
تجلسين متجمّدة في ذلك المقهى الصغير، بعد وقتٍ طويل من اختفاء رامي خلف الباب الزجاجي.
قهوته التي لم يُكملها بردت على الطاولة. كيس السكر الذي لم يفتحه بقي بجانب الصحن، مبتلًا قليلًا من أثر فنجانه.
في الخارج، كان الناس يواصلون سيرهم، والسيارات تطلق أبواقها، والبائعون ينادون بصوتٍ عالٍ
لكن داخلكِ، كان العالم كله قد صمت.
اسألي عائلتكِ.
تلك الكلمات الثلاث ظلت تدور في رأسك كأنها سكين تُدار ببطء.
في البداية، حاولتِ إقناع نفسك أنه كان مرتبكًا. الجائعون يقولون أشياء غريبة أحيانًا. والمكسورون يلومون الماضي لأن الحاضر يكون أثقل من أن يُحتمل.
لكن رامي لم يكن مرتبكًا.
كان خائفًا.
دفعتِ الحساب بيدين لا تتوقفان عن الارتجاف. نظرت إليكِ النادلة الشابة بقلقٍ حذر، لكنكِ لم تستطيعي أن تشرحي لها كيف جعل رجلٌ يجمع العلب تحت الشمس حياتك المثالية تبدو فجأة كأنها مسرح جريمة.
تركتِ بقشيشًا أكبر من اللازم، ثم خرجتِ إلى سيارتك.
لعدة دقائق، بقيتِ خلف المقود دون حركة.
نظرتِ إلى انعكاس وجهك في المرآة أحمر شفاهٍ مرتب، أقراط ألماس، قميص حريري، ووجه امرأة أعادت بناء نفسها بعد الطلاق.
كانت أمك دائمًا تقول إنكِ وقفتِ على قدميكِ من جديد.
وكان أخوكِ يقول إنكِ ارتقيتِ بحياتك.
أما زوجك الجديد، عادل، فكان يقول إن رامي كان رجلًا ضعيفًا اختار الفشل.
لكن رامي نفسه كان قد بقي مستيقظًا ثلاث ليالٍ كاملة يصحّح امتحانات طلابه، لأن منحة أحدهم كانت تعتمد على تلك الدرجات.
الرجل الضعيف لا يفعل ذلك.
قدتِ سيارتك مباشرة إلى بيت أمك.
كان البيت كما هو دائمًا بوابة زرقاء، جدران بيضاء، وزهور تتدلّى من الشرفة بشكلٍ جميل أكثر من اللازم، حتى يبدو كأنه مشهد مُرتّب لا يُوثق به.
كان البستاني يقصّ الشجيرات بدقة شديدة. ومن النافذة الأمامية رأيتِ حركة في الداخل، وضوءًا ذهبيًا هادئًا يشبه الدفء الذي كان يعني يومًا البيت.
أما الآن فبدا كل شيء كأنه تمثيل.
فتحت أمك، ليلى، الباب قبل أن تطرقيه للمرة الثانية.
كانت ترتدي عقدًا من اللؤلؤ في الرابعة عصرًا. شعرها مرفوع بطريقتها الأنيقة المعتادة، ورائحتها خليط خفيف من بودرة فاخرة وعطر زهر البرتقال.
وعندما رأت وجهك، تلاشت ابتسامتها لنصف ثانية فقط.
لكن ذلك النصف من الثانية قال لكِ أكثر من أي كلام.
قالت
مريم ماذا حدث؟
دخلتِ دون أن تلقي التحية.
رأيتُ رامي اليوم.
تغيّر الصمت فورًا.
لم يكن الأمر دراميًا. لم ينكسر مزهرية، ولم يدوِّ رعد، ولم تتضخم اللحظة.
لكن أصابع أمك شدّت على حافة الباب، وتحرك عقد اللؤلؤ عند رقبتها حين ابتلعت ريقها.
سألت
أين؟
قلتِ
في الشارع يجمع العلب الفارغة.
أغلقت أمك الباب بهدوء خلفك.
لثانية واحدة مجنونة، توقعتِ أن تبكي. توقعتِ صدمة، شفقة، وربما شعورًا بالذنب.
لكنها مشت أمامك إلى غرفة الجلوس، وعدّلت صورة موضوعة في إطار فضي فوق الرف.
ثم قالت
هذا مؤسف.
مؤسف.
سقطت الكلمة في صدرك كصفعة.
قلتِ
إنه بلا مأوى يا أمي.
قالت ببرود
هو اختار طريقه.
قال لي أن أسأل عائلتي عن السبب.
تجمّدت يد أمك فوق الصورة.
كانت صورة
من زفافك الثاني. أنتِ بفستانك الحريري، عادل يبتسم إلى جانبك، أمك فخورة بفستانها الهادئ، ودانيال يرفع كأسًا خلفكم.
الجميع يبدو سعيدًا.
الجميع يبدو بريئًا.
سألت أمك
ماذا قال لكِ بالضبط؟
نظرتِ إليها بحذر.
قال إنه فعل ما كان عليه فعله.
استدارت ببطء، وهذه المرة اختفى اللين من وجهها.
لا تجلبي سمّ ذلك الرجل إلى هذا البيت.
ها هي الحقيقة الأولى.
لم تكن متفاجئة.
لم تكن حائرة.
كانت تدافع.
بدأ قلبك يدق




