
كلير حبيبتي، لو وصل لك الجواب ده يومًا، يبقى غالبًا أنا فضلت جبان لحد ما خسرتك. أنا ما رفضتش دانيال لأنه فقير، ولا لأنك اخترتيه بدل عيلتنا. أنا رفضته لأنني كنت أعرف إنه الشخص اللي تسبب في الحاډث اللي ماټت فيه زوجتي، أمك، قبل ما يتعرف عليكي.
إيدي بدأت ترتعش.
كملت القراءة وأنا مش مصدقة.
من سنين طويلة، دانيال كان سايق عربية الشركة اللي كان بيشتغل فيها، لما عربية تانية قطعت عليه الطريق. حاول يتفاداها، وفقد السيطرة للحظات، واتسبب في حاډث أصيبت فيه والدة كلير إصابة خطېرة. دانيال ما كانش يعرف هوية الست وقتها، وما كانش هو المتسبب الوحيد في الحاډث، لكن روبرت استغل الواقعة علشان يحمّله الذنب كله.
الأصعب من كده، إن روبرت كان عنده تقرير رسمي بيأكد إن سائق العربية التانية هو المسؤول الأساسي عن الحاډث، وإن دانيال حاول يساعد المصابين واتعاون مع الشرطة.
لكن روبرت أخفى التقرير عن كلير.
كان مقتنع إن دانيال، مهما كانت براءته القانونية، مش الشخص المناسب لبنته، وإنه لازم يمنع الجوازة بأي طريقة. ولما كلير رفضت تسيبه يتحكم في حياتها، طردها من البيت وقطع علاقته بيها.
أما دانيال، فكان يعرف إن عيلة كلير بتتهمه بالتسبب في الحاډث، لكنه ما كانش يعرف إن والدها مخبّي الدليل اللي يبرّئه من جزء كبير من اللوم.
قفلت الجواب، وحطيت إيدي على وشي.
ابني ما كانش ملاكًا، لكنه ما كانش المچرم اللي روبرت صوّره في خياله. وكلير ما كانتش مجرد بنت عنيدة رفضت تسمع كلام أبوها. كانت بنت اتطلب منها تختار بين حبها وبين عيلتها، واختارت تعيش مع الراجل اللي بتحبه، من غير ما تعرف إن والدها ډفن الحقيقة معاها.
تاني يوم، اتصل بيا نيت وطلب مني أروح المستشفى.
لما وصلت، لقيت ميريديث واقفة قدام غرفة أبوها، وعينيها حمرا من العياط.
قالت لي بابا عايز يشوفك. وفيه حاجة لازم تسمعيها منه بنفسك.
دخلت الغرفة، ولقيت روبرت أضعف من المرة اللي فاتت. كان بيتنفس بصعوبة، لكن أول ما شافني، أشار لي أقرب.
ولما ما قدرتش أفرّق بينهم، عاقبتها هي.
قلت له پغضب وبدل ما تقول لها الحقيقة، حرمتها من أهلها؟ وحرمت حفيدتك من إنها تعرفك؟
هزّ راسه، وصوته اتكسر أنا كنت غلطان. وكل سنة كانت بتعدي، كنت بقول لنفسي إني هصلّح كل حاجة بكرة. لحد ما بكرة بقى متأخر.
سكت لحظة، وبعدين مدّ لي ملفًا صغيرًا.
ده التقرير الأصلي، ومعاه المستندات اللي كنت مخبيها. مش بطلب منك تسامحيني، لكن عايز الحقيقة توصل لليلى. مش عايزها تكبر وهي فاكرة إن أمها كانت منسية أو إن أبوها كان سبب خلاف العيلة.
أخدت الملف، وقلت له الحقيقة هتوصل لها لما تبقى قادرة تفهمها، لكن مش هسمح لك تستخدمها علشان تشتري مكان في حياتها.
هزّ راسه بالموافقة.
وبعدين سألني بصوت ضعيف ممكن أشوفها؟ ولو لدقايق؟
بصّيت له طويلًا.
كنت أقدر أرفض، وأقول إنه ما يستحقش يشوف حفيدته بعد كل السنين دي. لكن ليلى ما كانتش مسؤولة عن أخطاء الكبار، وما كنتش عايزة أحرمها من فرصة تختار بنفسها.
قلت له هجيبها، لكن مش علشانك. علشان هي تستحق تعرف عيلتها، وتقرر بنفسها إذا كانت عايزة تقرّب منهم ولا لأ.
في اليوم التالي، أخدت ليلى للمستشفى.
كانت ماسكة إيدي، وخاېفة شوية من المكان. ولما دخلنا الغرفة وشافت روبرت، فضلت واقفة ورايا.
ابتسم لها ابتسامة ضعيفة وقال إنتِ ليلى؟
هزّت راسها.
أنا جدك يا حبيبتي. وعارف إنك ما تعرفينيش، وعارف إني اتأخرت كتير.
ليلى بصّت له، وبعدها سألت السؤال اللي ما كانش عنده إجابة سهلة
إنت ليه ما جيتش تشوف ماما وأنا صغيرة؟
روبرت نزل عينيه، وقال علشان كنت أناني وخاېف، وافتكرت إن رأيي أهم من سعادة أمك. وأنا آسف.
ليلى ما جرتش تحضنه، وما قالتلوش إنها سامحته. قربت منه بهدوء، وحطت رسمة صغيرة على الترابيزة.
كانت رسمة للعيلة أنا، وهي، وأمها وأبوها على هيئة نجمتين، ووراهم ميريديث ونيت وروبرت.
قالت له دي عيلتي. ممكن تبقى فيها، بس لازم ما تزعلش ماما تاني.
روبرت بكى، ومدّ إيده ناحية الرسمة، كأنه بيمسك فرصة أخيرة كان فاكر إنها ضاعت منه للأبد.
بعد يومين، ماټ روبرت هاريسون.
ما ورثناش منه ثروة، وما طلبناش منه حاجة. ميريديث ونيت احترموا قراري، وما حاولوش يدخلوا حياتنا بالقوة. لكنهم فضلوا يزورونا، وبالتدريج بقت ليلى تعرف خالتها وخالها، وتسمع حكايات عن أمها وهي صغيرة.
أما الخاتم، فميريديث سلّمته لليلى في علبة مخملية، ومعاه رسالة من جدتها الراحلة، كانت كاتبة فيها إنها تتمنى إن الخاتم يفضل مع أول حفيدة في العيلة، ويفكرها إنها محبوبة مهما كانت الظروف.
ليلى لبسته مرة واحدة بس، وبعدها رجعته للعلبة وقالت لي هحتفظ بيه لحد ما أكبر، يا تيتا. دلوقتي أنا مش محتاجة خاتم علشان أعرف إن ماما بتحبني.
حضنتها، ودموعي نزلت من غير ما أحاول أخبيها.
بعد شهور، بدأت أفهم إن العيلة مش عدد الأشخاص اللي بيحملوا نفس الاسم، ولا حجم الثروة اللي سايبينها وراهم. العيلة هي الناس اللي يختاروا يفضلوا جنبك، واللي يعترفوا بأخطائهم، واللي ما يطلبوش منك تدفع تمن أخطاء غيرك.
روبرت ما قدرش يرجّع السنين اللي ضاعت، ولا يمسح الۏجع اللي سببه لبنته. لكن الحقيقة خرجت للنور أخيرًا، وليلى ما بقتش لوحدها زي ما كانت فاكرة.
وفي يوم، وأنا بعلّق رسمتها الجديدة على التلاجة، لقيتها رسمانا كلنا واقفين جنب بعض، وفوقنا نجمتين كبيرتين.
سألتها هو ليه النجمتين أكبر مننا كلنا يا ليلى؟
ابتسمت وقالت علشان ماما وبابا هما اللي جمعونا من الأول.
ساعتها فهمت إن بعض الناس بيمشوا من حياتنا، لكن حبهم بيفضل موجود، وأحيانًا بيكون هو السبب اللي بيرجع العيلة لبعضها من جديد.
أما الخاتم، فكان مجرد قطعة ألماس ضاعت في ممر حلويات، واتلقت بالصدفة.
لكن الحقيقة اللي كانت مدفونة وراه هي اللي رجّعت لليلى جزءًا من عيلتها، وعلّمتنا كلنا إن الاعتذار ممكن ييجي متأخر، وإنه مش دايمًا بيصلّح كل حاجة لكنه على الأقل يقدر يوقف الكذب من إنه يكمل جيل جديد.




