قصص و روايات

ديون زوجي

سيبت جوزي فاكر إني سديت عنه ديونه اللي بخمستاشر مليون جنيه، ولما صحيت الصبح لقيت أهله بيلموا حاجتي وواحدة تانية واقفة في مطبخي لابسة الروب الحرير بتاعي. جوزي زق ورقة الطلاق على الرخامة وهو بيبصلي ببرود وقال لي: “إنتِ خلاص مبقاش ليكِ أي لازمة عندي.” وبعدين شاور بدماغه على الست اللي وراه وقال: “اطلعي بره.. دي اللي هتعيش مكاني.”

مدمعتش.
ولا صرخت.
ولا أعطيت لأي واحد منهم الفرصة إنه يشوفني منكسرة.

بالعكس، بصيت لضيفتهم الجديدة بكل برود وقلت لها: “أولاً، اقلعي الروب بتاعي حالاً.”
وبعدين بصيت لجوزي وقلت له: “وثانياً…”

بعد خمس دقايق بالظبط، ابتسامة الغرور اللي كانت على وشها طارت وبقى صوت صريخها مالي البيت كله.
الحكاية بدأت من الصبح، وبالتحديد الساعة تسعة الصبح، لما وافقت على تحويل بنكي ضخم سد بيه ديون الشغل اللي جوزي ممدوح دخل بيها جوازنا.
أو على الأقل، ده اللي ممدوح كان فاكره حصل.
كان فاكر إني أنقذته بفلوسي الخاصة لأني الزوجة المطيعة اللي هتيجي دايماً على نفسها عشان تلم وراه مشاكله وأزماته.
بس للأسف.. كان غلطان تماماً.
أقل من أربعة وعشرين ساعة، ونزلت تحت في الصالون ولقيتهم مستنيين اللحظة اللي الفلوس تبان في الحساب.
ممدوح كان واقف جنب جزيرة المطبخ الرخام.
وعلى مدخل الصالة، أهله كانوا بيحطوا حاجتي في كراتين نقل قديمة وأكياس.
كتبتي.
صور أهلي.
ذكرياتي الخاصة.
حاجات السنين اللي ضيعتها في بناء البيت ده.
وهناك شفت إلهام.. زميلة ممدوح.
كانت متكئة بكل برود على مدخل المطبخ ولابسة الروب الحرير الأخضر بتاعي.
وفي إيدها كوباية القهوة المفضلة عندي.
قاعدة بكل راحة.. كأن البيت ده بيتها من سنين، وكأن أنا الطارئة والدخيلة.
ممدوح رما ظرف تخين على الرخام وقال: “امضي.”
بصيت للورقة اللي جوه الظرف.. “دعوى طلاق للضرر والبائن.”
وبعدين ضحك بتهكم وقال: “إنتِ خلاص انتهى دورك يا فريدة.. عملتي اللي كنت محتاجه منك بالحرف.”
وخبط صباعه على الظرف وقال: “الديون اتمسحت.. خدي اللي فضل من كراكيبك واطلعي بره.”
وقفت باصة له بصدمة هادئة.

أمه أمينة مدت إيدها بكل قرف وخدت برواز فضي فيه صورة جدتي الله يرحمها.
لفتها بجورنان قديم ورمتها جوه الكرتونة وقالت ببجاحة: “كده أريح وأحسن.. ممدوح محتاج ست تفهم إزاي تبني بيزنس وتكبره، مش واحدة قاعدة تعد القرش وتكنز الفلوس.”
وهنا إلهام شدّت الروب أكتر على جسمها وقالت ببرود: “بلاش دراما يا فريدة.. الكراتين جاهزة وخلصينا.”
لثواني معدودة، بصيت في أركان البيت كله.
المشهد كان قاسي ومخطط له بكل عناية وخبث.

مستنيين فريدة تدفع ديون ممدوح.. يدخلوا إلهام البيت.. يرموا حاجتي.. ويحطوا ورقة الطلاق قدامي قبل ما أفوق لنفسي.
كانوا متخيلين إني هانهار وأعيط.
يمكن أتحايلم عليهم.
أو أزعق.
بدل ده كله، خدت نفس عميق وهادي جداً.
لأن كان فيه غلطة واحدة قاتلة في خطتهم.
أنا كنت عارفة بموضوع إلهام دي من شهور.
وكنت عارفة إنه ناوي يرميني بعد ما يقضي مصلحته.
وقبل حتى ما يدخل يترجاني أنقذه مالياً، كنت جهزت نفسي لكل خطوة وكل ثانية في اللحظة دي.
ممدوح كان فاكر إن سكوتي غباء.
وإن صبري ضعف وقلة حيلة.
والأهم من ده كله، إنه كان غبي لدرجة إنه اعتقد إن تحويل الفلوس معناه اللي في دماغه وبس.
بس الحقيقة غير كده خالص.
بصيت حواليا في البيت.. بيتي أنا.
البيت اللي كتبته باسمي قانوني ووثقته رسمي قبل ما ممدوح يفكر حتى يطردني منه.
هدوء غريب نزل على قلبي وريح بالي.
كانوا مفكرين إني الزوجة اللي انتهت صلاحيتها.
اللي ماكنوش فاهمينه، إن كل واحد فيهم كان واقف جوه فخ مقفول ومش حاسين بيه أصلاً.
ابتسمت لهم وقلت بهدوء: “تمام.”
ممدوح استغرب ورفع حاجبه.
بصيت لإلهام وقلت: “أولاً.. اقلعي الروب بتاعي.”
وشماتة وشها اختفت في ثانية.
رجعت بصيت لممدوح وقلت بحدة: “وثانياً.. كلكم تلموا حاجتكم وتطلعوا بره بيتي فوراً.”
ضحك.. ضحكة سخرية.
بس الضحكة دي مكملتش خمس دقايق على بعضها.

لأني بهدوء شديد طلعت موبايلي من جيبي وحطيته على الرخامة قدامه.
وقلت له:
“قبل ما تكمل ضحك… افتح حسابك وشوف بنفسك الفلوس اللي إنت مستنيها.”

ممدوح بصلي باستهانة وقال:
“ما أنا عارف إنها وصلت.”

هزيت راسي وقلت:
“لا… إنت مش عارف.”

فتح تطبيق البنك قدامنا، وهو لسه مبتسم.
ثواني…
ابتسامته اختفت.
فضل يبص للشاشة كأنه مش فاهم اللي شايفه.

أمه قربت منه وقالت:
“في إيه يا ممدوح؟”
مردش.
إلهام خرجت من المطبخ وقالت:
“خير؟”
رفع عينه وبصلي.
المرة دي مفيش غرور، كان فيه خوف.
قال: “إنتِ عملتي إيه؟”
ابتسمت وقلت: “ولا حاجة.”
قرب مني وقال: “الفلوس فين؟”
قلت: “الفلوس اللي إنت كنت فاكر إني حولتها ليك؟”
سكت.
قلت: “متحولتش ليك.”
أمه شهقت وقالت: “يعني إيه؟!”
رديت عليها: “يعني الـ15 مليون جنيه لسه بتوعي.”

ممدوح ضرب بإيده على الرخامة وقال: “إنتِ بتلعبي بيا؟!”
قلت بمنتهى الهدوء: “لا يا ممدوح… أنا بس سيبتك تلعب لوحدك.”
وقتها إلهام بدأت تتوتر، بصت لممدوح وقالت: “يعني إيه الفلوس ماوصلتش؟”
ممدوح زعق: “اسكتي!”
قالت: “بس إنت قلتلي إن كل حاجة خلصت!”
بصيت لها وقلت: “هو قال لك كتير، بس واضح إنه ماقالكيش أهم حاجة.”
سألتني بتوتر: “إيه؟”
قلت: “إن البيت ده باسمي، وإن كل حاجة جواه باسمي.”
وبعدين بصيت للروب اللي لابساه: “وإن الروب اللي إنتِ واقفة بيه ده… أنا اللي شاريّاه، فلو سمحتي اقلعيه.”

إلهام بصت لممدوح تستنجد بيه، لكنه كان مشغول بموبايله اللي بدأ يرن مرة واتنين وتلاتة.
بص للشاشة ووشه اتغير.
قلت له: “رد.”
قال: “مش وقته.”
قلت: “لا… ده وقته بالذات.”

رد، وسمعنا صوت رجل من الناحية التانية بيزعق: “إنت عملت إيه؟! التحويل اللي قولت إنه هيوصل النهارده موصلش! الناس دي هتبدأ الإجراءات!”
ممدوح حاول يهدّيه: “أنا هتصرف.”
الصوت رد: “تتصرف إزاي؟ إنت كنت ضامن!”
ممدوح قفل المكالمة وبصلي.

قلت له: “لسه فاكرني زوجة ضعيفة؟”
مردش.
قربت من الكراتين، فتحت أول كرتونة، طلعت صورة جدتي، مسحت عنها التراب وحطيتها على الترابيزة.
وبعدين بصيت لأمه: “دي آخر مرة إيدك تمتد لحاجة تخصني.”
أمينة قالت: “إنتِ مش هتقدري تطردينا!”
قلت: “أنا هطلب منكم تخرجوا فوراً.”

في اللحظة دي، جرس الباب رن.
ممدوح اتجمد، وأمه قالت: “مين؟”
أنا قلت: “افتحوا.”
فتحت الباب، وكان واقف قدامي رجل في بدلة، ومعاه ملف كبير.
بص لممدوح وبعدين بصلي وقال: “الأستاذ ممدوح موجود؟”
قلت: “أيوه.”
قال: “أنا جاي له بخصوص الشركات والضمانات والديون، والتحويل اللي اتعمل من حساب زوجتك… تم إلغاؤه قبل التنفيذ.”

أمينة بصتلي بصدمة، وإلهام قربت من ممدوح، أما أنا فابتسمت.
الرجل قلب ورقة في الملف وقال: “وفيه كمان طلب رسمي مقدم من الأستاذة فريدة لاسترداد كل المبالغ اللي دفعها ممدوح خلال فترة الجواز من أموالها الخاصة.”
سكت البيت كله.

ممدوح قرب خطوة وقال بصوت مكسور: “إنتِ كنتِ عارفة كل حاجة؟”
قلت: “من شهور.”
“وعارفة إلهام؟”
“من قبل ما إنت نفسك تعرف إن أنا عارفة.”
“وعارفة إن أهلي هييجوا يطردوكي؟”
قلت: “أنا اللي استنيتكم تيجوا.. عشان كنت مستنية خطوتك الأخيرة دي بالتحديد.”

وفي نفس اللحظة، تليفونه رن مرة تانية، وبص للشاشة وماردش، لأن الاسم اللي ظهر كان الشخص اللي بيخبي عنه أكبر سر في حياته.
بصيت له وابتسمت بحسم، وقلت:
“رد يا ممدوح… لأن المكالمة دي تحديداً، لو ما رديتش عليها، كل اللي حصل النهارده هيبقى أبسط بكتير من اللي استخبي وراه.”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى