منوعات

خادمة الشيخ

من غير نقاش، وكانت شايفة إن أي تقصير لازم يكون له حساب.
لكنها لما عرفت تفاصيل اللي حصل، بدأت تراجع نفسها.
هل كانت فعلًا بتطلب من العاملين أكتر من طاقتهم؟
هل كانت بتعتبر إن الموظف اللي ما بيشتكيش يقدر يتحمل أي كمية شغل؟
وهل كانت فاكرة إن السكوت معناه إن كل شيء تمام؟
في نهاية اليوم، راشد طلب منها تقابله مرة تانية.
دخلت مكتبه وهي متوترة.
قال لها
نوال، أنا عايز الشغل في القصر يفضل منظم، وعايز كل حاجة تكون جاهزة. لكن ده مش معناه إن الناس تشتغل من غير راحة.
نوال ردّت
مفهوم يا سيدي.
راشد كمل
لو فيه شغل إضافي، لازم يتوزع بشكل عادل. ولو حد تعب، لازم يكون عنده فرصة يرتاح. أنا مش عايز أسمع إن موظف اضطر يكمّل شغله وهو مش قادر، خوفًا من إنه يخسر وظيفته.
نوال نزلت عينيها.
حاضر يا سيدي. هراجع الجداول بنفسي.
راشد قال
كويس. أنا عايز القصر يفضل مكان منظم، لكن كمان عايز الناس اللي بتشتغل فيه تحس إنها بشړ، مش مجرد أسماء في جدول.
الكلام كان واضحًا، وما كانش فيه ټهديد أو إهانة.
نوال خرجت من المكتب وهي عارفة إن نظام الشغل هيتغير فعلًا.
أما مريم، فكانت في نفس الوقت بتجهز نفسها عشان ترجع البيت وتطمن على والدتها، وهي حاسة إن حملًا كبيرًا اتشال من على قلبها.
لكن ليه الشيخ راشد اتصرف بالطريقة دي؟
في المساء، كان راشد قاعد لوحده في مكتبه، قدامه أوراق الشغل، لكنه ما كانش مركز فيها.
كان بيفكر في مريم، وفي الطريقة اللي اتكلمت بيها وهي خاېفة.
ما كانش شايف نفسه بطلًا لأنه سابها تنام، ولا كان شايف إن اللي عمله شيء يستحق كل الدهشة دي.
بالنسبة له، كان التصرف الطبيعي.
هو ما كانش هيقبل إن حد يدخل غرفته من غير إذن، لكنه كمان ما كانش مقتنع إن الغلط لازم يتعالج بالإهانة أو العقاپ القاسې.
افتكر والدته، اللي كانت دايمًا تقول له وهو صغير
يا راشد، لما تكبر ويبقى عندك ناس بتشتغل عندك، افتكر إنك بتدفع لهم مقابل شغلهم، مش بتشتري كرامتهم.
الكلمات دي فضلت معاه سنين طويلة.
ومع إنه كان رجلًا صارمًا في العمل، وكان بيتوقع من الناس الالتزام، لكنه كان مؤمنًا إن المسؤولية مش معناها إن الإنسان يبقى قاسيًا.
فتح درج مكتبه، وطلع صورة قديمة لوالدته وهي واقفة في مطبخ بيتهم.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ثم رجّع الصورة مكانها، ورجع يبصّ للأوراق.
كان عارف إن مريم مش الوحيدة اللي ممكن تكون بتشتغل وهي تعبانة، وإن فيه موظفين كتير بيسكتوا عن احتياجاتهم خوفًا من فقدان وظائفهم.
وعشان كده، قرر إن التغيير لازم يكون حقيقيًا، مش مجرد رد فعل لموقف حصل في ليلة واحدة.
في الأيام اللي بعدها، اتراجع جدول الشغل، واتوزعت المهام بطريقة أفضل،
وبقى فيه وقت راحة محدد لكل مجموعة من العاملين.
ولأول مرة من فترة طويلة، بدأ الموظفون يحسوا إن بإمكانهم يقولوا إنهم مرهقون من غير ما يخافوا إن ده معناه إنهم مقصرون.
أما مريم، فرجعت بعد يومين من الراحة، وهي أكثر هدوءًا وثقة.
دخلت القصر، وبدأت شغلها كالمعتاد.
لكنها لما مرت قدام جناح الشيخ، وقفت للحظة وبصّت للباب.
