منوعات

المستشفي

“أجمعهم عشان لو تعبت تاني.”
قلبي اتقبض.
“مين قالك إنك لازم تدفع عشان تتعالج؟”
الولد سكت.
بص في الأرض.
“محدش.”
“طب إنت جيت هنا إزاي؟”
رفع عينه ناحيتي.
“لوحدي.”

حسام قرب خطوة.
“لوحدك منين؟”
الولد بلع ريقه.
“أنا خرجت لما خالتي داليا كانت نايمة.”
حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
داليا.
أختي الصغيرة.
نفس داليا اللي كانت موجودة يوم اختفاء يوسف.
نفس داليا اللي عاشت معايا كل لحظة من الخمس سنين اللي فاتوا.
نفس داليا اللي كانت بتعيط جنبي في كل مرة كنا بنفتكر فيها يوسف.
نفس داليا اللي كانت بتقول:
“أنا عمري ما هسامح نفسي إني بصيت بعيد عنه.”
بصيت لحسام.
هو كمان كان فاهم.
قبل ما أقدر أقول كلمة، جهاز اللاسلكي بتاعه اشتغل.
حسام بعد عننا ودخل الممر.
اتكلم بصوت واطي، وبعد كام دقيقة رجع.
لكن المرة دي، ملامحه كانت مختلفة تمامًا.
قلتله:
“في إيه؟”

قال:
“الأمن لقى ست كانت ماشية وراه وهي داخلة المستشفى.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“مين؟”
قال:
“حاولت تدخل من جراج المستشفى بعد ما الأمن قفل البوابة.”
وفجأة…
صوت ست جه من آخر الممر:
“إنتوا مين عشان تمنعوني عنه؟!”
كريم أول ما سمع الصوت، جسمه كله اترعش.
حط إيده على ودانه.
ولم رجله المصابة لصدره.
“لأ… لأ… أنا مش عايز أروح.”
وقفت قدامه فورًا.
جسمي كله بقى حاجز بينه وبين الباب.

حسام بص في تليفونه.
وبعدين قربه مني.
كانت صورة كاميرا المراقبة.
ست واقفة عند مدخل الجراج.
شكلها اتغير عن آخر مرة شفتها فيها.
وشها بقى أكبر.
ملامحها قست.
لكن العينين…
العينين دول مستحيل أنساهم.
اتجمدت مكاني.
“دي…”
حسام قال بهدوء:
“أيوه.”
داليا.
أختي.
الست اللي فضلت خمس سنين تبكي جنبي على ابني المختفي…
كانت واقفة دلوقتي جوه المستشفى.

وبتطالب إنها تاخد الولد.
الولد اللي عليه نفس علامة الهلال.
الولد اللي اسمه كريم.
الولد اللي ممكن يكون ابني يوسف.
بصيت للباب.
وصوت داليا كان بيقرب:
“مريم! ابعدي عنه! ده ابني!”
كريم بدأ يعيط.
وأنا لأول مرة من خمس سنين حسيت إن يوسف ممكن يكون قدامي فعلًا.
لكن كان قدامي قرار أخطر من أي قرار أخدته في حياتي…
أحمي الطفل لحد ما أعرف الحقيقة؟
ولا أواجه أختي بالحقيقة اللي ممكن تغيّر حياتنا كلنا للأبد؟
حسام قرب مني وقال بصوت منخفض:
“مريم… قبل ما نفتح الباب، لازم تعرفي إن اللي جاي ممكن يغيّر كل حاجة.”
بصيت له.
وبعدين بصيت لكريم.
وقلت:
“افتح الباب.”
وفي اللحظة اللي إيد حسام اتحركت ناحية المقبض…
سمعنا داليا بتصرخ من بره:
“لو عايزة تعرفي ابنك اختفى إزاي… اسأليني أنا!


لايك وارفعو البوست بخمس ؛. َ
عدت الساعات اللي بعد كده زي الحلم، اتنقل يوسف لأوضة العمليات عشان الدكاترة يصلحوا الكسر اللي اتساب شهور من غير علاج. كنت واقفة بره الأوضة، عينيا متثبتة عليه من زجاج الباب، مش قادرة أبعد عنه خطوة واحدة. حسام جالي بعد فترة ماسك في إيده التقرير الطبي والأوراق الرسمية، قرب مني وقال بنبرة هادية فيها راحة: “مريم.. التحاليل وكل الشواهد أثبتت مطابقة الـ DNA بنسبة كاملة. يوسف ابنك رسمياً وقانونياً، والقض..ية اتقفلت خلاص”. الدموع نزلوا من عيني بس المرة دي كانت دموع راحة، مسكت الورق وشددته لصدري وأنا بتنفس لأول مرة بحرية من خمس سنين. لما خرج يوسف من الأوضة ورجله متجبسة بالكامل، كان شكله مختلف.. وشه النظيف وشعره المغسول أظهروا ملامحي فيه وفي أبوه بشكل يوجع القلب من كتر الشبه. قعدت جنبه على السرير، بصلي بعيون واسعة وفيها حيرة وقال بصوت واطي: “هو أنا خلاص مش هرجع للست دي تاني؟ ومش هجمع إزايز من الشارع؟”. شديت على إيده وبستها: “ولا هترجع، ولا هتشوفها تاني في حياتك.. إنت رايح بيتك يا يوسف، بيتك اللي فيه سريرك ولعبك وحضني اللي مستنيك من خمس سنين”. بص ناحية الكومودينو اللي جنبه، شاف كيس الإزايز الفاضية والـ12 جنيه المتنيين، بصلي وابتسم لأول مرة ابتسامة صافية من قلبه وقال: “خلاص.. خدي الفلوس دي هديتك، وأنا مش عايز غير إنك تفضلي ماسكة إيدي”.

مسكت إيده بقوة وأنا بضم جسمه الصغير ليا، وخرجنا سوا من باب المستشفى للشمس اللي كانت بتشرق على بداية حياة جديدة لينا إحنا الاتنين
أول ما فتحت باب الشقة، كانت ريحة البيت دافية وساكتة، كأن المكان كله كان مستني اللحظة دي من خمس سنين. يوسف كان ماشي متسند على إيدي بالراحة، رجله  بتقاوم خطواته المترددة، وعينيه بتلف في المكان بذهول وخوف مكتوم، كأنه خايف يصحى فيلاقي كل ده حلم. مشيت بيه لحد باب أوضته، الأوضة اللي فضلت مقفولة ومتحافظ على كل تفصيلة فيها زي ما سابها؛ ألعابه على الرف،  الصغير، وصوره وهو طفل مالية الحيطان.

أول ما شاف الأوضة، وقف عند الباب ورفض يدخل. بص للنظافة اللي جوه وبعدين بص لرجله، وسألني بصوت واطي وخايف: “هو… هو أنا ينفع أدخل هنا؟ ولا هبوظ المكان؟”. كلامه كان بيشق قلبي نصين، نزلت لمستواه ودموعي بتلمع في عيني وقلتله: “الأوضة دي بتاعتك إنت يا يوسف، اتعملت عشانك وفضلت مستنياك كل السنين دي.. ادخل يا حبيبي ولا تخاف من أي حاجة في الدنيا”.

دخل بخطوات بطيئة، قرب من الحيطة ورفع إيده الصغيرة المرتعشة ولمس صورته وهو عنده سنتين. بص للفيلم بتركيز شديد وبعدين بصلي وسألني: “ده أنا؟ إنتِ كنتِ بتحبيني أوي كده عشان تشيلي كل الصور دي؟”. قعدت جنبه على طرف السرير وضميته بالراحة وقلتله: “أنا عمري ما بطلت أحبك ولا بطلت أدور عليك، إنت كنت النص التاني من روحي اللي ضاع مني، والنهاردة روحي ردتلي”.
لكن يوسف فجأة حط إيده في جيبه، وطلع الـ12 جنيه المتنيين، ودخل إيده تحت المخدة يحاول يداريهم. بصيتله باستغراب حنون وسألته: “بتعمل إيه يا حبيبي؟”. بص في الأرض وبلع ريقه وقال: “عشان… عشان لو صحيت ولقيت نفسي بره تاني، ألاقي فلوس أشتري بيها أكل وما أجوعش”.

قلبي اتعصر من الوجع على الطفولة اللي اتسرقت منه وقسوة السنين اللي عاشها. مسكت إيده بالراحة وحطيت الفلوس جوه صندوق خشبي صغير على الكومودينو وقفلته، واديتله المفتاح في إيده وقلتله بوضوح وثبات: “البيت ده بيتك، والسرير ده سريرك، وأنا أمك اللي مستحيل تسيبك تاني. محدش يقدر يرميك في الشارع، والفلوس دي هتفضل ذكرى لليوم اللي رجعتلي فيه”.

بص للمفتاح اللي في إيده، وبعدين بص للصندوق، ولأول مرة كتافه هديت تماماً. حط راسه على المخدة الناعمة وغمض عينيه، وإيده التانية ماسكة في طرف قميصي بقوة كأنه بيتأكد إني مش هختفي. قعدت جنبه أطبطب عليه وأمسد على شعره، وأنا شايفة ملامحه بتسترخي بالتدريج ولأول مرة ينام نوم عميق من غير ما يفزع أو يترعش، وعرفت إن رحلة الشفاء الحقيقية يلا بتبدأ، بس المرة دي إحنا مع بعض ومش هفرط فيه ثانية واحدة
تمت

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى