قصص وروايات

ابويا الغني ظهر

وأخرج منه صورة قديمة جدًا.
حطها قدام عيني.
بصيت للصورة…
وكان فيها أبويا، وأمي، وأنا طفلة صغيرة.
لكن كان فيه شخص رابع واقف جنبهم.
شخص عمري ما شفته في حياتي.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط أبويا
لو سوسن شافت الصورة دي، يبقى الوقت جه تعرف مين الشخص اللي سرق منها أبوها 34 سنة.
رفعت عيني للمحامي.
وقلت
مين الراجل ده؟
المحامي فضل ساكت.
لكن كارولين همست من ورايا
ده… جدي.
التفت لها بسرعة.
جدك؟! إزاي؟
كارولين بصتلي، وعينيها مليانة دموع.
وقالت
لأن أبويا عمره ما كان الابن الحقيقي لحسن.
سكت الجميع.
وأنا حسيت إن السر اللي دفنوه 34 سنة…
لسه بيبدأ يتكشف فضلت باصة لكارولين كأني مستنية منها تضحك وتقول إنها بتهزر.
لكنها ما ضحكتش.
المحامي قفل باب المكتب وقال
اللي هيتقال هنا مش هيخرج من الأوضة دي.
بصيت له وقلت
أنا مش فاهمة حاجة. إزاي حسن يبقى مش أبو كارولين الحقيقي؟
كارولين ردت بصوت مكسور
حسن كان مربيّني… لكن أبويا الحقيقي مات قبل ما أتولد.
سألتها
وأبويا كان عارف؟
هزت رأسها.
كان عارف كل حاجة.
المحامي حط الصورة على المكتب وقال
الصورة دي اتصورت قبل ولادتك بسنة.
بصيت للصورة مرة تانية.
أمي كانت واقفة جنب حسن، والشخص الغريب واقف الناحية التانية.
قلت
طب الراجل ده مين؟
المحامي قال
اسمه محمود.
تجمدت.
محمود مين؟
قال
محمود الراوي…

الشريك القديم لحسن.
كارولين شهقت.
هو؟
المحامي أومأ.
أيوه. وهو الشخص اللي اختفى في نفس السنة اللي اختفت فيها سوسن من حياة حسن.
بصيت له بعدم تصديق.
يعني إيه اختفى؟
قال
محمود اختفى فجأة، وبعدها بأيام حسن سلّم سوسن لدار الرعاية.
اتسعت عيني.
أبويا هو اللي سلّمني؟
المحامي سكت.
وكان السكوت كفاية.
حسيت بغضب شديد.
يعني طول السنين دي كنت فاكرة إنه سابني… لكنه هو اللي سلّمني؟
كارولين قربت مني وقالت
هو ماكانش قادر يحميكي.
صرخت فيها
ماكانش قادر؟! أنا كنت طفلة!
لكنها قالت جملة خلتني أسكت
لأن اللي كان بيهددك… كان أقرب شخص ليكي.
بصيت لها.
مين؟
كارولين بصت للمحامي.
المحامي قال
الاسم موجود في تسجيل أبوكي.
ثم أخرج جهاز تسجيل صغير من درج المكتب.
ضغط زر التشغيل.
اتسمع صوت أبويا.
صوت ضعيف ومتعب، لكنه واضح
سوسن… لو بتسمعي كلامي ده، يبقى أنا مت.
اتحبست أنفاسي.
أنا عارف إنك هتكرهيني لما تعرفي الحقيقة… ويمكن عمرك ما تسامحيني.
صوته اتقطع لحظة.
ثم كمل
لكن أنا أبعدتك عني عشان أحميكي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
كان فيه شخص في عيلتنا مستعد يعمل أي حاجة عشان يوصل لثروة العيلة… وكان شايف إن وجودك خطر على كل اللي بناه.
المحامي وقف التسجيل فجأة.
صرخت
ليه وقفته؟!
قال
لأن الجزء اللي بعده… لازم تسمعيه وإنتِ مستعدة.
قلت
شغله.
بصلي للحظات، وبعدين ضغط الزر.
رجع صوت أبويا
الشخص ده كان عارف إن سوسن هي الوريثة الوحيدة لجزء من ممتلكات أمها.
اتصدمت.
وريثة؟!
كارولين بصتلي بصدمة هي كمان.
أبويا كمل
لكن أخطر حاجة… إن الشخص ده كان عارف إن أم سوسن تركت دليلًا يثبت ملكيتها لأموال ضخمة قبل وفاتها.
صوت التسجيل بدأ يضعف.
ثم قال أبويا آخر جملة
والدليل ده… مخبّي في مكان سوسن عاشت فيه وهي طفلة.
وفجأة التسجيل انتهى.
ساد الصمت.
بصيت للمحامي وقلت
أي مكان؟
قال
دار الرعاية.
سألته
أنهي دار؟
رد
الدار اللي قضيتِ فيها أول سبع سنين بعد وفاة أمك.
حسيت بقشعريرة.
أنا كنت فاكرة إن الماضي انتهى.
لكن الحقيقة…
إن الماضي كان مستنيني من أول يوم خرجت فيه من الدار.
وقبل ما نتحرك، تليفون كارولين رن.
بصت للشاشة، وشها اتغير.
قلت
مين؟
ردت وهي بتحاول تخبي التليفون
رقم مجهول.
لكن المحامي خطف التليفون منها.
فتح الرسالة.
كانت جملة واحدة
لو سوسن راحت للدار… مش هترجع.
وفي نفس اللحظة…
سمعنا صوت عربية بتتحرك بسرعة من قدام القصر.
الضابط جري ناحية الشباك.
وقال
في حد كان بيراقبنا!
المحامي بصلي وقال
لازم نروح للدار قبلهم.
لكن وأنا بجهز نفسي، لقيت حاجة صغيرة واقعة على الأرض جنب مكتبي.
مفتاح قديم.
وعليه رقم
17.
تحت الرقم كان محفور اسم واحد
سوسن.
عرفت وقتها إن أبويا ماكانش بيحاول يسيبلي ثروة.
كان بيحاول يسلّمني سرًا…
ولو السر ده وقع في إيد الشخص الغلط، ممكن يغيّر حياتي كلها مسكت المفتاح بقوة، وفضلت باصة للاسم المحفور عليه.
سوسن.
صوتي خرج متقطع
هو كان مخبيه من إمتى؟
المحامي قال
غالبًا من يوم ما اتنقلتي من الدار.
قلت
طب ليه مااداهوليش بنفسه؟
المحامي رد
لأنه كان متأكد إن لو إنتِ عرفتي مكانه قبل الوقت المناسب… حياتك هتكون في خطر.
الضابط تدخل وقال
مفيش وقت للكلام. لازم نتحرك.
خرجنا من القصر بسرعة.
لكن وأنا راكبة العربية، بصيت من الشباك ناحية القصر.
كارولين كانت واقفة عند الباب.
ماكانتْش بتبصلي بخوف المرة دي.
كانت بتبصلي كأنها عارفة حاجة أنا لسه ماعرفتهاش.
وبمجرد ما العربية اتحركت، تليفون المحامي رن.
رد.
وشه اتغير.
إيه؟
سكت شوية.
ثم قال
متأكد؟
قفل المكالمة وبصلي.
قلت
في إيه؟
قال
حد دخل دار الرعاية من ساعة.
سألته
مين؟
هز رأسه.
لسه مش معروف.
وصلنا بعد حوالي ساعة.
المكان كان قديم جدًا، والمبنى تقريبًا زي ما هو رغم مرور السنين.
أول ما دخلت، حسيت بحاجة غريبة.
ريحة المكان…
الممر…
السلم الخشبي…
حتى صوت الباب لما بيتقفل.
كل حاجة رجعتلي فجأة.
ذكريات كنت فاكرة إني نسيتها.
بنت صغيرة قاعدة في ركن لوحدها.
بتبص من الشباك.
ومستنية حد ييجي ياخدها.
لكن محدش جه.
مشيت ناحية الممر القديم.
وفجأة وقفت.
هنا.
المحامي سألني
إيه؟
أشرت لباب قديم.
أوضتي.
كان مكتوب على الباب رقم 17.
حطيت المفتاح في القفل.
لفّيته.
الباب اتفتح بسهولة.
دخلت.
الأوضة كانت فاضية تقريبًا.
سرير قديم.
دولاب صغير.
وشباك عليه قضبان حديد.
مشيت ناحية الحائط.
وفجأة افتكرت حاجة.
وأنا صغيرة، كنت بخبط على الحيطة دي كل ليلة.
كنت بسمع صوت غريب وراها.
حطيت إيدي عليها.
وخبطت مرتين.
سمعت صوت مكتوم.
الضابط قرب بسرعة.
في فراغ ورا الحيطة.
المحامي بدأ يدور على أي فتحة.
وبعد دقائق، لقينا قطعة خشب صغيرة مستخبية تحت طبقة دهان.
شدوها.
ظهر تجويف صغير.
وفيه صندوق معدني أسود.
قلبي بدأ يدق بعنف.
المحامي فتحه.
جواه كان فيه ظرف قديم جدًا.
وعليه اسم
إلى سوسن… عندما تبلغ الأربعين.
بصيت للمحامي.
أبويا كان عارف إني هعيش لحد الأربعين؟
قال
لا.
ثم قلب الظرف.
هو كان عارف إنك في سن الأربعين هتقدري تفهمي الحقيقة.
فتحت الظرف.
كان فيه ورقة واحدة وصورة.
قرأت
سوسن، لو وصلتي للصندوق ده، يبقى حسن مات، وأنا ماقدرتش أصل لكِ بنفسي.
توقفت.
أنا؟
المحامي قال
كملي.
رجعت أقرأ.
أنا محمود الراوي.
اتسعت عيني.
نفس الرجل اللي في الصورة.
أنا مش عدو أبوكي… وأنا مش الشخص اللي اختفى.
وقبل ما أكمل، سمعنا صوت خطوات في الممر.
الضابط أشار لنا نسكت.
الخطوات قربت.
وبعدين توقفت قدام باب الغرفة.
مقبض الباب بدأ يتحرك ببطء.
كارولين كانت واقفة خلفي.
وفجأة همست
سوسن…
بصيت لها.
وشها كان أبيض تمامًا.
قالت
أنا عارفة مين برا.
الباب بدأ يتفتح…
وقالت
ده الشخص اللي أبويا كان خايف منه طول حياته الباب اتفتح ببطء، وكلنا ثبتنا مكاننا.
ظهر راجل كبير في السن، لابس جاكت غامق، ووشه هادي بشكل يخوف.
كارولين شهقت
عمي فريد؟!
الراجل بص لها وقال
أيوه… أنا.
أنا بصيت للمحامي بسرعة.
ده مين؟
قال
فريد حسن… أخو أبوكي.
اتجمدت.
أخو أبويا؟
فريد دخل الأوضة من غير ما يستأذن، وبص للصندوق المفتوح.
وقال
كنت عارف إن حسن هيخبي الصندوق هنا.
المحامي وقف قدامي.
إنت كنت بتراقبنا؟
فريد ابتسم.
أنا كنت مستني اللحظة دي من سنين.
قلت بعصبية
إنت اللي هدد أبويا؟
ابتسامته اختفت.
أبوك كان أضعف من إنه يواجه الحقيقة.
رديت
أي حقيقة؟!
بصلي مباشرة.
إن أمك ما ماتتش وهي فقيرة زي ما اتقالك.
سكت الجميع.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
يعني إيه؟
فريد قال
أمك كانت تملك نصيبًا كبيرًا من شركة العيلة. وبعد وفاتها، حسن حاول يحافظ على حقك.
المحامي قاطعه
لكن فريد كان عايز يستولي على كل شيء.
فريد بص له بغضب.
إنت مالك؟
المحامي رد
أنا كنت محامي حسن قبل ما أكون محامي سوسن.
فريد ضحك ضحكة قصيرة.
حسن اختارك عشان تكون حارس أسراره.
ثم بصلي.
لكن فيه سر واحد حتى هو ماعرفوش.
قلبي دق بسرعة.
إيه هو؟
فريد قرب خطوة.
محمود الراوي ماكانش شريك حسن بس.
سكت لحظة.
ثم قال
كان الشخص اللي أمك وثقت فيه قبل ما تموت.
كارولين قالت
عمي… كفاية.
فريد التفت لها.
إنتِ لسه فاكرة إن أبوكي هو حسن؟
كارولين سكتت.
وبصت للأرض.
أنا قربت منها.
إنتِ عارفة حاجة؟
ما ردتش.
فريد قال
كارولين عارفة أكتر مما قالت لك.
بصيت لها.
إيه اللي إنتِ عارفاه؟
دموعها نزلت.
وقالت
أنا كنت موجودة يوم آخر مرة شفت فيها أمك.
اتصدمت.
إنتِ؟!
هزت رأسها.
كنت طفلة… بس فاكرة.
المحامي سألها
ليه ماقولتيش الكلام ده قبل كده؟
قالت
لأن أبويا الحقيقي هدّدني.
فريد ضحك بسخرية.
لسه بتكدبي.
كارولين رفعت رأسها وقالت
أنا مش بكذب.
ثم بصت لي.
أمك قبل ما تموت، سابت حاجة عندي.
أنا قربت منها.
إيه؟
كارولين طلعت من جيبها مفتاح صغير.
وحطته في إيدي.
قالت
ده كان مع أمي… وأبويا حاول ياخده مني سنين.
بصيت للمفتاح.
كان عليه رقم مختلف
41.
المحامي اتصدم.
الغرفة 41…
قلت
غرفة إيه؟
قال
غرفة في مبنى قديم تابع لشركة حسن.
فريد فجأة اندفع ناحية كارولين.
لكن الضابط أمسكه.
وفي اللحظة دي، وقع من جيب فريد ظرف صغير.
المحامي انحنى وأخده.
فتحه.
كان جواه مستند واحد.
بص فيه، وبعدين رفع عينيه لي.
وقال بصوت منخفض
سوسن… لازم نخرج من هنا فورًا.
سألته
ليه؟
مد لي المستند.
وكان فيه توقيع أبويا.
وتحته جملة واحدة
إذا وصلت سوسن إلى الغرفة 41، فلا تثق في أي شخص معها… حتى كارولين.
بصيت لكارولين.
هي كانت بتبصلي ودموعها في عينيها.
لكن قبل ما أقول أي كلمة…
وصلنا صوت تليفون بيرن داخل الصندوق القديم.
المشكلة إن الصندوق ماكانش فيه أي تليفون.
المحامي فتح الجزء السفلي منه.
ولقينا جهاز صغير جدًا.
رن مرة تانية.
وبعدين ظهرت على شاشته كلمة واحدة
سوسن.
مديت إيدي ناحية الجهاز…
لكن أول ما لمسته، اشتغل تسجيل صوتي.
وكان صوت أبويا.
قال
لو سمعتي التسجيل ده، يبقى فريد عرف مكانك… لكن اللي إنتِ لسه ماعرفتيهوش هو أخطر جزء في الحكاية.
ثم سكت ثواني.
وقال
كارولين مش بنتي الوحيدة.
انقطعت أنفاسي.
التسجيل كمل
وليّا بنت تانية… عايشة بينكم من سنين.
ثم انطفأ الجهاز.
بصيت لكارولين.
وبصيت للمحامي.
وقلت
مين؟
لكن محدش رد.
وفي اللحظة دي، فهمت إن السر الحقيقي…
لسه ما بدأش يظهر فضلت باصة للمحامي وكارولين، ومستنية حد ينطق.
مين البنت التانية؟
المحامي مسح على وشه وقال
أبوك ماكتبش الاسم.
صرخت
بس هو قال إنها عايشة بينا!
كارولين كانت ساكتة، ووشها متوتر.
فريد حاول يتكلم، لكن الضابط منعه.
قلت لكارولين
إنتِ عارفة.
هزت رأسها بسرعة.
لا.
بتكذبي.
دموعها نزلت.
والله ما أعرف مين.
فجأة المحامي افتكر حاجة.
فتح الورقة اللي لقيناها في الصندوق، وبص في أسفلها.
كان فيه رقم صغير مكتوب بالقلم
3 17 41
قال
دي مش أرقام غرف بس.
سألته
أمال إيه؟
قال
دي أماكن… أو تواريخ.
قربت منه.
وإيه علاقة ده بالبنت التانية؟
رد
لازم نرجع للقصر.
رجعنا القصر قبل المغرب.
أول ما دخلنا، لاحظت إن الجو مختلف.
الخدم كلهم كانوا واقفين بعيد.
وكأنهم مستنيين حاجة.
المحامي قال
حسن كان بيخبي أوراقه في مكان محدش يعرفه.
سألته
فين؟
قال
مكتبته.
دخلنا المكتبة.
بدأ يراجع الكتب واحد ورا التاني.
وفجأة وقف قدام رف قديم.
سحب كتابًا سميكًا.
الرف كله اتحرك.
ظهر خلفه درج سري.
فتح الدرج.
كان جواه ملف كبير.
على الغلاف مكتوب
العائلة.
فتحت الملف.
أول صفحة كانت شهادة ميلادي.

مقالات ذات صلة
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى