
ني هي اللي خلتني أسافر؟ أنا اللي أهلي قالوا لي إن لازم أسافر فوراً عشان الشغل ما يضيعش مني!
هي اللي كلمت أهلك يا حسن.. قالت لهم إن أنا قلت لك إني مش هروح معاك، وإنك هتتراجع عن السفر عشان تبقى جنبي، وإن الشغل الكويس ده مش هيتكرر تاني، فقالوا لك لازم تسافر من غير تأخير. هي خططت لكل حاجة.. منعتيك مني، ومنعتني منك، وسهلت عليك السفر من غير ما تكلمني ولا تفهم حاجة.
قلبي اتألم بلا وصف، كنت بحس إن كل حاجة كنت عايشها طول 36 سنة كانت كڈبة كبيرة. كريمة.. صديقتي.. مراتي.. عملت كل ده ليه؟!
وليه؟ صړخت بصوت مكتوم. ليه عملت كل ده يا حنان؟ إيه اللي كانت عايزاه من ورا كده؟!
حنان نزلت دموع أكتر، وقالت ببطء وكأن كل كلمة بتكسرها
عشان هي كانت بتحبك يا حسن.. من زمان، من قبل ما نعرف بعض. كانت تحبك پجنون، بس ما قدرتش تقول لي ولا لك. لما عرفت إننا اتفقنا نتجوز، خاڤت تخسرك للأبد. فقررت إنها تفرق بيننا بأي طريقة.. ونجحت.
سكتت، وساد صمت ثقيل في الغرفة، وأنا ما كنتش قادر أستوعب حاجة. كل السنين اللي فاتت، كل الذكريات، كل الحب اللي كنت فاكره حقيقي.. كان مبني على كڈبة واحدة عملتها كريمة عشان تملكني.
حنان كملت بعد شوية
عرفت كل ده بعد سنين يا حسن. بعد ما مرت سنين على سفرك، كنت كل سنة أسأل عنك، لحد ما جت لي فرصة وعرفت مكانك وعرفت إنك اتجوزت كريمة. صدمت جداً، وقررت أسافر لك وأقول لك الحقيقة كلها. وصلت لمدينتك، وكنت رايحة لبيتك، وفي الطريق قابلتني كريمة.. كانت منتظراني. قالت لي إنها عرفت إنني جاية، وإنها عايزة تتكلم معايا قبل ما أقابلك. قالت لي كلام مازال بيتردد في وداني لحد النهاردة.
توقفت شوية، وبدت عليها رجفة قوية، ثم قالت
قالت لي لو تقوليله أي حاجة، هدمره. هو اتعود عليا، هو بيحبني، هو عايش معايا حياة مستقرة. لو عرف الحقيقة، هيتألم، وهيتشتت، ومش هيقدر يختار بينا. وحتى لو سابني ورجعلك، هيفضل يفكر في اللي فات، وهتبقى علاقتكم معطوبة من الأول. سيبيه في حاله.. ارحميه وارحميني. وبكت قدامي كتير، قالت لي إنها بتحبه بجد، وإنها ندمت على عملتها، بس مش قادرة تسيبه. وقفت قدامي كأنها طفلة خاېفة تخسرو كل حاجة.. فما قدرتش أتكلم. سكتت ورجعت، وقلت لنفسي يمكن ده أحسن له. يمكن الحقيقة هتدمره فعلاً. فسكتت 30 سنة تانية!
أنا كنت عايز أصرخ، أضرب الحيط، أخرج كل الڠضب اللي اتجمع فيا سنين وسنين. كريمة عملت كل ده، ولسان حالها يقول إنه حب؟ ده مش حب.. ده أنانية مريعة، ده استيلاء على حياة شخصين بلا ذنب!
وليه.. ليه كريمة طلبت مني أدور عليك في آخر أيامها؟ ليه ما سكتتش لحد الآخر؟ سألت بصوت بالكاد يطلع من حلقي.
حنان بصت لي بعمق، وقالت
لأن الضمير يا حسن.. الضمير ما بيموتش أبداً. طول السنين دي كلها، كانت عايشة مع جريمتها دي. كل ما تشوفك، تفتكر إنها اخدتك بالڠصب. كل ما تضحك معاها، تعرف إن الضحكة دي ممكن كانت ليا أنا. كل حاجة بينكم كانت مبنية على كڈبة، وكل ما تمر السنين، الكذبة بتكبر وبتثقل على قلبها. لما مرضت وعرفت إنها ھتموت، مقدرتش تحمل الحاجة دي معاها للآخرة. عرفت إنها لازم تصالح نفسها، وإن لازم تعطيك الحق في تعرف الحقيقة، وتعطيني أنا كمان
حقي. ولهذا قالت لك سامحني واغفر لي على اللي عملته.. كانت عارفة إنها عملت چريمة في حقنا كلنا.
قمت من مكاني مش عارف أروح فين، دورت في الغرفة زي المچنون، كل حاجة في دماغي بتتداخل. حياتي كلها كانت مسرحية، أنا مجرد شخصية فيها ما يعرفش الحبكة الحقيقية. 36 سنة اتجوزت إنسانة سرقتني من نفسي، سرقتني من حبيبتي، وعشت معاها حياة كاملة وهي عارفة إن كل حاجة بينا غلط من الأول!
وقفت قدام الشباك، بصيت للشارع من غير ما أشوف حاجة، وقلت بصوت هادئ ومليان ألم
يعني كل اللي كان بينا.. كل الحب، كل الذكريات، كل الأيام والليالي.. كان بدايته كڈبة. كانت تمسك إيدي وتقول لي بحبك وهي عارفة إنها اخدتني بغدر وخداع.. كانت بتقولي إنها سعيدة وأنا معاها وهي عارفة إن السعادة دي مسروقة من حد تاني!
حنان قامت وقفت جنبي، مسكت إيدي ببطء، وقالت
ما تقللش من الحب اللي عشته يا حسن. مهما كانت البداية غلط، فالسنوات اللي عشتوها مع بعض كانت حقيقية. هي كانت بتحبك بجد.. بطريقتها الخاصة، المريعة والغلطانة، بس كانت بتحبك. وكنت انت كمان بتحبها بجد، لأنك ما كنتش تعرف الحقيقة. فلا تعاقب نفسك على حاجة ما كنتش تعرفها.
بصيت لها، لعبت الكلام ده في قلبي، بس ما قدرت أتقبله بسهولة. كنت محتاج وقت.. وقت كتير عشان أستوعب إن حياتي اللي كنت فاكرها كاملة ومستقرة، كانت مجرد وهم كبير.
عندك بنات يا حنان؟ عايشة مع حد؟ سألتها فجأة.
هزت راسها ببطء
لا.. ما اتجوزتش حد تاني. من يوم ما سمعت كلامك اللي كان في الحقيقة كلامها، قلت لنفسي قلبي هيفضل معاك. وحتى لما عرفت الحقيقة بعدين، كان فات الأوان. كنت كبرت، ومش عايزة أبدأ حياة جديدة مع حد تاني. عشت لوحدي، وعشت بذكريات زمان.. وكنت دايماً أتمنى إنك تكون سعيد، حتي لو مع غيري.
الكلام ده زاد ألمي أضعاف أضعاف. حنان ضاعت سنين عمرها كلها بسببي، بسب كڈبة عملتها إنسانة كنت أثق فيها بعمى. كريمة.. عملت فينا كده كلنا، ورحلت وسابتني أدفع تمن عملتها لوحدي!
بقيت واقف جنبها ساكتين، ولا حد فينا عايز يتكلم. الشمس بدأت تغرب، ولونها البرتقالي بيملأ الغرفة، زي ما كل حاجة في حياتي بتتغير لونها وتتبدل. كنت عارف إن الرجوع لما كنت عليه قبل اليوم ده مستحيل. كنت عايش في عالم جديد تماماً، عالم فيه الحقيقة مؤلمة جداً.
بعد فترة طويلة، قلت لها
مش عارف أقول لك إيه يا حنان.. مش عارف أعوضك عن السنين اللي راحت، ولا أرد لك حقك اللي اتسرق منك. بس عايزك تعرفي.. إن اللي حصل ظلم ليكِ ولِي معايا. وأنا آسف.. آسف بكل ما في الكلمة من معنى.
ابتسمت لي ابتسامة حزينة، وقالت
أنا مش عايزة تعوضني بحاجة يا حسن. اللي فات فات. اللي يهمني إنك عرفت الحقيقة أخيراً، وإن كريمة قدرت تسامح نفسها قبل ما ټموت. الباقي بيد ربنا.
خرجت من بيتها بعد ما اتفقنا نبقى على اتصال، وركبت العربية، وما تحركتش من مكاني ساعتين كاملتين. دموعي بتجري لوحدها من غير ما أحس بيها. كنت حاسس بضيع تام.. مين اللي كنت؟ ومين أنا النهاردة؟ وين المكان اللي أروحله من هنا؟
الطريق الطويل اللي كان بيني وبين البيت بدا أطول من أي وقت. كل خطوة كنت بعملها كنت بفكر في كريمة.. في حبها، في خداعها، في ندمها الأخير. هل كانت تستاهل المحبة اللي كنت أديها ليها كل السنين؟
ولا كل ده كان مجرد وهم؟
وصلت البيت في نص الليل. البيت كان هادئ، مظلم، وريحة كريمة لسه باقية فيه. دخلت الأوضة اللي كانت نائمة فيها، سريرها لسه زي ما سابته، ملابسها في الدولاب، وصورتها على الكومدينة. وقفت قدام الصورة وقلبي بيوجعني جداً.
ليه يا كريمة؟ ليه عملتي كده؟ كنتِ عايزة إيه غير إننا نعيش سوا؟ كان عندنا كل حاجة.. ليه خربتيها بيدك من الأول؟
ما كانش فيه رد غير صوت الريح اللي بتخبط على الشباك. جلست على حافة السرير، وبدأت أتذكر كل حاجة من أول يوم شفت كريمة فيه.. كانت ضحكتها جذابة، كلامها حلو، كانت دايماً جنبي في كل الأوقات الصعبة. وكل ده كان حقيقي، مش كڈب.. بس الأساس اللي بنيت عليه كل حاجة كان غلط من الأول.
في الصباح، صحيت وراسي بتوجعني جداً. أخذت قرار.. لازم أروح المقپرة، أقف قدام قپرها، وأكلمها، وأعرفها إن الحقيقة اتكشفت. رحت هناك، وقفت قدام القپر، وقلت بصوت هادئ مليان ألم وعتاب
عرفت كل حاجة يا كريمة.. عرفت إنك سرقتني من حنان، وعرفت إنك خدعتني طول عمري. بس عرفت كمان إنك ندمتي في الآخر، وإنك طلبتي مني أروح لها عشان تصالحينني وتصالحين نفسك. مش عارف أسامحك ولا لأ.. مش عارف. بس اللي أعرفه إنك حبيتني بطريقتك، وإنني حبيتك أنا كمان بجد. ربنا يسامحك.. لأنني مش قادر أحكم عليكي أنا.
مرت أيام، وأنا كنت في حالة تردد وضياع. كنت أروح لحنان كل أسبوع، نجلس نتكلم عن زمان، عن اللي فات، عن الحياة اللي اخدتنا لطرق مختلفة. كنا نحكي عن أيام الكلية، عن الأحلام اللي كنا نحلم بها سوا، عن الأماكن اللي كنا نروح لها. وكل ما نتكلم، كنت أحس إن حاجة بتتصلح جوايا، وإن الزمان رجع بيا سنين لورا.
حنان كانت حكيمة جدا، ما طلبتش مني حاجة، ما ضغطتش عليا، كانت بس تقف جنبي وتساعدني أعدي الفترة الصعبة دي. كنت أحس إنها بتفهمني من غير ما أتكلم، زي ما كانت تفهمني زمان.
في يوم من الأيام، كنا نجلس على الشرفة عندها، وشربنا شاي زي ما كنا بنعمل زمان. بصيت لها وقلت بجدية
حنان.. ضاع منا سنين كتير أوي بسببي وبسبب كريمة. مش عايز نضيع وقت تاني. عايزك تعرفي إن وجودك جنبي هو اللي خلاني أقدر أستمر بعد ما عرفت الحقيقة. مش عارف المستقبل هيكون إزاي، بس اللي
عايزاه إنك تكوني معايا فيه.
هي بصت لي بدموع في عيناها، وابتسمت بابتسامة مليانة أمل وۏجع
أنا مش عايزة أكون بديلة لحد يا حسن. مش عايزة نعيش على حساب ماضي حد. كريمة كانت إنسانة حبتك بكل قلبها، وإن كانت بطريقة غلط. لازم نحترم اللي كان بينكم، ونبدأ حياة جديدة من الصفر، من غير ما نحمل أي كراهية ولا عتاب. لو في نصيب لنا، ربنا هيكتبه لنا. ولو لا،
فكفاية إننا رجعنا لبعض وعرفنا الحقيقة.
اتفقنا نمشي ببطء، نعطي لنفسنا وقت نعرف بعض تاني، من جديد، بلا ماضي ولا ذكريات مؤلمة. بدأت أزورها أكتر، نسافر مع بعض لأماكن جديدة، نعمل ذكريات خاصة بنا. وكل يوم كان بيمر، كنت أكتشف حاجة جديدة عنها، حاجة كنت أعرفها زمان بس نسيتها.
بس كان دايماً في فراغ جوايا، فراغ ما اتملاش أبداً. كريمة كانت جزء من حياتي 36 سنة، وما قدرتش أنساها بسهولة. وكل ما أشوف حنان، أتذكر كريمة، وكيف إن حبها الغلطان هو اللي فرق بيننا وجمعنا في نفس الوقت.
بعد
سنة، قررنا نروح مع بعض لمقپرة كريمة. وقفنا جنب القپر سوا، وقلت بصوت عالٍ كأنها بتسمعني
جيت لكِ يا كريمة.. جيت ومعاها حنان. حققنا أمنيتك الأخيرة، وعرفنا الحقيقة. سامحينا لو خدنا بعض.. وسامحينا لو قررنا نكمل الحياة. وأنتِ اللي بدأتي الطريق ده بندمك الأخير، فأنتِ الأولى بالنتيجة.
بصيت لحنان، ومسكت إيدي، وقالت
سلام عليها يا حسن.. وسلام على الماضي. واللي جاي بيد ربنا.
اتجوزنا بعد سنتين من ۏفاة كريمة. كان فراقنا طويل، والتقانا جاي متأخر جداً، بس كنا عايزين نعوض بعض كل السنين اللي راحت. عيشنا مع بعض أيام هادئة، مليانة حب واحترام، وكنا دايماً حاسين بوجود كريمة بيننا مش كغريبة، ولا كعدوة، بل كإنسانة حبت بكل قلبها وندمت في الآخر.
في ليلة من الليالي، كنا نجلس جنب بعض، وحنان نامت على كتفي، وأنا مسكت يدها وبصيت للسماء. قلت في نفسي الحياة غريبة جداً، بتفرقنا بأسباب تافهة، وبتجمعنا بأسباب قاسېة، بس في النهاية.. الحقيقة بتطلع مهما طال الزمان، والندم بيخلص، والحب الحقيقي بيفضل باقي مهما ضاع في الطريق.



