
هو اللي كان بيقولها بطلي دراما زمان، لما كانت تعيط عشان اتأخر في العيادة. دلوقتي الكلمة وقفت في زوره.
وقعت الكلمة على ماجد زي الصاعقة. ل ثوانٍ معدودة، حس إن رجليه مش شايلينه، والدنيا لفّت بيه. بص لولاء اللي وشها اتقلب في ثانية من الغل للرعب الخالص، وحاولت تتعدل من على وهي بتصرخ بجنون: “يحيى!! ابنـي!! عملت فيه إيه يا ماجد؟ ابني؟!”
-
بأسم صديقتيمنذ 3 ساعات
-
السر المرعبمنذ 4 ساعات
-
العلامة اللي كابتن حسام عملهامنذ 6 ساعات
“خليكي مكانك!” زعق ماجد وهو بيلف ضهره وبيجري ناحية الباب، وعقله شغال زي الماكينة: “متحركيش.. هجيبهولك عايش!”
جرى في ممر المستشفى بأقصى سرعة عنده، بيطير مش بيجري، وقلبه بيدق لدرجة إنه سامع صوته في ودانه. دخل الحضّانات وزق الباب بقوة. لقى طبيب الأطفال المقيم والممرضة متجمعين حوالين حضّانة يحيى، وصوت جهاز المونيتور بيصفر صفارة متصلة ومرعبة.. النبض بينزل بسرعة، والأكسجين وصل لـ 50%.
“في إيه؟” زعق ماجد وهو بيزق الدكتور المقيم ويبص على ابنه. الولد كان لونه أزرق تماماً، شفايفه زرقا، وصدره مبيتحركش.
الدكتور المقيم برعب: “يا فندم حصل ارتداد فجائي للسوائل الملوثة (العقي) اللي بلعها جوه الرحم، سدت الشعب الهوائية تماماً وتسببت في اختناق حاد (Aspiration syndrome) مع هبوط في وظائف الرئة.”
ماجد مسمعش باقي الكلام. في اللحظة دي، اختفى ماجد الأب، واختفى ماجد الزوج الندمان، ومبقاش فيه غير الاستشاري اللي بقاله 10 سنين بينقذ أرواح.
“حضرولي أنبوبة حنجرية مقاس 2.5 فوراً! وشفاط ضغط عالي!” صوته كان حاد وقاطع زي المشرط.
أخد الأنبوبة بإيد حديدية، مفيش فيها الهزة بتاعة العمليات. انحنى على جسم ابنه الصغير، فتح بقه الصغير بالمنظار الحنجري، وبدأ يدخل الأنبوبة بدقة متناهية.. ملمتر واحد غلط كان ممكن حنجرة الطفل.
“شغل الشفاط!”
بدأ يسحب السوائل الملوثة اللي كانت بتخنق رئة يحيى. الدموع كانت بتجمع في عينيه بس كان بيجبر نفسه ميرمش عشان يشوف. سحب أول مرة، وتاني مرة، لحد ما المجرى الهوائي اتفتح.
“وصلوا الأمبو باج (جهاز التنفس اليدوي)!”
دقيقة.. دقيقتين.. و مفيهاش غير صوت الضغط المنتظم على البالونة. وفجأة، الشاشة بدأت تتحرك.. النبض بدأ يترفع.. 80.. 100.. 120.. والأكسجين بدأ يعلى ويوصل لـ 92%. ولون الولد بدأ يتغير من الأزرق القاتم للوردي. يحيى كح كحة ضعيفة، ورجع يصرخ تاني صرخة مكتومة بسبب الأنبوبة.
أول ما فتح الرحم، المية حوالين الجنين كان لونها غريب…..
أول ما فتح الرحم، المية حوالين الجنين كان لونها غريب.. مية ملوثة بـ “العقي”، الجنين بدأ يتبرز جوه الرحم نتيجة نقص الأكسجين. دي علامة خىطر مرعبة في أمراض النساء، معناها إن البيبي بيموت جوه.
“شفاط بسرعة!” زعق ماجد بصوت هز جدران . الممرضة اتحركت زي الروبوت. ماجد إيديه كانت بتسبق عقله، غريزة الدكتور اللي جواه هي اللي سايقة دلوقتي. سحب الجنين بسرعة، لقى الحبل السري ملفوف حوالين رقبته لفتين. فكه بمهارة وسرعة وهو حاسس إن روحه هي اللي بتتسحب.
دقيقة كاملة مرت كأنها سنة. مفيش فيها غير صوت جهاز ضغط ولاء اللي عمال يصفر، ونبضات قلبها اللي بتقل.
وفجأة.. صرخة عالية هزت المكان. صرخة البيبي.
الممرضة اتنفست الصعداء: “ولد زي الفل يا دكتور! بسم الله ما شاء الله.”
ماجد مقدرش يبص لوش الولد. مكنش عنده رفاهية الوقت. “خديه على الحضّانة فورا، شفطيله السوائل من مناخيره وبقه.” أداها البيبي والتفت بسرعة لولاء.
الرحم مكنش بيمسك. بعد ما المشيمة طلعت، الرحم رافض ينقبض. “وهن رحم حاد”. بدأ، والدم كان بيغرق الترابيزة.
“دكتور، الضغط 60 على 30! المريضة بتدخل في صدمة نزفية!” صوت ممرضة التخدير كان مرعوب.
“علقي كيسين دم فورا! فصيلة O سلبية لحد ما نحدد فصيلتها! اديني حقنة “أوكسيتوسين” في العضل وواحدة في المحلول!” إيديه كانت جوه بطن ولاء، بيعمل مساج للرحم من الداخل والخارج بكل قوته عشان يجبر العضلة تنقبض.
بص لوش ولاء. عينيها غابت تماما، ووشها بقى أبيض زي الورقة. دموعها كانت لسه ناشفة على خدها.
في اللحظة دي، الحسبة اللي ضربت في دماغه رجعت تاني زي الكابوس. سبع شهور! هو مطلقها من سبع شهور، والبيبي نازل في أول التاسع، يعني كامل النمو. بالعقل والطب، الست دي حملت وهي على ذمته. في آخر شهرين قبل
طب إزاي؟ إزاي وهي بقالها سنتين بتلف معاه على الدكاترة، والكل أجمع إن عندها انسداد كامل وغير قابل للعلاج في قنوات فالوب، وإن نسبة حملها طبيعي هي صفر في المية؟ إزاي وهي كانت بتبكي بدل الدموع دم كل شهر لما العادة الشهرية بتجيلها؟
“انتي مبتخلفيش ومش هتخلفي”.. الكلمة رجعت ترن في ودنه بصوته القاسي يوم ما سابها.
“الرحم بدأ يستجيب يا دكتور، الب بيقل!” صوت الممرضة رجعه للواقع.
ماجد ضغط على سنانه وبدأ يقفل الطبقات بسرعة ودقة. إيده لسه بترتعش، بس تركيزه كان في أعلى درجاته. قفل الجلد، وبص على جهاز الضغط: 90 على 60. ولاء بدأت تستقر، بس لسه تحت تأثير البنج والإرهاق التام.
خرج من غرفة العمليات، قلع الجاون وهو حاسس إنه شايل جبل على كتافه. لقى جارتها قاعدة بره، ست بسيطة لامة عبايتها ومخىطوفة من القلق.
أول ما شافته وقفت: “طمنا يا دكتور؟ ولاء عاملة إيه؟ والواد؟”
ماجد ثبت نظراته عليها وقال بنبرة جامدة: “الوالدة والبيبي كويسين، دخلوا الإفاقة. انتي جارتها من زمان؟”
الست هزت راسها: “أيوة يا بيه، من يوم ما سكنت في دمنهور من ست شهور لوحدها.. غلبانة ومكسورة، ومبتدريش على حملها، كانت بتقول دايما إنها مبروكة والبيبي ده معجزة من عند ربنا بعد ما الدكاترة عجزوا.”
ماجد حس بضربة في صدره: “سكنت من ست شهور؟ هي مجابتش سيرة جوزها؟ أبو الولد فين؟”
الست بكت بدموع حقيقية: “جوزها إيه بس يا دكتور.. دي كانت بتقول إنه مات.. مات قبل ما يعرف إنها حامل. كانت بتشتغل خياطة ليل مع نهار عشان تجهز للواد، ومكنتش بتاكل لقمة عدلة لحد ما جاها طلق مبكر النهاردة الصبح. أنا ملقتش في جيبها غير تمن الإسعاف وجبتها على هنا علطول.”
مات؟ ولاء قالت للناس إنه مات؟
ساب الجارة واقفة ودخل مكتبه وقفل الباب. قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه. الأفكار كانت بتطحن في دماغه. ولاء حملت في آخر أيامها معاه. الحمل حصل وهي لسه مراته، يعني الولد ده ابنه! ابنه هو! الراجل اللي بقاله سبع شهور عايش في وهم إن العيب منها، الراجل اللي كان بيرتب عشان يخطب بنت تانية عشان تجيبله الحتة العيل اللي كان بيموت عليه.
قام ومشى بخطوات تقيلة ورايح يزور الحضّانة. وقف ورا اللوح الإزاز. الممرضة كانت بتنظف البيبي وبتحطه تحت الدفاية.
بص لملامحه. الواد شبهه بشكل غريب. نفس قصة الحواجب، نفس تدويرة الوش. الولد فتح عينيه الصغيرة وبدأ يتحرك. ماجد حس بقشعريرة في كل جسمه. ده ابني. ابني اللي رميت أمه في الشارع وقولتلها انتي عاقر.
عدت ساعتين، وولاء اتنقلت عادية. البنج بدأ يروح تماما.
فتح الباب ودخل ا. كانت صاحية، ساندة راسها على المخدة، وعينيها باصة للسقف بفراغ. أول ما سمعت صوت الباب التفتت. لما شافته، عينيها ملقطتش نظرة لهفة ولا عتاب.. لقطت نظرة خوف ونفور.
ماجد قرب وقعد على الكرسي اللي جنب كانت هادية بشكل








