منوعات

اخويا مفهم مراته انه فقير

مروة وشها  وقالتله بحرج وبصوت واطي: “بس يا أستاذ.. أنا ممعيش ولا مليم أدفعه أتعاب دلوقتي، كل اللي حيلتي يا دوب مصاريف أكل الواد اليومين دول”.

ابتسم المحامي بهدوء وطمنها وقال: “متشغليش بالك بالأتعاب خالص دلوقتي، أنا واثق من موقفك القانوني مية في المية.. إحنا هنعمل اتفاق، مش هاخد منك ولا مليم مقدماً، واتعابي كلها هتبقى نسبة من إجمالي التعويضات والمبالغ اللي هنجيبهالك وناخدها من جوزك بحكم المحكمة لما  تخلص وتقبضي كل مليم ليكي”.

مقالات ذات صلة

مروة ارتاحت وحست إن في أمل بعد ما كانت الدنيا مسودة في وشها، مضت على التوكيل والاتفاق، وخرجت من المكتب وهي حاسة إن ضهرها بقى مسنود بقوة القانون، وإن حق سنين التعب والشقا اللي  منها هيرجع غصب عن أخويا وعن أي حد داس عليها.

أخويا مكنش من النوع اللي ينكسر بسهولة، صح اتخض في الأول من المحاضر وقضايا النفقة، بس نفض هدومه ووقف بطوله وهو بيعدل ياقة قميصه بغرور، وقال بنبرة مليانة عنجهية: “هي فاكرة إنها بالمحامي ده هتاكل معايا عيش؟ ده أنا معايا ملايين في البنك وعقارات، والقانون فيه ألف ثغرة وثغرة، هلففها كعب داير في المحاكم سنين لحد ما تشحت المليم، ولسه ما اتولدتش اللي تاخد من جيبي قرش غصب عني!”.

أما هلا، فمكنتش عبيطة ولا من النوع اللي يسيب الفرخة اللي بتبيض دهب عشان شوية إنذارات وقضايا على ورق. أول ما عرفت بحجم الورث الحقيقي اللي معاه، لفت عليه بدلعها وذكائها، ورجعت قعدت جنبه في الفيلا وهي بتهديه وتقوله: “يا حبيبي وجع الدماغ ده هيخلص، الفلوس تحل أي مشكلة، أهم حاجة تطلع منها وتأمن مستقبلها هى والعيال اللي هنجيبهم”. وبدأت بذكاء تقنعه ينقل حاجات من ممتلكاته باسمها أو يعمل لها توكيلات بيع وشراء عشان  من أحكام الحجز والنفقة اللي مروة رافعاها.

أخويا انخرط في اللعبة، وبقى يصرف على المحامين الكبار عشان يعطلوا القضايا ويماطلوا في الجلسات، وفي نفس الوقت غرقان في طلبات هلا اللي مبتخلصش من دهب وسفريات وعربيات جديدة. كنت بشوفه قاعد بيحسب إزاي يغيظ مروة أكتر، وفاكر إنه بفلوسه وعزه هيقدر يدوس على أي حكم.

لكن الناحية التانية، المحامي بتاع مروة كان شغال على نار هادية زي الصياد المحترف؛ جمع كشوفات الحسابات البنكية، وتاريخ استلام نصيب الورث، وعقود الفيلا قبل ما يفكر ينقلها، وبدأ يزنق أخويا في ركن ضيق بالقانون.

جالي أخويا الشقة مهدود الحيل، وشه مشوه من الصدمة، لابس نفس القميص اللي كان بيتباهى بيه بس مطفي ومتبهدل. قعد على نفس الكرسي اللي كانت مروة بتبكي عليه، باصص للأرض بذهول ومكسور بعد ما خسر مرتين: خسر شقا الورث في المحاكم وعمليات النصب، وخسر الست اللي كانت بتخدم في البيوت عشان تستر اسمه.

بصيتله وأنا مش لاقية كلمة أقولها، حاسة ببرود قاتل في الشقة، وافتكرت اليوم اللي وقفت فيه مروة على نفس العتبة، ورفعت إيديها للسما ودعت علينا بحرقة. بصيت في عينيه وقولتله بصوت واطي: “دعوة الولية اللي مسحت بلاط بيتي عشان تاكلك لقمة حلال.. كانت أسرع من ملايينك يا سليم”.

كنت فاكرة إن المصيبة وقفت عند أخويا وخسارته، ومكنتش أعرف إن القدر كان مجهزلي الضربة التانية اللي تكسر ضهري بجد.

بعد أسبوعين من خراب بيت أخويا، وأنا لسه عايشة في صدمة اللي حصله، تليفوني رن برقم دولي.. كان جوزي اللي مسافر يشتغل برة في الخليج بقاله تلات سنين عشان يجهز مستقبلنا ونشتري شقة تمليك باسمنا. فتحت الخط ولسه بقوله: “ألو.. وحشتني يا أبو العيال، كويس إنك اتصلت عشان تشوف اللي جرالنا”، لقيت صوته طالع بارد، ناشف، ومفيهوش ريحة الود ولا اللهفة.

قاطعني بنبرة مقتضبة وهو بيقول: “سعاد.. اسمعيني كويس ومتقاطعيش.. أنا باعتلك مع محامي في مصر ورقة طلاقك، ومؤخرك هيتحولك على حسابك بالجنيه المصري،  الإيجار اللي أنتي قاعدة فيها عقدها هيخلص أول الشهر ومش هجدده.. خدي عيالك وروحي اقعدي في بيت أهلك”.

الأرض لفت بيا، التليفون كان هيقع من إيدي وصرخت فيه بهستيريا: “طلاق إيه وعقد إيه؟! أنت اتجننت يا راجل؟! ده شقا عمري معاك، ده أنا مستحملاك ومستنية رجوعك وبوفرلك القرش على القرش!”.
رد بضحكة مستفزة قطعت شراييني: “أنا اتجوزت خلاص هنا وعملت إقامة واستقريت، مراتي الجديدة صغيرة وشايلاني في عينيها ومش عايز وجع دماغ ومشاكل من مصر.. متتعبيش نفسك في محاكم لأن كل شغلي وأملاكي وفلوسي هنا ومفيش مليم واحد في بنوك مصر تقدري تحطي إيدك عليه.. ورقتك هتوصلك والباقي مش مسؤوليتي”.

وقفل السكة في وشي.

قعدت على الأرض مكاني في نفس الصالة، مذهولة ومشلولة، أصرخ وألطم على وشي من غير ما يطلع مني صوت.. شريط الأيام رجع يلف قدام عيني بسرعة البرق؛ شفت مروة وهي قاعدة في نفس النقطة منهارة وبتقولي: “الحقيني يا سعاد”، شفت نظرتي المتكبرة ليها والـ ١٥٠ جنيه اللي كنت برميها في وشها بتعالي، ورن في ودني صوت دعاها بحرقة: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا سعاد أنتِ وأخوكي.. ربنا يردلي حقي منكم في الدنيا قبل الآخرة”.

الحق رجع، بس بالنار اللي  إحنا الاتنين. أخويا قاعد جنبي مكسور ومسروق ومطرود من فيلته، وأنا مطلقة ومرميه في الشارع بعيالي ومش طايلة من جوزي لا حق ولا باطل ولا مليم يسندني، لا عرفت أشغل مروة خادمة عندي بلقمتها، ولا بقيت لاقية حتى اللقمة اللي أطعم بيها ولادي.

بصيت للسما ودموعي بتنزل حارقة على خدي، وفهمت إن كاس الظلم اللي سقيناه لمروة، ربنا كتب علينا نشربه لحد

آخر نقطة.. بس على أصوله.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى