قصص وروايات

كيلو جمبري

مرات أخويا وبّخت أمي عشان اشترت كيلو جمبري وقالت إنها بتفرتك الفلوس… أبويا ساب المعلقة من إيده وقال من بكره كل واحد يشيل شيلته ومسؤول عن بيته. كلنا افتكرناه مجرد متعصب ومش مستحمل، لحد ما تاني يوم الصبح طلّع دوسيه قديم كان شايله بقاله سنين.

 

أنا اسمي كاريمان، عندي اتنين وتلاتين سنة وعايشة في شبرا. أهلي، الحاج رجب والحاجة ماجدة، طول عمرهم ناس مدبرة ومبيطلعوش القرش إلا في محله. وبفضل تدبيرهم ده، قدروا على مدار السنين يشتروا بيتين صغيرين غير شقتنا الكبيرة. إخواتي الاتنين المتجوزين كانوا لسه عايشين معانا في نفس بيت العيلة… وأنا كنت قاعدة معاهم مؤقتًا لحد ما أخلص الماجستير بتاعي….

في ليلة من الليالي، أمي قررت تدلعنا ونزلت جابت كيلو جمبري للعشا. مرات أخويا الكبير ولاء، اللي متجوزة أخويا إسلام، بصت للطبق بلوي بوز وسألت: — بكام ده يا ماما؟ — بحدود ٢٥٠ جنيه يا بنتي. أمي ردت بطيبة. ولاء ضحكت باستهزاء: — والله بالدخل اللي داخل للبيت ده، نرمي المبلغ ده كله في أكلة واحدة؟ ده اسمه تبذير وقلة مسؤولية الصراحة.

بصيت على طبق أمي، لقيتها ممدتش إيدها وولا حتى داقت جمبرياية واحدة. رديت عليها: — دي فلوسها وهي حرة فيها. ولاء رفعت كتافها وقالت بتناكة: — بس إحنا عايشين سوا وكلنا في مركب واحدة، والأصول إن المصاريف دي يتعملها حساب ويتشاور فيها الأول.

أبويا حط المعلقة على السفرة بالراحة، وبص حواليه وقال: — من بكره، كل واحد يستقل بنفسه وكل واحد يمسك قرشه. الترابيزة كلها سكتت ومحدش نطق. أبويا كمل: — إسلام وولاء يشوفوا سكن، وأحمد ولبنى برضه يشوفوا سكن.

ولاء وشها جاب ألوان وسكتت فجأة. تاني يوم الصبح، جت تحاول تعتذر وتلطف الجو. بس أبويا دماغه كانت اتقفلت ومش راجع في كلمته. جمعنا كلنا حوالين طبلية الصالة وقال إن إسلام هياخد شقة صغيرة من بتوعنا في الهرم يقعد فيها، وأحمد هياخد شقة تانية، وأبويا وأمي هيفضلوا في شقة العيلة هنا.

ولاء أول ما سمعت اعترضت في ساعتها: — بس الشقة دي أوضتين وصالة بس وصغيرة علينا! أبويا بصلها بكل برود: — لو مش عجباكي، أجروا شقة على ذوقكم بالمساحة اللي تريحكم. خرست ومفتحتش بقها.

أنا قلت الموضوع خلص لحد هنا وبنصفي الليلة…. بس أبويا مد إيده وطلع دوسيه بني قديم كان حاطه جنبه: — في نقطة تانية كمان لازم نتكلّم فيها. وراح رامي تلات كشوف حسابات بنكية على الترابيزة. أخويا الكبير بطل أكل وبصله باستغراب: — إيه ده يا حاج؟ — دي كشوفات مصاريف البيت ده لآخر أربع سنين.

أبويا كان مسجل كل مليم بالورقة والقلم: النور، المية والغاز، ضرايب العقار والصيانة، الأكل والشرب، وحتى مصاريف مدارس العيال اللي أبويا وأمي كانوا بيدفعوها من جيبهم لما إخواتي تزنق معاهم الدنيا.

ولاء برطمت وقالت: — هو إنتوا هتحاسبونا على اللي صرفتوه علينا بأثر رجعي؟ أبويا رد: — لأ. وشاور على الخانة التانية في الكشف. كانت فيه مبالغ شهرية إخواتي بيدفعوها، مبالغ بسيطة كنت فاكرة إنهم بيساعدوا بيها في مصاريف البيت. بس اتفاجئنا إن الفلوس دي كلها، أبويا كان بيرجع يحطها في حسابات بنكية مقفولة اتفتحت باسم كل واحد فيهم.

أبويا كمل: — أمكم كانت بتشيلها من وراكم، عشان لما تقرروا تستقلوا تلاقوا قرشين يسندوكم وتبدأوا بيهم.

ولاء عينيها وسعت من الصدمة، وإسلام أخويا بلم ومش مصدق اللي بيسمعه. هنا بقى أبويا رمى كشف حساب رابع على الترابيزة: — المصيبة الحقيقية هنا. — يا رجب في إيه؟ إيه اللي حصل؟ أمي قربت مفجوعة. — ده اللي أنا عاوز أفهمه. الحساب ده كان هو الحساب اللي متشال فيه فلوس إسلام، وأكتر من نص المبلغ كان اتسحب وطار.

أخويا إسلام وشه بهت وعرّق: — والله العظيم يا بابا أنا عمري ما سحبت ولا جنيه من الحساب ده، ولا كنت أعرف بيه أصلاً! أبويا لف وشه وبص لولاء مباشرة في عينيها. نزلت راسها في الأرض وبصت في السيراميك. إسلام بصلها بشك: — إنتي كنتي عارفة إن في حساب مفتوح باسمي؟ ردت بسرعة وتلعثم: — لأ طبعاً! هعرف منين؟

أبويا فتح الدوسيه وطلع طلب تحديث بيانات رسمي من البنك: — أمال فهميني إيه دي؟ الورقة كانت طلب رسمي متقدم للبنك بتغيير رقم التليفون المربوط بالحساب ورسائل السحب، ورقم الموبايل المسجل كان بينتهي بأربع أرقام مميزة. عرفت الرقم في ثانية. ده كان رقم خط ولاء الشخصي.

إسلام قام وقف على حيله وبصلها وهو بيغلي: — إنتي عملتي إيه؟! صرخت فيه: — معملتش حاجة! أكيد مامتك هي اللي حطت نمرتي بالغلط! أمي هزت راسها بالراحة وبحرقة: — أنا عمري ما كان معايا رقمك ولا حطيته في بنك.

ولاء بصت ناحية باب الشقة وبقت بتتلفت زي الحرامي اللي اتقفش وعايز يهرب، بس أبويا كان لسه في إيده ورقة تانية. بصلها وقال: — عشان كده امبارح، أنا مكنتش زعلان عشان اتكلمتي على الجمبري ولا على تمنه. وراح رامي الورقة الأخيرة على الترابيزة: — أنا كنت متغاظ من إنك بقالك أسابيع بتلفي وتدوري حوالين ماجدة وتسأليها هي معاها دهب وفلوس قد إيه، وناويين نكتبلكم إيه من البيوت وإمتى.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى