قصص و روايات

المولد

# أمي أخدت أختي الكبيرة للمولد ورجعت من غيرها.. وبعد 8 سنين قالتلي: «البسي.. هفسحك في المولد!»

من عشر سنين، حصلت قلبت حياتنا كلها.

كنت وقتها عندي تسع سنين، وأختي أحلام كان عندها عشر سنين. كنا قريبين جدًا من بعض، لدرجة إن الناس كانت بتفتكرنا توأم. بناكل من نفس الطبق، وننام جنب بعض، ولو واحدة فينا زعلت، التانية كانت أول واحدة تحاول تطيب خاطرها.

بعد وفاة أبويا بأيام، أعمامي جم عند أمي، واتكلموا معاها بطريقة . قالوا إنهم مش هيقدروا يوفروا لنا حاجة، وإن عليها ترجع لبيت أبوها ومعاها بناتها.

أمي ما ردتش.

كانت واقفة قدامهم بعينين ثابتتين، من غير ما تظهر عليها أي علامة .

ومن اليوم ده، انتقلنا نعيش مع جدتي في بيتها القديم الموجود على أطراف البلد.

جدتي كانت كل حياتنا.

هي اللي كانت بتجهز لنا الأكل، وتشتري لنا الملابس، وتصحينا الصبح للمدرسة. أما أمي، فكانت موجودة في البيت فقط. كانت تقعد بالساعات ساكتة، تنظر أمامها وكأن عقلها في مكان آخر.

كنت أنا وأحلام بنخاف من صمتها، فبقينا أقرب لبعض.

كانت أحلام دائمًا تمسك إيدي وتقول:

«ما تسيبيش إيدي يا عبير.. طول ما إحنا مع بعض، محدش يقدر يعمل لنا حاجة.»

مرت سنتان.

سنتان لم نخرج خلالهما تقريبًا إلا للمدرسة.

وفي إحدى ليالي المولد، كنا قاعدين في بنذاكر، وفجأة الباب اتفتح بهدوء.

دخلت أمي.

بصت لأحلام وقالت:

«أحلام.. البسي، هفسحك في المولد.»

أحلام فرحت جدًا.

قفزت من مكانها، وكأنها نسيت كل الأيام الصعبة اللي عشناها.

أما أنا فسألت بسرعة:

«وأنا يا ماما؟»

أمي بصت لي للحظة، ثم قالت:

«إنتِ هتروحي مرة تانية.»

حاولت أحلام تقنعها:

«طب ما ناخد عبير معانا.»

لكن أمي ردت بحزم:

«أنا قلت هودي أحلام بس.»

سكتت أحلام.

لبست فستانها الأزرق، ومشت خلف أمي وهي حزينة لأنها وحدي.

فضلت واقفة عند الباب أتابعهما بعيني.

كان جوايا إحساس غريب جدًا، وكأن حاجة مش مفهومة بتقول لي إن الليلة دي مش عادية.

مرت ساعة.

ثم ساعتان.

وفجأة سمعت باب البيت.

خرجت بسرعة.

كانت أمي داخلة وحدها.

سألتها جدتي:

«فين أحلام؟»

أمي ردت بمنتهى الهدوء:

«تاهت مني.»

جدتي تجمدت مكانها.

الطبق اللي كان في إيدها وقع على الأرض .

قالت:

«يعني إيه تاهت؟! إنتِ كنتِ معاها!»

لكن أمي لم تبكِ.

لم تصرخ.

لم تطلب مساعدة.

ولم تتحرك من مكانها.

وهنا بدأت الشكوك تدخل قلبي.

مرت الأيام.

ثم الشهور.

ثم السنوات.

وأنا كبرت وأنا مقتنعة إن أحلام ضاعت في المولد، وإننا عمرنا ما هنشوفها تاني.

لكن أمي كانت كلما سمعت اسم أحلام تسكت.

ولما أسألها:

«ماما.. هي راحت فين؟»

كانت ترد:

«ربنا أعلم.»

مرت ثماني سنوات.

كنت وقتها في التاسعة عشرة.

وفي إحدى الليالي، دخلت أمي غرفتي.

وقفت أمامي بنفس النظرة الهادئة القديمة.

ثم قالت:

«البسي.»

استغربت.

«ألبس ليه؟»

قالت:

«هفسحك في المولد.»

جسمي كله اتجمد.

المولد.

نفس المكان.

نفس الكلمة.

بعد ثماني سنوات من اختفاء أحلام.

بصيت لأمي وقلت:

«إنتِ بتتكلمي بجد؟»

ردت:

«أيوه.»

لكن قبل ما أخرج، قالت لي جملة واحدة:

«المرة دي لازم تعرفي الحقيقة.»

وصلنا للمولد.

وسط الزحام والأنوار والأصوات، كنت ماشية جنب أمي وأنا مش فاهمة حاجة.

وفجأة وقفت.

أشارت إلى فتاة كانت واقفة بعيد.

البنت كانت في نفس عمري تقريبًا.

بصت لي.

وأنا بصيت لها.

وفي لحظة واحدة، حسيت إن قلبي عرفها قبل عيني.

كانت أحلام.

أختي.

اللي قضيت ثماني سنوات أفتكر إنها اختفت للأبد.

جريت عليها.

حضنا بعض، وفضلنا نبكي.

كنت بقول لها:

«إنتِ عايشة؟!»

وهي كانت بتقول:

«كنت مستنياكي.»

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في وجود أحلام.

كانت في السبب.

جلست أمي أمامنا، وبدأت تحكي.

قالت إن اختفاء أحلام لم يكن صدفة.

كان أبويا يعمل مع مجموعة متورطة في تزوير أوراق وتحويلات مالية غير قانونية.

وكان عمي حامد والحاج فؤاد من أصحاب المصلحة في هذا العمل.

أبويا حاول يبتعد.

وحين قرر إنهاء علاقته بهم، بدأوا يهددونه.

وفي النهاية، تم تدبير الحادث الذي أنهى حياته.

أمي عرفت الحقيقة، لكنها لم تكن تملك القدرة على مواجهتهم وحدها.

والأخطر أنها اكتشفت أن هناك من يراقب البيت ويراقبنا.

لذلك قررت إبعاد أحلام بطريقة تجعل الجميع يعتقد أنها اختفت.

أخذتها معها إلى مكان آمن عند إحدى السيدات التي كانت تعرفها، وظلت أحلام هناك طوال السنوات الماضية.

أما أنا، فلم تكن أمي قادرة على إخباري بالحقيقة.

قالت وهي تبكي:

«كنتِ طفلة.. ولو عرفتي، كنتِ هتتكلمي من غير ما تقصدي، وكان ممكن يوصلك الخطر.»

كنت غاضبة منها.

صرخت:

«بس أنا عشت ثماني سنين فاكرة إن أختي راحت!»

خفضت أمي رأسها وقالت:

«عارفة.»

ثم أضافت:

«بس كنت خايفة أخسركم أنتم الاتنين.»

في الوقت نفسه، بدأت الشرطة تجمع الأدلة.

تم العثور على مستندات تربط الحاج فؤاد بالقضية، وبعد التحقيقات ظهرت أدلة أخرى ضد عمي حامد.

أما محمود، ابن الحاج فؤاد، فاتضح أنه لم يكن شريكًا في أي شيء، بل كان يحاول منذ فترة مواجهة والده، وحين عرف أن أحلام ما زالت موجودة، قرر مساعدتنا.

وبعد شهور طويلة من التحقيقات، صدر الحكم.

دخل المتورطون السجن.

لكن بالنسبة لنا، بدأت مرحلة أصعب.

كيف نعيش بعد كل هذه السنوات؟

أنا كنت غاضبة من أمي.

كنت كلما رأيتها أتذكر السنوات التي قضيتها وأنا أنتظر عودة أحلام.

وفي يوم دخلت غرفتها.

قلت لها:

«أنا مش قادرة أسامحك.»

قالت:

«عارفة.»

قلت:

«بس عايزة أفهم.»

ردت:

«أنا كنت خايفة عليكم.»

سكتنا طويلًا.

ثم قلت:

«بس أنا خسرتك كمان.»

نزلت دموعها.

وقالت:

«وأنا خسرت نفسي.»

لأول مرة منذ سنوات، جلست بجوارها واحتضنتها.

وبكينا معًا.

لم تختفِ كل الجروح في لحظة، لكننا أخيرًا بدأنا نتكلم عن كل شيء ظللنا نخفيه لسنوات.

رجعت أحلام إلى المدرسة، وبدأت تكمل تعليمها.

وأنا بدأت أفكر في مستقبلي.

كان محمود قد وقف بجانبنا طوال الأزمة، لكنني رفضت أن أتخذ أي قرار بسرعة.

قلت له:

«أنا مش عايزة أعيش في بيت مليان أسرار.»

قال:

«ولا أنا.»

وبعد فترة، اتفقنا على الزواج.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى