قصص و روايات

ازل وشاهين

لاحظ آدم.

وابتسم.

مقالات ذات صلة

قال:

— أنا حاسس إن في حاجات بتحصل وأنا آخر واحد يعرفها.

قالت أزل بسرعة:

— مفيش حاجة بتحصل.

شاهين قال في اللحظة نفسها:

— فيه شوية حاجات.

التفتت له.

— شاهين!

ضحك آدم.

— خلاص فهمت.

قالت بحدة زائفة:

— تفهم إيه؟

— ولا حاجة يا دكتورة.

ثم أشار للكيس.

— إيه ده؟

جلس شاهين بجواره.

— كتب.

فتح آدم الكيس.

كانت روايات وكتب تاريخ وبعض الكتب العلمية.

قال:

— كل ده ليا؟

— آه.

— إنت عرفت منين إني بحب الحاجات دي؟

رد شاهين:

— سألت.

قال آدم:

— مين؟

أشار شاهين إلى أزل.

— أمك.

نظر آدم لأمه.

قال:

— يعني إنتوا بتتكلموا عليا من ورايا؟

قالت أزل:

— بنخطط لمستقبلك الإجرامي.

ضحك الثلاثة.

وفي تلك اللحظة، شعرت أزل بشيء لم تشعر به منذ زمن طويل.

صورة عائلة.

أب.

أم.

ابن.

صورة عادية جدًا.

لكنها بالنسبة لها كانت غريبة حد الألم.

بعد أن نام آدم، وقف شاهين في الشرفة.

خرجت أزل إليه.

كان الليل هادئًا.

قالت:

— شكرًا.

نظر لها.

— على إيه؟

— على كل حاجة.

— متشكرينيش.

— ليه؟

قال:

— عشان أنا مش بعملها كخدمة.

سكتت.

قال:

— أنا بحب الولد.

نظرت إليه.

— هو كمان بيحبك.

ابتسم.

— عارف.

— ودي حاجة مخوفاني.

اختفت ابتسامته.

— ليه؟

قالت:

— عشان لو إحنا ماكملناش…

سكتت.

فهم.

قال:

— إنتِ شايفة إننا ممكن ما نكملش؟

قالت بصدق:

— شايفة إن أي حاجة ممكن تحصل.

— أنا مش بسألك عن الدنيا. بسألك عنك.

نظرت إليه طويلًا.

قال:

— إنتِ عايزاني؟

لم تجب فورًا.

لكن هذه المرة لم تهرب.

قالت:

— آه.

كانت أول مرة تقولها.

شيء هادئ انكسر في وجه شاهين.

كأنه كان مستعدًا لأي شيء إلا الصراحة.

قال:

— قوليها تاني.

ابتسمت.

— متطمعش.

ضحك.

ثم سكت.

وقال:

— وأنا عايز أتجوزك.

توقفت ابتسامتها.

لم تتفاجأ تمامًا.

لكن سماعها بصوت واضح جعل الأمر حقيقيًا.

قالت:

— شاهين…

— مش دلوقتي لو مش جاهزة.

— أنا…

— اسمعيني.

اقترب خطوة واحدة فقط.

— أنا مش عايزك تدخلي جواز عشان خايفة من كلام الناس.

سكت.

— ولا عشان آدم متعلق بيا.

— ولا عشان أنا استنيتك.

ثم قال:

— أنا عايزك تقولي آه يوم ما تكوني عايزة شاهين نفسه.

رفعت عينيها إليه.

قالت بصوت خافت:

— وإنت فاكر إني عايزة مين؟

نظر لها.

ولم يرد.

لكن عينيه أجابتا بدلًا عنه.

في اليوم التالي، وصلت رسالة إلى أزل من رقم غريب.

“أنا المحامي الخاص بالمرحوم مراد عبد الجواد. فيه أوراق لازم حضرتك تستلميها بنفسك.”

تجمدت يدها فوق الهاتف.

مراد.

منذ موته، كانت تتجنب اسمه قدر الإمكان.

ردت برسالة قصيرة:

“ممكن تبعتها على الإيميل.”

جاء الرد:

“للأسف لا. الموضوع شخصي وقانوني.”

لم تحب الأمر.

لكنها وافقت.

بعد يومين، جلست في مكتب محامٍ بالقاهرة.

رجل في أواخر الخمسينات، هادئ، يرتدي نظارة رفيعة.

وضع ملفًا أمامها.

قال:

— الأستاذ مراد كان موصي إن الملف ده يتسلم لحضرتك في حالة وفاته.

نظرت للملف.

— فيه إيه؟

قال:

— عقود.

— عقود إيه؟

تردد.

— أملاك.

قالت:

— دي اتوزعت في التركة.

هز رأسه.

— دي حاجة تانية.

فتح الملف.

وجدت أوراقًا كثيرة.

شقق.

حسابات.

استثمارات.

لكن اسمًا واحدًا جعلها تتجمد.

اسمها.

على عدة عقود.

قالت:

— إيه ده؟

قال المحامي:

— جزء من الأملاك دي متسجل باسم حضرتك من سنين.

رفعت رأسها.

— من سنين؟

— أيوه.

— أنا ممضيتش على حاجة.

سكت الرجل.

شعرت بقلبها يبطؤ.

قالت:

— أنا ممضيتش.

قال المحامي:

— ممكن يكون فيه توكيل قديم.

— مفيش.

تغير وجهها.

— ممكن أشوف التوقيعات؟

ناولها الأوراق.

نظرت.

توقيعها.

لكنها عرفت فورًا.

ليس خطها.

قالت:

— ده مزور.

صمت المحامي.

رفعت رأسها.

— ده توقيعي مزور.

قال:

— أنا ما كنتش موجود وقت تسجيل العقود.

— بس إنت كنت محاميه.

— في آخر خمس سنين بس.

بدأت تقلب الأوراق بسرعة.

وجدت اسم شركة.

ثم أسماء تحويلات.

وحسابات.

قالت:

— مراد كان عامل إيه؟

قال المحامي:

— في شوية تعاملات كانت بتتم باسم حضرتك.

اتسعت عيناها.

— من غير علمي؟

— حسب اللي ظاهر… آه.

نهضت.

— يعني كان بيستخدم اسمي؟

قال الرجل:

— محتاجين نراجع الموضوع بدقة.

قالت بصوت منخفض:

— في حاجة غلط.

ثم رفعت عينيها.

— كبيرة.

خرجت من المكتب وعقلها مشتعل.

اتصلت بشاهين.

رد فورًا.

— أزل؟

قالت:

— إنت فين؟

عرف من صوتها.

— في القاهرة.

توقفت.

— فين بالظبط؟

أعطاها عنوانه.

قال:

— مالك؟

قالت:

— محتاجاك.

وصل بعد أقل من نصف ساعة.

وجدها جالسة في كافيه صغير، والملف أمامها.

جلس.

قال:

— إيه ده؟

دفعته نحوه.

— اقرا.

بدأ يتصفح الأوراق.

ببطء في البداية.

ثم أسرع.

ملامحه تغيرت.

قال:

— التوقيع ده بتاعك؟

— مزور.

رفع رأسه.

— متأكدة؟

قالت:

— أنا أعرف خطي.

صمت.

قلب صفحة أخرى.

ثم قال:

— أزل… الشركات دي بعضها كان داخل في مناقصات كبيرة.

قالت:

— يعني؟

— يعني لو فيه تهرب أو نقل فلوس أو حاجة غير قانونية، اسمك ممكن يبقى داخل فيها.

شحب وجهها.

— أنا معملتش حاجة.

قال فورًا:

— عارف.

نظرت إليه.

قال:

— وأنا مصدقك.

أغمضت عينيها.

— أنا كنت فاكرة إنه مات وخلصت منه.

قال شاهين بهدوء:

— هنخلص من الموضوع.

فتحت عينيها.

قالت:

— هنخلص؟

— آه.

— شاهين، دي مش مشكلتك.

نظر إليها طويلًا.

— متعيديش الجملة دي.

— بس…

— أزل.

سكت.

قال:

— أنا مش باخد مكانك. ولا هتصرف من وراكي.

ثم أشار للملف.

— بس مش هسيبك تواجهِي ده لوحدك.

هذه المرة لم تعترض.

بدأ التحقيق في الأوراق.

استعانت أزل بمحامٍ مستقل.

وشاهين ساعدها في الوصول إلى محاسب قانوني موثوق.

ومع الأيام، بدأت الحقيقة تظهر.

مراد كان قد استخدم اسم أزل في تسجيل ممتلكات وتحويلات لتقليل الضرائب وإخفاء جزء من نشاطه المالي.

بعض الأوراق حملت توقيعًا مزورًا.

وبعضها تم عبر توكيل قديم كانت أزل قد وقعت عليه في أول سنوات زواجهما دون أن تفهم تفاصيله.

وحين عرفت ذلك، جلست في مكتب المحامي ويداها ترتجفان.

قالت:

— أنا فاكرة اليوم ده.

نظر شاهين إليها.

قالت:

— قالي دي ورق إقامة وتأمين.

ضحكت بمرارة.

— وأنا مضيت.

قبض شاهين يده.

قال:

— ماكنتيش تعرفي.

قالت:

— بس مضيت.

— عشان وثقتي فيه.

قالت:

— عشان كنت بخاف منه.

صمت.

ثم قالت:

— حتى بعد موته لسه بيقرر عني.

قال شاهين:

— لأ.

رفعت عينيها.

قال:

— المرة دي لأ.

لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعد أسبوع.

اتصل المحامي بأزل.

قال:

— لقينا صندوق أمانات باسم المرحوم.

ذهبت.

كان الصندوق يحتوي على أوراق شخصية.

صور.

جوازات قديمة.

مجوهرات.

وخطابات.

من بينها ظرف عليه اسمها.

فتحت الظرف.

كان داخله ورقة قصيرة بخط مراد.

“لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أنا مت. عارف إنك كرهتيني. ويمكن من حقك. بس اللي عملته كان عشان أحمي فلوسي من إخواتي ومن المشاكل. اسمك كان أضمن اسم. وإنتِ عمرك ما كنتي هتسيبيني.”

توقفت عند الجملة الأخيرة.

إنتِ عمرك ما كنتي هتسيبيني.

ضحكت.

ثم بكت.

قال شاهين من خلفها:

— أزل.

رفعت الورقة.

قالت:

— حتى وهو بيكتب اعتراف، شايفني حاجة مضمونة.

أخذها شاهين.

قرأ.

عيناه اسودتا.

قال:

— كان واثق إنك مش هتمشي.

قالت:

— عشان كان عارف إن أهلي قفلوا الباب.

سكتت.

ثم قالت:

— عارف أسوأ حاجة؟

— إيه؟

قالت:

— إنه كان عنده حق وقتها.

أغلق شاهين الورقة.

قال:

— وقتها.

ثم نظر إليها.

— مش دلوقتي.

بعد انتهاء الإجراءات الأولية، عادت أزل إلى القرية.

لكن الخبر سبقها.

الناس بدأت تتكلم عن “قضية فلوس”.

عن “أملاك مراد”.

عن “توقيعات”.

وفي بيت أمها، انفجرت المواجهة.

قالت الأم:

— هو إحنا ناقصين فضايح؟!

أزل نظرت لها.

— فضايح؟

— الناس بتقول إن اسمك في ورق مش مظبوط!

— لأن جوزك اللي اخترتيهولي كان بيزور توقيعي.

قالت الأم:

— الله يرحمه.

ضحكت أزل بلا فرح.

— حتى دي هتقوليها؟

— الميت ما يتشتمش.

— وأنا مش بشتمه. أنا بقول الحقيقة.

قالت الأم:

— ما كان راجل وبيخاف على ماله.

توقفت أزل.

شيء بارد اجتاحها.

قالت:

— إنتِ لسه بتدافعي عنه؟

— أنا بقول يمكن ليه وجهة نظر.

ضحكت أزل.

ضحكة انكسرت في منتصفها.

— وجهة نظر؟

اقتربت.

— لما استخدم اسمي من غير علمي، دي وجهة نظر؟

— لما زور توقيعي، دي وجهة نظر؟

— لما خلاني أعيش سنين وأنا مش عارفة إيه اللي متسجل باسمي، دي وجهة نظر؟

صرخت الأم:

— طب كنتي تعملي إيه؟ كنتي تطلقي؟

سكتت أزل.

ثم قالت بهدوء مرعب:

— آه.

تجمدت الأم.

— كان المفروض أطلق.

صمت.

— وكان المفروض أرجع بيت أبويا.

— وكان المفروض ألاقي أمي تقولي تعالي.

ارتجفت شفتا الأم.

قالت أزل:

— بس إنتِ من أول يوم قلتيلي “البيت اللي خرجتي منه عروسة مترجعيش له غير زائرة.”

دموع الأم ظهرت.

قالت:

— أنا كنت خايفة عليكي.

قالت أزل:

— لأ يا أمي.

ثم أضافت بصوت أهدأ:

— إنتِ كنتي خايفة من الناس.

خرجت أزل من البيت.

وجدت شاهين واقفًا عند سيارته.

كان ينتظرها.

نظر إلى وجهها.

فهم.

قال:

— نروح؟

هزت رأسها.

ركبت.

لم يتكلم.

قاد خارج القرية.

بعد مسافة، قالت:

— وقف.

أوقف السيارة.

نزلت.

كانت أمام الغيط القديم.

المكان نفسه.

وقفت تحدق في الأرض.

نزل شاهين خلفها.

قال:

— أزل؟

قالت:

— أنا تعبت.

اقترب.

— عارف.

قالت:

— لا.

ثم التفتت إليه.

— أنا تعبت من إني أبقى قوية.

دموعها نزلت.

— كل الناس شايفاني الدكتورة أزل.

— اللي نجحت.

— واللي ربت ابنها.

— واللي وقفت على رجلها.

صوتها انكسر.

— بس أنا تعبت.

ظل شاهين ساكتًا.

قالت:

— ينفع مرة واحدة ما أبقاش قوية؟

قال:

— ينفع.

— ينفع أخاف؟

— ينفع.

— ينفع أقول إني مش عارفة أعمل إيه؟

قال:

— ينفع.

بكت.

ثم قالت:

— ينفع تحضني؟

لم يتحرك فورًا.

كأنه يريد أن يتأكد أنها قالتها فعلًا.

ثم فتح ذراعيه.

دخلت أزل بينهما.

ولم يكن الحضن عاصفًا.

لم يشدها بعنف.

لم يضغطها إلى جسده.

فقط أحاطها.

بهدوء.

وكأن جسدها شيء يستحق الاحترام لا الامتلاك.

دفنت وجهها في صدره.

وبكت.

كل دموع الخمسة عشر عامًا.

شاهين لم يقل: “ماتعيطيش”.

لم يقل: “اهدي”.

تركها تبكي.

وحين هدأت، قال:

— أنا هنا.

قالت من بين دموعها:

— خايفة أتعود.

— على إيه؟

— عليك.

سكت لحظة.

ثم قال:

— اتعودي.

رفعت وجهها.

نظر لها.

— بس متخليش وجودي يبقى بديل عن قوتك.

قالت:

— أنا مش عايزة أعيش لوحدي طول عمري.

قال:

— وأنا مش عايزك تعيشي لوحدك.

صمتت.

قال:

— أزل.

— نعم؟

— هتتجوزيني؟

هذه المرة لم يطرح السؤال كاختبار.

ولا كضغط.

ولا كطلب مستعجل.

قاله رجل عرف كل الحقيقة.

وعرف الجروح.

وعرف أنها قد تقول لا.

أزل نظرت إليه.

ثم قالت:

— عندي شرط.

ابتسم.

— واحد بس؟

قالت:

— متهزرش.

اختفت ابتسامته.

— قولي.

قالت:

— عمرك ما تاخد قرار يخصني من غيري.

هز رأسه.

— وعد.

— حتى لو شايف إن القرار في مصلحتي.

— وعد.

— وعمرك ما تستخدم حبي ليك عشان تضغط عليا.

قال:

— وعد.

ترددت.

— ولو في يوم قلتلك إني محتاجة مساحة؟

قال:

— هديهالك.

دمعتها نزلت.

قال:

— بس أنا كمان عندي شرط.

رفعت حاجبها.

— إيه؟

قال:

— لما تخافي… متجريش لوحدك.

سكت.

— تعالى قوليلي.

ابتسمت من بين دموعها.

— حاضر.

نظر إليها.

— يعني دي آه؟

تنفست.

خمسة عشر عامًا مرت بين السؤال والإجابة.

بين بنت خائفة لا تملك قرارها.

وامرأة تصنع قرارها بنفسها.

قالت:

— آه يا شاهين.

أغمض عينيه لحظة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى