
مدحت لسه مش حاسس بخطئته، رفع حاجبيه ببرود
قلتلك يا ليلى.. ما ينفعوش يخلطوا مع الناس دول. هيحسوا بنقص وهنحرج كلنا. عملت الصح!
حماته عفاف صړخت من ورانا بضحكة عالية
بالظبط يا
ابني! مش كل واحد يقدر يجلس على السفرة دي. ناس تربت وناس تربت غيرها!
سحبت هاتفي ببطء من جيبي، وضغطت على رقم كنت حافظاه من زمان وما تمنيتش أحتاج أتصل بيه يومًا. المحامي كمال كان صديق قديم لأبويا، ورجل قوي ونزيه. رد عليه بسرعة، وما كملت معاه كلام كتير، بس قلت له بالظبط اللي حصل
أريد تفعيل بنود عقد الإيجار اللي بيني وبين مدحت. الآن. وأريد إرسال إشعار رسمي بالإخلاء الفوري، مع إثبات استغلال الملكية بشكل يخالف شروط العقد والإساءة لأصحاب الحق. واريدك تيجي بنفسك ومعاك محضر استلام ومندوب من الحي، من فضلك خلال ساعة.
قفلت الخط، واتجهت لمدحت وعينيه في عينيه
الفلوس اللي دفعتها من مرتبي للعزومة دي، فاتورة سأرسلها لك غدًا. والآن، اتفضل اجمع أغراضك. المحامي جاي خلال ساعة، وبعد 48 ساعة هتكون بره البيت نهائيًا. العقد اللي وقعت عليه قبل الجواز بيقول بوضوح يحق لمالك العقار فسخ العقد فورًا في حال الإساءة أو الإخلال بشروط الانتفاع. وأنت عملت أكتر من كده. طردت أصحاب البيت من بيوتهم، وأهنت أهلي، واستخدمت بيتي لاستضافة ناس وتجريح من هم أطهر منكم
جميعًا.
مدحت ضحك بصوت عالٍ كأنني أتكلم بلهجة غريبة
إخلاء؟ وأنتِ هتعملي إيه؟ تطرحيني في الشارع ليلة عيد ميلادك؟ ده كلام فاضي يا ليلى! أنتِ مراتي، والبيت ده بيتي بالعرف والقانون!
العرف بيقول احترم أهل زوجتك واحمي بيتك رديت بثبات أما القانون فله كلام تاني تمامًا. البيت مسجل باسمي وأهلي، وأنت مجرد مستأجر بدون مقابل بشروط واضحة انتهكتها بنفسك قبل ساعات. ودي نسخة من العقد معي من أول يوم وقعناه عليه. أقراها بتركيز لو عايز تفهم موقفك الصحيح.
سحبت الملف من الدرج وسلمته إياه. فتحه بيد مترددة، وكلما قرأ سطر، تغير لون وجهه درجة أغمق من اللي قبلها. عفاف قامت من مكانها پغضب
إيه الكلام الفاضي ده؟ ده بيت ابني ومراته! مفيش قانون بيخرج راجل من بيته! أنتِ بتهدديينا يا قليلة الأصل؟!
أنا بطبق القانون فقط رديت ببرود وأي حد مش مقتنع، يقدر ينتظر المحامي ويكلمه بنفسه. الباب قدامكم. من فضلكم انصرفوا بكل احترام قبل ما الأمور تصل لمرحلة ما ترضيكموش ولا ترضيني.
الصالة كلها سكتت. الضيوف نظراتهم اتغيرت، بعضهم بدا محرجًا، وبعضهم همس مع بعض. مدحت وقف
متجمد مكانه، العقد في يده
المرتعش، وعيناه بتتحرك بسرعة بين السطور ومحاولة استيعاب الصدمة الكبيرة اللي وقع فيها من سنين وهو مش عارف.
بعد نصف ساعة، وصل المحامي كمال ومعه مندوب الحي وضابط شرطة لتنفيذ الحماية اللازمة. لما شافهم مدحت، بدأ يرتجف
ليلى.. يا حبيبتي.. ده جوازنا.. تعالي نتفاهم.. إحنا عيلة.. أنا آسف، هكلم بابا وماما ونروح نعتذر لهم بكره الصبح.. بس متعملش فيا كده أرجوكِ!
آسفة يا مدحت قلت وأنا ببعد خطوة الاعتذار كان لازم يكون قبل ما تقفل الباب في وشهم. قبل ما تصفهم بالشحاتين. قبل ما تجعلهم يقفوا في البرد ساعة كاملة ويرجعوا مكسورين الخاطر. أنا سكتّ كتير، وتنازلت أكتر من اللي ينبغي. لكن كرامة أهلي خط أحمر ما يتعداش أبدًا. والقرار اتخذ. غدًا الصبح الساعة 10، تكون بره البيت بكل أغراضك. وإن لم تكن، سيتم فتح الباب وإخراج محتوياتك بمحضر رسمي.
عفاف حاولت تصرخ وټتشاجر، لكن المحامي كمال تكلم بصرامة
سيدتي، أنتِ لستِ طرفًا في العقد، والمكان ملك للسيدة ليلى وأسرتها. من فضلكِ اخرجوا بكل هدوء، والا سنضطر لاستدعاء الشرطة لإخلاء المكان بالقانون. اختاروا الطريقة اللي تخرجوا
بيها، بكرامتكم أو بدونها.
بصوا لبعض، وبدأت الضيوف يخرجوا واحد وراء التاني، وبقوا مدحت وعفاف وحدهم في الصالة اللي كانت مليانة قبل ساعات. مدحت جمع أغراضه ببطء وعيناه مغرقان بالدمع والڠضب معًا. عفاف وقفت عند الباب وقالت بصوت مسموع
هتندمي على اليوم اللي عملتيه فيه كده.. عيلة مدحت ما تتنازلش بسهولة!
مش نازلة وراكم حاجة قلت وأنا بغلق الباب في وشهم بهدوء تام وأرجو عدم العودة أو التواصل إلا من خلال المحامي فقط. مع السلامة.
قفلت الباب، واتكأت عليه من الداخل، وسمعتهم بينزلوا السلال بصوت ثقيل وغاضب. لحظات بعدها، سمعت صوت محرك عربيتهم بتبعد، وبقيت وحيدة في الصالة الكبيرة اللي فاضت فجأة. لم أبكِ، لم أندم، فقط شعرت بثقل كبير انزاح من صدري. الټفت للمرآة وابتسمت لنفسي عيد ميلاد سعيد يا ليلى.. هدية السنة دي هي كرامتك اللي استرددتيها.
الجزء الثالث
بقيت واقفة لحظات، ثم مسحت على وجهي، التقطت هاتفي واتصلت بأبويا. رد علي بسرعة
ألو يا حبيبتي.. كل سنة وأنتِ طيبة، آسفين إننا مش جينا..
بابا، من فضلك تعال أنت وماما قلت بصوت دافئ البيت فاضي، وأنا محتاجاكم عندي.
رجاءً تعالوا.
صوته تغير بقلق
في حاجة حصلت؟ مدحت كويس معاكِ؟
تعالوا بس وأخبركم كل حاجة. بانتظاركم.
بعد ربع ساعة، سمعت جرس الباب. فتحت ووجدتهم واقفين قدامي، أمي لسه ماسكة بوكيه الرد، وأبويا بيحمل صندوق التورتة اللي كان نسيه في العربية. عانقتني أمي بقوة وهمست
كل سنة وأنتِ بألف خير يا روحي. ما يهمك حاجة يا بنتي، إحنا معاكِ دائمًا.
جلسنا معًا على السفرة، أكلنا التورتة البسيطة اللي كانت معاهم، وشربنا شاي دافئ، وحكيتهم كل شيء من الأول للآخر. أبويا سمعني بتركيز، وما انقطعنيش بكلمة واحدة، ولما خلصت، مسك يدي بيده الخشنة الدافئة وقال
أنا فخور بكِ يا ليلى. ما عملتيش غلط أبدًا. العشرة مش بعشرة المكان، بعشرة الكرامة والاحترام. واللي يهون عليكِ أهلك ما يستاهلكش يوم واحد من عمرك. قرارك سليم 100، وإن أردتِ الرجوع في أي وقت، البيت بيتك ومكانك محفوظ دائمًا.
مرت الأيام الأولى بصعوبة. مدحت حاول الاتصال بي مرات كتير، أرسل رسائل اعتذار تارة، وتهديدات تارة أخرى، لكنني لم أرد ولا مرة واحدة. المحامي كمال أخبرني بأنهم حاولوا يطعنوا في صحة العقد، لكن كل الأوراق




