد ليصفني بالناقصة الذاكرة أمام المحكمة.

وزوجته التي كانت تسألني مرارًا عن أبسط المعلومات…
كانت تستعد  في قدرتي على إدارة شؤوني.
عندها أدركت شيئًا  .
بيع المنزل لم يكن انتقامًا.
بل كان حماية.
أما  الحقيقي…
فكان موجودًا داخل ذلك الظرف الذي بدأ سيف يفتحه بيدين مرتجفتين، دون أن يعلم أن أول سطر فيه سيُسقط الخطة التي أمضى شهورًا يبنيها حجرًا فوق حجر.
لم يكونا ينتظران أن أعجز عن إدارة حياتي.
كانا يستعدان فقط لإقناع الآخرين بأنني أصبحت عاجزة.
التقط سيف الظرف.
كانت يداه .
وذلك أسعدني أكثر مما توقعت.
في الداخل كانت هناك رسالة واحدة.

بخط يدي.
لم أكتبها بخط اليد لأن ذلك أسهل من الطباعة.
بل لأنني أردته أن يرى شيئًا واحدًا بوضوح…
أن يدي ما زالت ثابتة.
وأن عقلي ما زال حاضرًا.
فتح الرسالة وبدأ يقرأ
سيف…
مفتاحك لم يعد يعمل لأن هذا المنزل لم يعد منزلي.
من مكاني رأيت كتفيه يتصلبان.
اقتربت أحلام منه وقالت بقلق
ماذا كتبت؟

لكنه لم يجب.
واصل القراءة.
المنزل الذي أمضيت أنا ووالدك اثنين وثلاثين عامًا نسدد ثمنه قد تم بيعه بصورة قانونية ونهائية قبل عودتكما. وكل الإجراءات اكتملت وفق الأصول.
رفع سيف رأسه فجأة.
وأخذ ينظر حوله.
وكأنه ينتظر أن يخرج كريم من إحدى الغرف ويخبره أن كل ما يحدث مجرد سوء فهم.
لكن كريم كان قد رحل إلى رحمة الله منذ سنوات.
ولأول مرة…

كنت أنا أيضًا قد رحلت من حياته.
تابعت الرسالة
وقبل أن تصفني بالمبالغة أو الاضطراب أو فقدان القدرة على اتخاذ القرار، أود أن أخبرك أن محاميّ يحتفظ بنسخ من الرسالة الصوتية التي تركتها بالخطأ، ومن المراسلات المتعلقة بالوصاية القانونية، ومن المقترحات التي ناقشتما فيها إخضاعي لتقييم طبي، ومن الحسابات المالية التي بنيتما عليها خططكما بعد وضعي تحت وصاية قانونية وإبعادي عن إدارة شؤوني بنفسي.
خطفَت أحلام الرسالة من يده.
ورأيتها تقرأ السطور بسرعة.
سطرًا.
ثم آخر.

ثم آخر.
وفجأة اختفى اللون من وجهها.
في تلك اللحظة حاول سيف استعادة الرسالة منها.
لكنها أبعدتها عنه.
وبدآ يتجادلان.
بعصبية واضحة.
كان المنزل الفارغ يعكس الأصوات بين جدرانه.
لم أستطع سماع الكلمات من تلك المسافة.
لكنني عرفت النغمة جيدًا.
أحلام تلقي اللوم.
وسيف ينكر.

وكلاهما يشعر  .
ثم واصلت الرسالة
لقد قلت إنني عبء.
وكنت مخطئًا.
فالعبء هو ما يُحمل كرهًا.
أما أنا فقد حملت هذه العائلة برضاي عشرات السنين.
حملت مسؤولية تربيتك.
وحملت مصاريف دراستك.
وحملت أعباءك المالية كلما ضاقت بك الدنيا.
وحملت أخطاءك التي كنت أخفيها عن والدك حتى لا تنكسر صورته عنك.
وحملت صمت والدك عندما كان يختار العمل لساعات طويلة بدلًا من الدخول في نقاشات مؤلمة معك.
نعم…
لقد حملت أكثر مما ينبغي.

السابق1 من 2
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى