
الجملة دي هزتني من الجوا. بنتي ذات الـ15 سنة كانت بتحارب لوحدها في الخفاء، وأنا الكبيرة الراشدة كنت غميت عيني عن الحقيقة عشان خايفة من المواجهة!
عدت ساعتين كأنهم سنتين. خرج الدكتور من أوضة العمليات، وهو بينزع الكمامة عن وشه. جريت عليه: “خير يا دكتور؟ مريم عاملة إيه؟”.
ابتسم الدكتور ابتسامة هادية وقال: “الحمد لله، لحقناها في آخر لحظة.. الزايدة كانت ملتهبة جداً وعلى وشك الانفجار، بس العملية تمت بنجاح، وقمنا بتنظيف التجمع الدموي والانسجة.. هي دلوقتي في غرفة الإفاقة وخلال ساعة هتنقل لغرفة عادية.. وتقارير الطب الشرعي بالنسبة للكدمات اتكتبت وأرفقت مع ملف القضية”.
وقع جسمي على الكرسي وأنا بتنفس لأول مرة من تلات أيام. دموع الارتياح اختلطت بدموع الندم.
بعد ساعتين، كانت مريم في الأوضة، المحاليل متوصلة بأيديها، ووشها بدأ يرجع له شوية لون بعد ما كان أصفر زي الليمونة. قعدت جنبها ومسكت إيدها.
فتحت عينيها بالراحة وبصتلي: “ماما.. بابا فين؟”.
قلت لها بثبات لأول مرة في حياتي: “بابا في المقر الصحيح ليه يا مريم.. في القسم، والبوليس قبض عليه، ومش هيقدر يقرب منك ولا مني تاني أبداً.. الحق خد مجراه، وأنا معاكي ومش هسيبك تاني لحظة واحدة”.
مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وغمضت عينيها براحة كأنها أول مرة تنام من غير خوف.
النيابة استدعتني تاني يوم عشان أقول أقوالي الرسمية. محمود كان قاعد في الكلبشات، وشه أسود ومعفر، كبر عشر سنين في ليلة واحدة. لما شافني، حاول يبصلي بنظرة التهديد القديمة وقال بصوت واطي: “أنتِ هتخربي بيتك بيدك؟ فاكرة إنك هتقدري تعيشي من غيري أنتِ وبنتك؟ مالكيش حد، وهتشهدي زور قصاد النيابة عشان تشوهي صورتي؟”.
وقفت قدامه بصلابة عمرها ما كانت عندي، وبصيت في عينيه مباشرة: “أنت اللي خربت البيت يوم ما حطيت إيدك على بنتك.. البيت اللي يتبنى على الخوف والأذى مش بيت، ده مكان ضيق.. وأنا ومريم خرجنا من المكان ده خلاص.. والشهادة اللي هقولها جوة هي الحقيقة كاملة، ومش هسيبك لحد ما تاخد جزاء كل نقطة أذى مريم حسيتها أو كل دمعة نزلت من عينيها”.
دخلت وكيل النيابة وقدمت كل الأدلة.. التسجيلات الصوتية، تقرير المستشفى، تقرير الطب الشرعي عن الكدمات، وشهدت برفضه علاجها وإهماله العمدي اللي كان هيؤدي لوفاتها.
محمود حاول ينكر، وقال إن الموبايل متفبرك وإن الأم والبنت متفقين عليه بسبب خلافات زوجية، بس تقرير الطب الشرعي والتسجيلات الموثقة بتاريخ ووقت معين قطعوا عليه كل طرق الهروب. وكيل النيابة أمر بحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق مع التجديد، وتحويل القضية لمحكمة الجنايات بتهمة الأذى والاعتداء على قاصر والإهمال العمدي المؤدي للخطر.
خلال الأيام اللي بعد كده، مريم بدأت تتعافى جسدياً ونفسياً. خرجنا من المستشفى ورجعنا البيت.. البيت اللي كان بيمثل لينا مكان مرعب.
أول حاجة عملتها إني لميت كل هدوم محمود ومقتنياته وحطيتها في شنط ورميتها في المخزن، غيرت كوالين الشقة كلها، وفتحت الشبابيك عشان الهوا النظيف يدخل، الريحة الكتمة اللي كانت مالية البيت اختفت.
اكتشفت بعد مراجعة الأوراق إن محمود كان بيدخل في ديون على مواقع إلكترونية، وشارب ديون طائلة، وكان ناوي يبيع الشقة اللي أحنا قاعدين فيها بعقد مزور من ورايا. الغدر كان متكامل، بس ربنا أنقذنا في الوقت المناسب عن طريق الوجع اللي حسيت بيه مريم.
رفعت قضية انفصال للضرر، وقضية اسقاط حضانة وولاية حظر معاملة. المحامي بتاعي قال إن ملف القضية قوي جداً، ومفيش أي أمل لمحمود إنه يخرج براءة أو يرجع يتحكم في حياة مريم.
بعد ست شهور..
كنا قاعدين في الصالة، الشمس كانت داخلة من الشباك ومغرقانا دفا. مريم كانت قاعدة على السفيرة وبتذاكر، وشها أبيض وردي، ضحكتها رجعت تاني تملا البيت.
مريم بصتلي وقالت: “ماما.. أنا كتبت مقال للمجلة بتاعة المدرسة عن الشجاعة.. حكيت فيه عن البنت اللي كانت خايفة من الضل، لحد ما اكتشفت إن الضل مالوش وجود لما بنولع النور”.
قربت منها وبست رأسها وقلت لها: “أنتِ اللي ولعتِ النور يا مريم.. أنتِ اللي أنقذتينا إحنا الاتنين”.
في اليوم ده، صدر الحكم النهائي على محمود بعقوبة مشددة، وحكم الانفصال بات ومستقر.
لما خرجنا من باب المحكمة، مسكت إيد مريم وقفت في الشمس. الهواء كان نقي، وما كانش فيه أي خوف مسيطر علينا. لأول مرة من سنين طويلة، حسيت إننا بنتنفس بجد، إن البيت بقي بيت، وإن مريم أخيرًا آمنة.
تمت. روايات_مشيره_محمد




