
سألته:
— ليه؟
— لما أنا بزعل ماما بتجيبلي لعبة.
ضحكت وقعدت جنبه:
— وأنا لو خدت لعبتك، إنت هتلعب بإيه؟
فكر وقال:
— نلعب إحنا الاتنين.
الجملة دي عملت حاجة غريبة جوايا.. بصيت لسلمى كانت بتبصلي ودموعها في عينيها.
بعد شوية دخل خالد، ياسين قال:
— الراجل الطويل!
خالد ضحك:
— أيوه، الراجل الطويل رجع.
قعد جنبه، وياسين بدأ يحكيله عن عربية لعبة مكسورة كأنه يعرفه من سنين.
خرجت أنا وسلمى للممر:
— ليه ماقولتيليش؟
نزلت عينيها:
— مفيش إجابة هتبرر اللي عملته.
— أنا مش بسألك علشان تبرري.
قالت:
— في الأول كنت خايفة.
— وبعدين؟
— السر كبر.. كل سنة تعدي كنت بحس إن الاعتراف بقى أصعب.
قلت:
— سبع سنين يا سلمى!
— عارفة.
— أنا كنت جوزك.. كنت بتنامي جنبي كل يوم، وفي طفل إنتِ بالنسباله أمه وأنا معرفش إنه موجود!
بدأت تعيط:
— أنا غلطت.
قلت:
— غلطك مش إنك اهتميتي بياسين.. غلطك إنك قررتي نيابة عني إني مش هقدر أقبل الحقيقة.
سكتت.. قلت لها:
— كنتِ بتخافي إني أرفضه؟
— أيوه.
— طب ماكانش حقي أختار؟
هزت رأسها:
— كان حقك.
قلت:
— ولما فكرتي في الكفالة، برضه كنتِ بتقرري لوحدك.
قالت بسرعة:
— ماقدمتش طلب.
— لكن كنتِ بتجهزي نفسك.
— أيوه.. ومش هطلب منك تسامحني النهارده.
قلت:
— أنا محتاج وقت.
هزت رأسها:
— هاخده.
لأول مرة ماحاولتش تدافع عن نفسها، وده خلاني أهدى.
[7] بداية جديدة وقرار الكفالة
الأيام اللي بعدها كانت تقيلة.. ياسين بدأ العلاج والمتابعة تحت إشراف الأطباء.
خالد فضل موجود رغم إنه عرف إنه مش أبوه. في يوم سألته:
— إنت لسه بتجيله كل يوم ليه؟
بصلي كأني سألت سؤال غريب:
— لازم أبقى أبوه علشان أحبه؟
ماعرفتش أرد. قال:
— الولد مالوش ذنب إن أنا علقت قلبي بيه في يوم.. وبعدين أنا تقريبًا قريبه برضه بطريقة ما.
قلت:
— قريب بعيد.
— المهم قريب.
ضحكنا، وكانت أول ضحكة حقيقية بينا من بداية الأزمة.
أما سلمى، فبدأت تتعامل معايا بطريقة مختلفة.. مبطلتش تروح لياسين، لكن بطلت تخبي؛ كل ورقة، كل مكالمة، كل زيارة كانت تقولي عليها. مش لأني طلبت أراقبها، لكن لأنها كانت بتحاول تبني الثقة من جديد.
وفي ليلة، رجعت البيت لقيتها قاعدة في الصالة، قدامها ملف.
قالت:
— ده ملف الكفالة.
اتشد جسمي، قالت بسرعة:
— ماتقلقش.. أنا ماقدمتش حاجة.. أنا عايزاك إنت تقرر.
قلت:
— إحنا الاتنين نقرر.. لو فضلنا متجوزين، مفيش قرارات زي دي إنتِ أو أنا ناخدها لوحدنا.
دموعها نزلت وقالت:
— يعني إنت لسه شايف إن ممكن نفضل متجوزين؟
قلت:
— أنا زعلان منك، لكن الزعل مش معناه إني بطلت أحبك.
قربت لكنها ماحضنتنيش.. استنت، وأنا اللي مددت إيدي وحضنتها.
قالت:
— آسفة.
قلت:
— أنا مش عايز اعتذار كل يوم.. عايز مفيش أسرار تاني.
قالت:
— مفيش.
سألت:
— متأكدة؟
ضحكت وسط دموعها:
— أقسم لك لو عندي قطة مستخبية هقولك عليها!
ضحكت.
[8] إلى البيـت
بعد حوالي شهرين، حالة ياسين بدأت تستقر تدريجيًا. وفي الوقت نفسه، الجمعية كانت بتستعد لإغلاق المكان القديم والأطفال هيتوزعوا. وكان ياسين كل يوم يسأل سلمى:
— أنا هروح فين؟ وهي ماتعرفش ترد.
لحد ليلة الخميس.. نفس اليوم اللي بدأ منه كل شكي.
كنا قاعدين على السفرة، وقدامنا ملف الكفالة.
قلت:
— أنا فكرت.. في ياسين. أنا مش عايز ناخده بيتنا علشان إحنا محرومين من الخلفة، ولا عايزه يبقى بديل لطفل ماجاش.
قالت:
— وأنا كمان.
— لو دخل البيت ده، يدخل لأنه ياسين.. بذكرياته، بعلاقته بهالة، بتعلقه بيكي، وبكل اللي مر بيه. ولو الإجراءات القانونية والاجتماعية سمحت، وأنا وإنتِ مناسبين فعلًا لرعايته… أنا موافق نبدأ الإجراءات الرسمية.
غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط.
قلت:
— بس فيه شرط.. ممنوع يخبي عني هو كمان حاجة!
ضحكت وهي بتعيط وحضنتني.
الإجراءات ماكانتش سهلة ولا سريعة، وده كان شيء كويس؛ لأن قرار رعاية طفل مسؤولية حقيقية. وخلال الفترة دي، كنت بقرب منه بالتدريج.
في الأول كان اسمي عنده: (الراجل الزعلان)، بعدها بقيت: (عمو عمر).
وفي يوم كنا بنلعب، قال:
— عمو عمر؟ إنت بتحب ماما سلمى؟
— جدًا.
— وهي بتحبك.. علشان لما إنت زعلان هي بتعيط. وإنت بتحبها؟
— دي ماما.
الجملة المرة دي ماوجعتنيش.. ابتسمت وقلت:
— ربنا يخليها لك.
بعد شهور، وفي يوم خميس برضه، خرجت من الشغل بدري وروحت للمكان القديم. كانوا بيشيلوا آخر الكراسي، ولقيت سلمى واقفة في النص وياسين ماسك شنطة صغيرة.
لما شافني جري ناحيتي:
— عمو عمر!
شيلته، قال:
— إحنا هنروح فين؟
قلت:
— البيت.. بيتنا.
بص لسلمى:
— ماما جاية؟
— طبعًا.
ابتسم وقال:
— وخالد؟
ضحكت:
— خالد هيصدعنا كل يوم!
ومن ورايا سمعت صوت أخويا:
— سمعتك يا قليل الأدب!
لفينا، كان خالد داخل شايل كيس كبير، ياسين جري عليه:
— الراجل الطويل!
خالد قال:
— أنا اسمي خالد يا ابني!
ضحك الطفل، ولأول مرة حسيت إن كلمة عيلة مش لازم يكون لها شكل واحد.
[9] بعد مرور سنة
مرت سنة.. أنا وسلمى ما بقيناش الزوجين المثاليين اللي كنت متخيل إننا كناهم، بقينا حاجة أحسن؛ بقينا اتنين عارفين إن الثقة ممكن تتكسر، وإصلاحها محتاج أفعال مش وعود.
ياسين دخل المدرسة، وفي أول يوم رحنا معاه. المدرسة سألته:
— مين دول؟
أشار لسلمى:
— دي ماما سلمى.
وأشار لي:
— ده عمو عمر.
وبص لخالد وفكر شوية وقال:
— وده الراجل الطويل!
المدرسة ضحكت، وخالد قال:
— أنا فقدت الأمل!
بعدها بشهور، ياسين بدأ يسأل عن أمه الحقيقية، ماكدبناش عليه، وبطريقة تناسب سنه حكيناله عن هالة؛ إنها كانت بتحبه، وإن فيه ناس كتير غلطت لكن هو عمره ما كان الغلطة. احتفظنا بصورها وجوابها علشان لما يكبر يعرف حكايته من غير أسرار.
وفي ذكرى وفاة هالة، رحنا نزور قبرها. خالد حط ورد وقال: “سامحيني”، وسلمى عيطت.
أما ياسين حط وردة صغيرة وسأل:
— دي ماما هالة؟ هي بتحبني؟
سلمى قالت:
— أكتر مما تتخيل.
— يبقى عندي اتنين ماما؟
سلمى ضحكت وسط دموعها:
— ممكن تقول كده.
[10] بابا عمر
مسك إيدها، وأنا واقف بعيد افتكرت الليلة اللي بدأت فيها الحكاية.. الساعة قربت من 12، مراتي مختفية، موبايلها مقفول، وأنا سايق عربيتي ورا نقطة صغيرة على الخريطة.. كنت متأكد إني رايح أمسكها بتخونني ومجهز الطلاق والغضب. لكن لما فتحت الباب.. مالقيتش عشيق، لقيت عشرة أطفال وطفل صغير بيسأل: “ماما… الراجل ده مين؟”.
وقتها حسيت إن السؤال ده دمر حياتي.
لكن بعد سنة، كنت واقف في المطبخ بعمل شاي، ياسين دخل يجري:
— ماما! عمو عمر مش عايز يديني شوكولاتة!
قلت:
— علشان العشا بعد نص ساعة!
صرخ:
— إنت وحش!