افتكرت الليلة اللي نامت فيها من غير قصد، واللحظة اللي صحيت فيها وهي خاېفة على مستقبلها.
ما كانتش تتخيل إن غلطة صغيرة زي دي ممكن تكشف مشكلة أكبر، وتغيّر طريقة التعامل مع العاملين كلهم.
وفي نفس الوقت، فهمت إن الاعتذار والاعتراف بالغلط مش دايمًا بيؤديان للعقاپ، وإن فيه أشخاص ممكن يسمعوا الحقيقة قبل ما يحكموا على صاحبها.
النهاية اللي ما حدش توقعها!
بعد مرور أسبوع، كانت مريم بتجهز بعض الأغراض في الدور التاني، لما قابلت الشيخ راشد في الممر.
وقفت على جنب بسرعة، وانحنت باحترام.
صباح الخير يا سيدي.
راشد ردّ
صباح الخير يا مريم. عاملة إيه؟
السؤال البسيط فاجأها، لأنها ما كانتش متعودة إن الشيخ يسألها عن حالها.
الحمد لله يا سيدي، كويسة.
والدتك أخبارها إيه؟
مريم رفعت عينيها بدهشة.
الحمد لله، أحسن شوية. شكرًا لسؤالك يا سيدي.
هزّ رأسه.
كويس. وخلي بالك من نفسك.
مريم ابتسمت بخجل.
حاضر يا سيدي.
وبعد ما مشي، فضلت واقفة للحظات، مش لأنها كانت بتتوقع منه معاملة خاصة، لكن لأنها اكتشفت إن الشخص اللي كانت شايفاه بعيدًا جدًا عنها، ممكن يتعامل معاها باحترام من غير ما يقلل من شأنه أو من شأنها.
أما راشد، فكمّل طريقه لمكتبه، وهو عارف إن احترام العاملين مش محتاج خطب طويلة، ولا قرارات استثنائية في كل مرة.
أحيانًا بيبدأ من حاجة بسيطة جدًا إنك تسمع الشخص قبل ما تحكم عليه.
ومن يومها، بقت مريم أكثر حرصًا على شغلها، لكنها ما عادتش تخاف من إنها تطلب الراحة لما تكون محتاجاها.
والشيخ راشد ما نسيش اللي حصل، لأنه كان درسًا له هو كمان.
درس إن القصور الكبيرة ممكن تكون مليانة أثاث غالي، وأسرّة فاخرة، وستائر من أغلى الأقمشة، لكن كل ده مالوش قيمة لو الناس اللي بتحافظ على المكان بتتعب في صمت، ومحدش بيسأل عنها.
أما العاملون في القصر، ففضلوا يحكوا عن اللي حصل في الليلة دي لفترة طويلة.
بعضهم كان بيقول إن مريم كانت محظوظة لأنها نامت في الغرفة الليلة اللي رجع فيها الشيخ.
لكن مريم كانت بترد كل مرة
أنا ما كنتش محظوظة إني نمت على سريره. أنا كنت مرهقة، وده كان غلط مني. لكن اللي أنا ممتنة له فعلًا إنه سمعني، وفهم إني ما كنتش أقصد أعمل حاجة غلط.
وفي النهاية، ما كانش أكتر شيء صدم الجميع إن الشيخ راشد سمح لخادمة تنام على سريره.
اللي صدمهم فعلًا إنه، بدل ما يستخدم سلطته عشان يعاقبها على لحظة ضعف، استخدمها عشان يمنع تكرار السبب اللي وصلها للمرحلة دي.
لأن القوة الحقيقية مش إنك تقدر تطرد شخصًا في ثانية، ولا إن كل اللي حواليك يخافوا منك.
القوة الحقيقية إنك تقدر تحاسب على الغلط، وفي نفس الوقت تفضل عادلًا.
وإنك تفتكر، مهما كان منصبك أو حجم ثروتك، إن الشخص اللي بيخدمك إنسان عنده تعب وبيت ومسؤوليات، وإن كرامته مش أقل من كرامتك.
ومريم؟ رجعت لشغلها، وكملت حياتها، لكن الليلة دي فضلت علامة فارقة في ذاكرتها الليلة اللي دخلت فيها غرفة الشيخ وهي بالكاد قادرة تقف على رجليها، وخرجت منها في اليوم التالي وهي عارفة إن الرحمة ممكن تغيّر حياة إنسان، أكتر بكتير
من أي عقۏبة.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى