روايات وقصص

صياد مصري

صياد مصري لقى طفل صغير مبلول لوحده عند البحر… وبعد ثواني، الموج حاجة على الشاطئ خلته يتصل بالشرطة فورًا.

كان عماد عبدالسلام، صياد في أواخر الأربعينيات من عمره، متجهًا في الصباح الباكر إلى مركبه كعادته، وهو يظن أن اليوم لن يختلف عن مئات الأيام التي سبقته.

من أكتر من عشرين سنة، كان عماد بيشتغل في نفس المنطقة الساحلية، وعارف كل حجر في المكان تقريبًا، وعارف أماكن المياه الضحلة، والممرات بين الصخور، وحتى الأماكن اللي الموج بيشتد فيها فجأة.

لكن في صباح اليوم ده، وقبل ما يوصل لمركبه بدقائق، لمح شيئًا غريبًا بالقرب من مجموعة صخور سوداء على طرف الشاطئ.

في البداية، افتكر إنه قطعة هدوم مرمية.

لكنه توقف فجأة لما شافها بتتحرك.

اقترب بحذر، ليتفاجأ بطفل صغير، عمره حوالي سنتين، قاعد في المياه الضحلة.

كان جسمه كله مبلولًا، وشعره ملتصق بجبهته من شدة البلل، وملامحه شاحبة من البرد.

الغريب أنه لم يكن يبكي.

لم يكن ينادي أحدًا.

ولم يكن بجواره أي شخص.

ظل الطفل جالسًا في صمت، وكأنه كان ينتظر شيئًا لا يعرف عماد ما هو.

شعر الصياد بانقباض في صدره، وبدأ يبحث بعينيه في كل اتجاه.

كان يتوقع أن يرى أمًا تصرخ، أو أبًا يبحث عن ابنه، أو حتى شخصًا يركض على الشاطئ.

لكن لم يكن هناك أحد.

لا حقيبة.

لا عربة طفل.

لا آثار أقدام واضحة.

ولا أي شيء يفسر كيف انتهى طفل في هذا العمر وحده بجوار البحر.

اقترب عماد منه ببطء، وخلع سترته ووضعها حول جسده الصغير.

وقال له بصوت هادئ:

— متخافش يا حبيبي… أنا معاك. هنروح مكان دافي.

رفع الطفل عينيه إليه، لكنه لم يتحرك.

وعندما مد عماد يديه ليحمله، لاحظ شيئًا غريبًا.

الطفل لم يكن ينظر إليه.

كان ينظر من خلف كتفه مباشرة… ناحية البحر.

استدار عماد بسرعة.

وفي نفس اللحظة تقريبًا، ضربت موجة قوية الصخور، وسمع صوت ارتطام مكتوم.

ثم لمح شيئًا أسود يتحرك فوق المياه.

تراجع خطوة، وظل يراقبه حتى دفعه الموج إلى الشاطئ.

كانت حقيبة سوداء كبيرة، تبدو ثقيلة ومشبعة بالمياه.

اقترب عماد منها، لكنه لم يحاول فتحها.

وبخبرته، أدرك أن الأفضل ألا يلمس محتوياتها قبل وصول الشرطة والإنقاذ، خصوصًا أن وجود طفل وحده وحقيبة مجهولة في نفس المكان قد يعني أن هناك حادثًا أكبر لم يظهر بعد.

أخرج هاتفه واتصل بالنجدة، وأبلغهم بمكانه بالتحديد.

وبعد وقت قصير، وصلت قوات الشرطة وسيارات الإسعاف والإنقاذ.

كان الطفل قد بدأ يرتجف من شدة البرد، فلفه المسعفون ببطانية وبدأوا في فحصه.

لكن حتى أثناء ذلك، ظل الطفل ينظر ناحية البحر.

كأنه كان ينتظر شخصًا هناك.

أما رجال الإنقاذ، فسحبوا الحقيبة بحذر من المياه.

وبمجرد فحصها، وجدوا عليها علامة باسم مركب خاص.

وهنا تغير اتجاه البحث بالكامل.

بدأت الشرطة تتحرى عن اسم المركب، وفي الوقت نفسه فحص رجال الإنقاذ ملابس الطفل.

وعندما قلبوا سترته، وجدوا بطاقة صغيرة مخيطة من الداخل تحمل الاسم نفسه الموجود على الحقيبة.

أصبح واضحًا أن الطفل والحقيبة والمركب مرتبطون ببعضهم.

لكن السؤال الأصعب ظل قائمًا:

أين أصحاب المركب؟

وبعد دقائق، جاء الرد.

تم العثور على المركب على بعد عدة كيلومترات من المكان، قريبًا من منطقة صخرية أخرى.

لكن المركب كان خاليًا تمامًا.

لا أب.

لا أم.

ولا أي شخص بداخله.

وهنا أدركت الشرطة أن الأمر لم يكن مجرد طفل تاه من أسرته.

كان هناك حادث ما في البحر.

وبدأت قوات الإنقاذ في توسيع نطاق البحث على طول الساحل.

بعد الحصول على إذن وفحص الحقيبة، وجدوا بداخلها ملابس إضافية، وأدوات إسعافات أولية، وسترات نجاة، وبعض الأوراق، وحقيبة نسائية صغيرة، وهاتف محمول موضوع داخل غلاف يحميه من المياه.

لم يكن في الحقيبة ما يفسر كل شيء، لكنه أكد أن الأسرة كانت تستعد لاحتمال حدوث طارئ أثناء الرحلة.

شغّل أحد أفراد الشرطة الهاتف بعد اتخاذ الإجراءات اللازمة.

وعلى شاشة القفل ظهرت صورة عائلية.

طفل صغير يقف بين رجل وامرأة.

وبالاستعلام عن البيانات الموجودة على الهاتف والأوراق، توصلت الشرطة إلى هوية الأسرة.

الأم اسمها مي أحمد، والأب أحمد سامح، والطفل هو ابنهما الوحيد، يوسف.

تم إبلاغ الجهات المختصة، وبدأ البحث عن الأب والأم على امتداد المنطقة الساحلية.

وأثناء مراجعة الصور الموجودة على الهاتف، ظهر مقطع تم تصويره قبل ساعات قليلة.

كانت الأسرة على المركب.

الأب يقود، والأم بجوار طفلها.

لكن في خلفية المقطع، ظهر البحر وقد بدأ يتغير.

السماء أصبحت أكثر غيومًا، والموج ارتفع بشكل واضح.

لاحظ عماد المشهد، ثم اقترب من رجال الإنقاذ وأشار إلى منطقة بعيدة خلف مجموعة من الصخور.

وقال:

— لو الموج شد عليهم هنا، ممكن يكونوا وصلوا للحتة دي.

نظر إليه أحد رجال الإنقاذ باستغراب.

فأكمل عماد:

— أنا عارف المكان ده كويس. من البحر مش باين تقريبًا، لكن لو حد وقع في المياه والموج أخده، ممكن يترمي ورا الصخور دي.

تحركت فرق الإنقاذ فورًا ناحية المكان الذي حدده عماد.

وبعد دقائق من البحث، سمع أحدهم صوتًا خافتًا.

كان هناك شخص عالق بين الصخور.

اقتربوا منه، ليجدوا مي.

كانت مرهقة للغاية، وملابسها مبللة، وجسدها يرتجف من البرد، لكنها كانت على قيد الحياة.

وبمجرد أن رأت رجال الإنقاذ، سألتهم بصوت متقطع:

— ابني… يوسف؟ لقيتوا ابني؟

أخبروها أن الطفل بخير وأنه تم العثور عليه على الشاطئ.

انفجرت مي في البكاء.

ولم تستطع أن تقول شيئًا آخر.

في تلك اللحظة، فهم الجميع لماذا ظل الطفل ينظر إلى البحر منذ لحظة العثور عليه.

كان ينتظر والدته.

لكن البحث لم ينتهِ.

كان الأب لا يزال مفقودًا.

واصلت فرق الإنقاذ البحث في المنطقة، وبعد فترة عثروا على أحمد بين مجموعة من الصخور على مسافة بعيدة.

كان قد أصيب في ساقه، لكنه ظل متشبثًا بالصخور طوال الليل، محاولًا ألا تجرفه المياه.

وبعد نقله إلى المستشفى، بدأت الصورة الكاملة للحادث تتضح.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى