قصص و روايات

امرأة عملاقة

مزارع استعان بشابة قوية غير تقليدية مقابل أجر رمزي… ولم يتخيل أحد ما ستفعله بمصيرهما! ضحك الجميع عندما اصطحب المزارع خواكيم تلك الشابة التي يبلغ طولها نحو مترين، بعدما رفضها أصحاب المزارع الآخرون معتبرين إياها عديمة الفائدة في الأعمال الزراعية التقليدية. قالوا إن حجمها وضخامتها لا يتناسبان مع المهام الروتينية، وأنها لن تجلب لصاحبها سوى المتاعب بسبب رفضها للأوامر العشوائية.

 

لكن خواكيم نظر إليها بطريقة مختلفة، وكأنه رأى فيها شيئًا لم يستطع الآخرون ملاحظته. وفي تلك المسساء، اصطحبها إلى مزرعته، ليس لإجبارها على عمل شاق وغير مدروس، بل لاختبار قدراتها سرًا على إنجاز مهارات كبرى لم يخطر ببال أحد!

كان ذلك في صباح شديد الحرارة من شهر فبراير عام 1857، في الساحة المركزية لمدينة فاسوراس، الواقعة في المناطق الداخلية من ريو دي جانيرو بالبرازيل. وكانت منطقة وادي بارايبا تعج برائحة القهوة وعرق العمال. تجمع عشرات المزارعين وأصحاب الأراضي حول سوق العمل المحلي، حيث كان العمال المستقلون والمهاجرون يعرضون خدماتهم للحصول على عقود موسمية.

وعندما جاء دور بنديتا، خيم الصمت على المكان، ليس إعجابًا بها، وإنما بسبب مظهرها غير المعتاد. كانت المرأة تبلغ من الطول نحو 195 سنتيمترًا، كتفاها عريضان، ويداها ضخمتان، وقدماها حافيتان تتركان آثارًا واضحة على الأرض الترابية. كان ثوبها القطني البسيط يعكس حياة الكفاح والترحال، بينما كانت عيناها الداكنتان تحدقان في الأفق بثبات غريب.

اقترب منها مسؤول السوق وقال بصوت عالٍ: «اسمها بنديتا، تبلغ الثالثة والعشرين من عمرها، وجاءت من منطقة ريكونكافو بايانو بحثًا عن عمل حر. إنها قوية للغاية، ولكن المشكلة أن أربعة أصحاب مزارع سابقين استغنو عنها؛ لأنها ترفض الأعمال البسيطة التي لا تتناسب مع قدراتها، ولأنها تتمرد حين تُعامل باستخفاف!»

ثم أضاف المسؤول باهستهزاء أنها لا تصلح للقطف العادي ولا للخدمة المنزلية، وأنها لا تجلب سوى الصداع لمن يظظفها. بدأ المزاد أو التفاوض على الأجر اليومي بسعر زهيد للغاية، لكن أحدًا لم ترفع يده لطلبها. واستمر المسؤول في تخفيض العشرات من السنتات من أجرتها المفترضة، بينما بدأ أصحاب المزارع ينصرفون.

وفجأة، انطلق صوت عميق من مؤخرة الساحة: «أنا أستأجرها بالحد الأدنى المعروض لليوم الواحد!» التفت الجميع نحو صاحب الصوت. كان اسمه خواكيم لاسيردا، مالك مزرعة سانتو أنطونيو، وهي مزرعة متوسطة الحجم تضم نحو 320 هكتارًا من زراعات القهوة، ويعمل فيها نحو ثمانين شخصًا بشكل حر. كان خواكيم في أوائل الخمسينيات، شعره رمادي ولحيته مشذبة، ويرتدي ملابس بسيطة ونظيفة. لم يكن ثريًا أو صاحب نفوذ، بل كان مزارعًا مثقلًا بالديون، يحسب كل قرش ينفقه ويواجه شبح خسارة أرضه.

انفجر الحاضرون في الضحك. «هل استأجرت تلك العملاقة التي لا تنفع لشيء؟ لا بد أن خواكيم فقد عقله!» لكن المسؤول، الذي شعر بالارتياح للتخلص من عقدها اليومي، أتم الاتفاق. تقدم خواكيم نحو بنديتا، ومد يده بصتر احترام قائلاً: «أنا خواكيم، فهل تقبلين العمل معي في مزرعتي؟» نظرت إليه بنديتا بدهشة، ثم أومأت برأسها وسارت خلف حصانه نحو مزرعته التي تبعد ثلاثة كيلومترات.

لم يتحدث إليها طوال الرحلة التزاماً بالوقار، وعندما وصلا مع اقتراب المساء، اصطحبها إلى منزل ضيافة خشبي نظيف ملحق بالمزرعة، قدم لها وجبة دافئة، ثم جلس قبالتها على طاولة خشبية وقال بصوت هادئ: «أعلم أنهم وصفوك بالمتمردة، فلماذا رفضت العمل في المزارع السابقة؟»

نظرت إليه بثبات وقالت بصوت أجش: «لأنهم أرادوني أن أحمل ما لا يُطاق بأجور بخسة، وكانوا يعاملونني كآلة لا تحس، لا كعاملة بشرية تمتلك عقلًا ومهارة.» ابتسم خواكيم وقال: «أنا لا أبحث عن آلة، بل أبحث عن شريكة عمل تمتلك كفاءة حقيقية لم يستطع أحد توظيفها في مكانها الصحيح.»

ثم بدأ خواكيم يروي لها قصته؛ كيف توفيت زوجته وبقي وحيدًا مع مزرعته المثقلة بالديون لصالح البارون أراوخو، أقوى رجل في المنطقة، بمبلغ كبير من عملة الريس القديمة. وإذا لم يسدد الدين قبل نهاية العام، فسيستولي البارون على مزرعته بالكامل. ثم أضاف أن البارون ينظم كل عام مسابقة كبرى لإدارة وتطوير الأراضي الزراعية وهندسة الري وبناء السدود الريفية، ويشارك فيها كبار المزارعين ومديرو الأراضي، والفائز يحصل على جائزة مالية ضخمة تكفي لسداد الديون ومضاعفة الإنتاج عشرات المرات.

سألتها بنديتا باستغراب: «ولماذا تخبرني بكل هذا؟» أجاب خواكيم بثقة: «لأنني رأيت فيك طاقة هائلة وذكاءً حادًا وقدرة استثنائية على التحمل والتنظيم، وهي مهارات تحتاجها مسابقة تطوير الأراضي الكبرى، لكن أحدًا لم يمنحك الفرصة لإبرازها.»

عرض عليها صفقة عادلة: «سأدربك ونشترك معًا في مسابقة التطوير الكبرى بصفتك مهندسة ومشرفة ميدانية شريكة معي. وإذا فزنا، فسأقسم الجائزة بيننا بالتساوي، وتحصلين على رأس مال يكفي لبناء مستقبل مستقل تمامًا في أي مكان تختارينه.»

ترددت بنديتا قليلًا، ثم تذكرت سنوات التجوال والرفض في المزارع السابقة، ورأت الصدق في عيني خواكيم، فقالت بحزم: «أوافق، ولكن بشرط أن تُعاملني كشريكة عمل حقيقية لا كأجيرة.» أومأ خواكيم موافقًا بكل احترام.

بدأ العمل الجاد في اليوم التالي. لم يكن تدريباً قتالياً، بل كان برنامجاً علمياً وعملياً مكثفاً لتطوير مهارات إدارة الأراضي والتحمل الهندسي وبناء السدود الزراعية المصغرة وشق قنوات الري بمهارة عالية. كان خواكيم يمتلك كتباً هندسية قديمة، بينما كانت بنديتا تمتلك طاقة جبارة وذكاءً عملياً مذهلاً في توزيع الجهد وحل المشكلات الميدانية المعقدة بسرعة وبدقة متناهية.

تدربت شهوراً طويلة طوال فترة الصيف والخريف، وأصبحت قادرة على إنجاز مهام شاقة تتطلب عادة خمسة عمال بمهارة وكفاءة مذهلتين. تحولت قوتها البدنية الهائلة إلى طاقة تنظيمية وهندسية فذة تستطيع التحكم بها بدقة تامة.

وفي أوائل شهر ديسمبر، حان موعد المسابقة السبرى التي أقيمت في أراضي البارون أراوخو الواسعة. زُين المكان بالفوانيس، وامتلأت الساحة بالمزارعين والمهندسين والتجار، وفي المقصورة الرئيسية جلست إدواردا، ابنة البارون، وهي تشرف على اختبارات الكفاءة وإدارة الأراضي بدقة حادة.

عندما وصل خواكيم وبرفقته بنديتا كشريكة ومنافسة رسمية، ساد صمت مذهل تلاه بعض الهمسات الساخرة من الحضور الذين استغربوا مشاركة شابة بهذه الضخامة في مسابقة هندسية وزراعية. لكن إدواردا وقفت في مقصورتها وراحت تراقبها باهتمام بالغ وفضول مهني واضح.

بدأت المسابقة بمراحلها المختلفة؛ تضمن التحدي الأول بناء سد ترابي مصغر لمنع تدفق مياه الأمطار العشوائية نحو حقول القهوة وحماية المحصول في أسرع وقت وبأعلى كفاءة هندسية. اندفع المتنافسون باستخدام المعدات التقليدية، بينما راحت بنديتا تدير العمل مع خواكيم بخطوات مدروسة وقوة تحمل مذهلة، مستخدمة تقنيات مبتكرة في رص التراب وتثبيته. انتهت المرحلة الأولى بفارق مذهل لصالح فريق خواكيم وبنديتا، وسط دهشة الحاضرين.

وفي التحدي الثاني الخاص بتنظيم وتطوير قطاع واسع من الأراضي البور وتحويلها إلى أراضٍ صالحة للزراعة خلال ساعات معدودة، أثبتت بنديتا كفاءة فائقة في تنظيم حركة العمل وتوجيه الموارد بحكمة وذكاء مدهش، متفوقة على كبار مديري المزارع في المنطقة دون أي نزاع أو عنف، بل بالاعتماد المطلق على التفوق المهني والقدرة البدنية والذهنية الفذة.

وعندما وصلت المسابقة إلى مراحلها النهائية عند غروب الشمس، كانت المنافسة محتدمة بين فريق خواكيم وفريق هندسي يمثله أحد كبار مساعدي البارون. وقفت إدواردا من مقصورتها واقتربت من موقع العمل، ثم نظرت إلى بنديتا بإعجاب قائلة: «أنتِ تمتلكين كفاءة نادرة وعقلاً إدارياً فذاً، فهل ترغبين في العمل مديرة رئيسية لمزارعي الخاصة؟»

مسحت بنديتا عرقها بظهر كفها وقالت بحزم واحترام: «أنا شريكة هنا، ولست للتوظيف التابع، ومستقبلي أصنعه بنفسي.» ابتسمت إدواردا باحترام شديد وألقت نظرة إقرار بالتميز. ومع إعلان النتائج النهائية، حقق فريق خواكيم وبنديتا المركز الأول بجدارة واستحقاق كبيرين وسط تصفيق حار من الجميع.

تقدمت إدواردا وسلمت خواكيم حقيبة الجائزة الكبرى قائلة: «لقد فزتم باستحقاق كامل بفضل الكفاءة والتخطيط المتميز.» فتح خواكيم الحقيبة، وأحصى المال، ثم قسمه بدقة إلى نصفين متساويين، وسلم بنديتا حصتها كاملة أمام الجميع. ارتجفت يداها وهي تمسك المال الذي يمثل حرية استقلالها المالي والمهني. ابتسم خواكيم بتعب وفخر وقال: «لقد أنقذنا مزرعتنا وصنعنا مستقبلنا معًا.»

وبعد أشهر قليلة، غادرت بنديتا المزرعة ومعها حصتها الكبيرة، وملابس جديدة، وخطط واضحة لتأسيس مشروعها المستقل. أما خواكيم، فقد سدد ديونه بالكامل ورمم مزرعته طوّر إنتاجها.

ولم يتقابلا لسنوات طويلة، لكن بعد عقود، عندما تقدم العمر بخواكيم ورحل بسلام، عُثر بجانب سريره على رسالة قصيرة من بنديتا التي أصبحت رائدة أعمال ناجحة ومالكة لمؤسسة زراعية كبرى في مدينة سلفادور، حيث كتبت فيها بامتنان عميق:
«شكرًا لأنك رأيت كفاءتيحين لم يرى الآخرون سوى مظهري.. لقد منحتني الفرصة لأثبت نفسي وأصنع مجدي بيديه.»
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى