
4
السلة اللي غيّرت حياتي ج3 حكايات شروق خالد
-
العالم انتهيمنذ 12 ساعة
-
كاميرونيمنذ 12 ساعة
-
جوزي كان بيقول المخزن فاضيمنذ 12 ساعة
-
ابني ارتدي فستانمنذ 12 ساعة
الباب كان لسه نص مفتوح، وسارة واقفة قدامه وهي بتتنفس بصعوبة، كأنها كانت بتجري من آخر الشارع.
كانت أكبر بكتير من الصورة اللي شفتها، وشعرها بقى فيه خصلات بيضا، لكن عينيها…
نفس العينين.
عينين كريم وياسين.
أول ما شافت ولادها، حطت إيدها على بُقها وانهارت في العياط.
«كريم… ياسين…»
الاتنين ما اتحركوش.
فضلوا واقفين مكانهم كأنهم مش قادرين يصدقوا إن الست اللي سمعوا صوتها في التسجيل واقفة قدامهم بجد.
كريم قال بصوت مرتعش:
«إنتِ… ماما؟»
سارة هزت راسها.
«أيوه يا ابني.»
ياسين كان بيعيط من غير صوت.
قرب منها خطوة، وبعدين وقف.
«ليه؟»
سارة بصت له.
«ليه سيبتينا؟»
نزلت دموعها.
«عشان أنقذكم.»
صرخ كريم:
«بس إحنا كنا محتاجينك!»
سارة حطت إيدها على صدرها.
«وأنا كنت بموت كل يوم من غيركم.»
دخل حمدي خطوة من الباب.
«كفاية تمثيل.»
سارة لفتت له.
«إنت لسه زي ما إنت.»
ابتسم بسخرية.
«وأنتِ لسه فاكرة إنك تقدري تهربي مني؟»
أنا وقفت بينه وبين الولدين.
قلت:
«مش هتقرب منهم.»
بص لي باستغراب.
«إنتِ؟»
وبعدين ضحك.
«الست اللي ربت ولادي؟»
رديت بثبات:
«أيوه. أنا.»
قال:
«إنتِ مش أمهم الحقيقية.»
بصيت لكريم وياسين.
«أنا مش محتاجة أكون أمهم بالدم عشان أكون أمهم.»
كريم مسك إيدي.
وياسين وقف جنبي.
سارة بصت لي، ودموعها نزلت أكتر.
«أنا اخترتك عشان كنت عارفة إنك هتحبيهم أكتر من أي حد.»
حمدي مد إيده ناحية كريم.
«تعالى معايا يا ابني.»
كريم رجع خطوة.
«لا.»
حمدي .
«إنت ابني.»
كريم رد:
«بس هي أمي.»
وأشار لي.
«هي اللي كانت معانا لما كنا عيانين. هي اللي كانت بتسهر علينا. هي اللي حضرت أول يوم مدرسة. هي اللي شافتنا وإحنا بنقع ونقوم. هي اللي فضلت جنبنا عشرين سنة.»
ياسين وقف جنبه.
«إنت جاي دلوقتي بس عشان تقول إنك أبونا؟ الأب مش كلمة.»
حمدي اتعصب واندفع ناحية الباب.
لكن خالهم وقف في طريقه.
«خلصت يا حمدي.»
حمدي بص له.
«إنت مالك؟»
رد:
«أنا اللي سلمت سارة للشرطة من عشرين سنة عشان أحميها منك… وأنا اللي هشهد عليك النهارده.»
سكت حمدي.
وبعد دقائق، وصلت الشرطة اللي كان خالهم اتصل بيها.
ولما أخدوا حمدي، فضل واقف بيبص لكريم وياسين، لكن ولا واحد فيهم اتحرك ناحيته.
بعد ما مشي، ساد البيت صمت طويل.
سارة فضلت واقفة بعيد.
وبعدين قالت:
«أنا مش جاية آخدهم منك.»
بصيت لها.
«إنتِ أمهم.»
هزت راسها وهي بتعيط.
«وأنتِ كمان أمهم.»
الكلمة دي كسرت آخر حاجة جوايا.
قربت منها.
مسكت إيدها.
وقلت:
«تعالي اقعدي مع ولادك.»
كريم وياسين قربوا منها.
ولأول مرة في حياتهم، حضنوا أمهم البيولوجية.
وأنا وقفت جنبهم، مش حاسة بالغيرة.
كنت حاسة بالفخر.
لأني اكتشفت إن الأمومة مش دايمًا بتبدأ بولادة طفل.
أحيانًا بتبدأ بباب بيت…
وسلة خوص…
وطفلين مرعوبين…
وقلب واحد قرر يحبهم من غير ما يسأل هما جُم منين.
وبعد عشرين سنة، فهمت أخيرًا ليه ربنا حطهم قدام بابي في اليوم ده.
ماكانوش طفلين متسابين.
كانوا عيلة كاملة…
كانت لسه مستنية تتجمع.
حكايات شروق خالد
بعد ما حمدي اتاخد، البيت هدي لأول مرة من ساعات.
لكن أنا ماقدرتش أنام.
فضلت قاعدة في الصالة، والسلة القديمة قدامي على السفرة.
كنت كل شوية أبص لها وأفتكر الصبح اللي لقيت فيه كريم وياسين.
ساعتها كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
جوزي سابني، والدكاترة قالولي إن الحمل بالنسبالي مش سهل، وأنا كنت مقتنعة إن حلم الأمومة اتقفل بابه للأبد.
لكن الحقيقة كانت إن باب تاني كان مستنيني.
سمعت خطوات ورايا.
لقيت سارة واقفة.
قالت:
«ممكن أقعد؟»
ابتسمت.
«ده بيتك كمان.»
قعدت جنبي.
فضلنا ساكتين شوية.
وبعدين قالت:
«في حاجة عمري ما قلتها لحد.»
بصيت لها.
«إيه؟»
قالت:
«أنا ما اخترتش بيتك بالصدفة.»
استغربت.
«يعني إيه؟»
فتحت شنطتها وطلعت ورقة قديمة.
مدتها لي.
كانت صورة ليا وأنا أصغر بسنين.
وفي ظهرها مكتوب بخط إيد سارة:
“لو في يوم اضطررت أسيب ولادي، الست دي هتكون أأمن مكان ليهم.”
بصيت لها وأنا مش قادرة أتكلم.
قالت:
«كنتِ بتعاملي كل طفل في المركز كأنه ابنك. حتى الأطفال اللي محدش كان بيسأل عليهم.»
سكتت لحظة.
«عشان كده لما عرفت إني مش هقدر أحميهم، اخترتك.»
دموعي نزلت.
«بس إنتِ كنتِ تقدري ترجعي لهم.»
هزت راسها.
«حاولت.»
وبعدين طلعت موبايل قديم.
فتحت صور.
كانت صور لكريم وياسين من كل سن.
أول يوم مدرسة.
أول عيد ميلاد.
أول حفلة تخرج.
كل صورة كانت متصورة من بعيد.
بصيت لها مصدومة.
«إنتِ كنتِ بتشوفيهم طول السنين دي؟»
قالت:
«من بعيد. كل مرة كنت بقرب، كنت بخاف حمدي يكتشف مكاني ويوصل لهم.»
وبعدين ابتسمت بحزن.
«بس كان عندي حاجة واحدة بتطمني.»
«إيه؟»
بصت لي.
«إنهم معاكِ.»
في اللحظة دي، دخل كريم وياسين الصالة.
كريم قال:
«ماما.»
بصيت له.
«أيوه يا حبيبي؟»
قال:
«إحنا قررنا حاجة.»
«إيه؟»
ياسين قرب وقعد على الأرض قدامنا.
«إحنا مش عايزين نختار بينكم.»
بص لسارة.
«إنتِ أمنا اللي ولدتنا.»
وبص لي.
«وإنتِ أمنا اللي ربتنا.»
كريم مسك إيد كل واحدة فينا.
«وإحنا عايزين نفضل عيلة واحدة.»
سارة انهارت في العياط.
وأنا ضحكت وسط دموعي.
لأول مرة، السلة القديمة اللي كانت سبب كل الأسرار ما بقتش بتخوفني.
بقت ذكرى.
حطيتها في أوضة صغيرة في البيت، وحواليها صور كريم وياسين من يوم ما كانوا رُضّع لحد يوم تخرجهم.
وبعد كام شهر، بدأنا حياة جديدة.
سارة بقت تيجي كل جمعة.
وأنا وهي بقينا نقعد بالساعات نتكلم عن الولدين ونضحك على حكايات طفولتهم.
أما كريم وياسين، فكانوا كل ما يحصل بينهم خلاف، ييجوا يقولولي:
«ماما، احكمي بينا.»
وأرد عليهم:
«أنا ربيتكم عشرين سنة، بس أمكم التانية لسه بتتعلم عليكم.»
وكانوا يضحكوا.
بعد سنة، جه يوم عيد ميلادي.
دخلت الصالة، لقيت البيت متزين.
كريم وياسين وسارة واقفين مستنييني.
وفوق الترابيزة كانت نفس السلة.
بس المرة دي كانت مليانة ورد.
كريم قال:
«دي مش السلة اللي بدأت بيها الحكاية.»
ياسين كمل:
«دي السلة اللي هنفتكر بيها إن أحسن حاجة في حياتنا بدأت من يوم واحد قرر يسيبنا قدام بابك.»
سارة قربت مني.
«وأنا عمري ما هقدر أشكرك.»
هزيت راسي.
«إنتِ مش محتاجة تشكريني.»
بصيت لولادي.
«أنا اللي لازم أشكرهم… لأنهم خلوني أم.»
وفي اللحظة دي، فهمت الحقيقة اللي أخد مني عشرين سنة عشان أستوعبها:
أنا كنت فاكرة إن قِصر قامتي حرمني من الأمومة.
لكن الأمومة عمرها ما كانت مرتبطة بطول أو حمل أو دم.
الأمومة كانت في كل مرة كريم وقع فيها وجري عليّا.
وفي كل مرة ياسين خاف ومسك إيدي.
وفي كل ليلة فضلت صاحيه جنبهم.
وفي كل مرة نادوني فيها:
«ماما.»
وأنا…
كنت هفضل ماماهم، مهما كان مين اللي جابهم الدنيا.
السلة اللي غيّرت حياتي
حكايات شروق خالد








